من الدوحة إلى غرناطة، تمتد مبادرة ثقافية وأكاديمية جديدة تحمل اسم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، لتعيد وصل الحاضر بإحدى أكثر الصفحات إشراقاً في تاريخ التفاعل الحضاري بين العرب وأوروبا.
فمع تدشين كرسي تميم بن حمد لتعليم اللغة العربية والتراث الأندلسي في جامعة غرناطة الإسبانية، تواصل دولة قطر ترسيخ حضورها العالمي في دعم اللغة العربية والبحث العلمي والدبلوماسية الثقافية، عبر مشروع يجمع بين التعليم والتوثيق والحوار الحضاري.
ويأتي تأسيس الكرسي في مدينة غرناطة، آخر حواضر الأندلس العربية الإسلامية، ليؤكد أهمية استعادة الإرث الثقافي والمعرفي الذي أسهمت العربية في بنائه على مدى قرون، وليوفر منصة أكاديمية متخصصة لدراسة اللغة العربية والتراث الأندلسي وتعزيز التبادل العلمي بين الباحثين والمؤسسات الأكاديمية في العالمين العربي والأوروبي.
«العرب» تستعرض أهداف كرسي تميم بن حمد للغة العربية والتراث الأندلسي، وبرامجه المستقبلية، من خلال آراء عدد من المسؤولين والأكاديميين والمثقفين حول دلالاته الثقافية والعلمية، ودوره المنتظر في إحياء الدراسات الأندلسية وتعزيز حضور العربية في أوروبا وبناء مساحات جديدة للحوار الحضاري بين الشرق والغرب.
وأجمع هؤلاء على أن الكرسي الجديد يتجاوز كونه مشروعاً أكاديمياً إلى كونه رسالة حضارية تعكس رؤية قطر في الاستثمار بالإنسان والمعرفة، وتعزيز حضور العربية في الجامعات العالمية بوصفها لغة علم وثقافة وحوار، فضلاً عن ترسيخ جسور التواصل بين الشعوب والثقافات.
مدير كرسي تميم بن حمد بجامعة غرناطة: الدوحة تقود مشروعاً لإحياء التراث الأندلسيأكد الدكتور خوسيه ميغيل بويرتا مدير كرسي تميم بن حمد للغة العربية والتراث الأندلسي في جامعة غرناطة أن تدشين كرسي تميم بن حمد للغة العربية والتراث الأندلسي يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز التعاون الأكاديمي والثقافي بين جامعة حمد بن خليفة وجامعة غرناطة، وإحياء الروابط التاريخية التي جمعت الجزيرة العربية بالأندلس عبر قرون طويلة.
وقال بويرتا، في تصريح خاص لـ«العرب»، إن الكرسي الذي دُشّن في 15 يونيو الجاري بدأ عمله بـ «حماس ومسؤولية كبيرة»، مستهدفاً دعم تعليم اللغة العربية في غرناطة، وتشجيع النشر والترجمة بين العربية والإسبانية، والمساهمة في دراسة التراث الأندلسي وحمايته والتعريف به للجمهور وفق أسس علمية دقيقة.
وأوضح أن غرناطة تحتل مكانة استثنائية في التاريخ العربي الإسلامي، إذ كانت آخر عاصمة للأندلس وأطول دولة عربية إسلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية، واستمرت نحو 260 عاماً، فيما امتد الوجود العربي والإسلامي في الأندلس قرابة ثمانية قرون، الأمر الذي جعل المدينة تحتفظ بتراث معماري وثقافي فريد، من أبرز معالمه قصر الحمراء، والمدرسة اليوسفية، والقيصرية، والبمارستان، فضلاً عن آلاف المخطوطات والتحف الفنية المحفوظة في المتاحف والمكتبات الإسبانية.
وأشار إلى أن هذا الإرث التاريخي أسهم في نشوء مؤسسات أكاديمية وثقافية متخصصة في دراسته وصونه، من بينها جامعة غرناطة التي تأسست عام 1531، والأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بغرناطة، ومعهد الدراسات العربية، ومؤسسة التراث الأندلسي، والمؤسسة الأوروبية العربية.
وكشف بويرتا أن من أبرز مشاريع الكرسي تنفيذ برامج بحثية مشتركة حول المدرسة اليوسفية التي أسسها السلطان يوسف الأول عام 1349، باعتبارها المدرسة الحكومية الوحيدة التي أُنشئت في الأندلس، وذلك عبر إصدار كتاب أكاديمي جماعي عن المبنى وعلمائه، وإعادة إنشاء مكتبة تضم مؤلفات هؤلاء العلماء، والعمل على إعادة تعليم اللغة العربية في المدرسة التاريخية.
وأضاف أن الكرسي يعتزم تنظيم مؤتمر دولي سنوي بالتناوب بين قطر وإسبانيا حول العلوم والآداب والفنون والفكر الأندلسي، إلى جانب المشاركة في إعداد سلسلة من مناهج تعليم اللغة العربية تستفيد من خبرات الأكاديميين الإسبان والعرب، ونشر كتب بالعربية والإسبانية حول علماء الأندلس ومدنها ومعالمها الحضارية، فضلاً عن تقديم منح لطلبة الدكتوراه في مجالات الدراسات العربية والأندلسية.
وأكد أن الهدف النهائي لهذه المبادرات يتمثل في ترسيخ المعرفة المتبادلة وتعزيز الصداقة بين القطريين والعرب والإسبان والأوروبيين، مشدداً على أن المدرسة اليوسفية، التي تحتضن مقر الكرسي، «تعود اليوم إلى جذورها العلمية العربية»، وأن تعزيز حضور اللغة العربية في غرناطة يعد خطوة طبيعية تنسجم مع تاريخ المدينة وتراثها الحضاري العريق.
وهذه الصياغة أقرب إلى استيعاب جميع الأفكار التي أراد بويرتا إيصالها، مع إعطاء الأولوية للبعد القطري في المقدمة.
الكاتب والروائي جمال فايز: خطوة ثقافية وأكاديمية مهمة لنشر «لغة الضاد» عالمياًأكد الكاتب والروائي جمال فايز أن تدشين كرسي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى لتعليم اللغة العربية والتراث الأندلسي في جامعة غرناطة الإسبانية، يمثل خطوة ثقافية وأكاديمية مهمة تعكس الدور الذي تضطلع به دولة قطر في دعم اللغة العربية ونشرها عالمياً، وتعزيز حضورها بوصفها لغة علم ومعرفة وحوار حضاري.
وقال إن الكرسي يكتسب أهمية خاصة لارتباطه بمدينة غرناطة التي تعد واحدة من أبرز المدن الأندلسية التي شكلت عبر التاريخ نموذجاً فريداً للتفاعل الثقافي والتعايش الإنساني والإبداع العلمي والفكري، مشيراً إلى أن إحياء دراسة التراث الأندلسي في مؤسسة أكاديمية عريقة مثل جامعة غرناطة يسلط الضوء على مرحلة تاريخية مهمة كان فيها للغة العربية دور محوري في إثراء الحضارة الإنسانية ونقل العلوم والمعارف بين الشرق والغرب.
وأوضح أن المشروع يجسد إيمان دولة قطر بأن الثقافة والمعرفة تمثلان جسراً للتواصل بين الشعوب، وأن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي هو استثمار في مستقبل أكثر تفاهماً وانفتاحاً، لافتاً إلى أن هذه المبادرات تسهم في بناء شراكات ثقافية وعلمية تتجاوز الحدود الجغرافية.
وأضاف الكاتب جمال فايز أن الكرسي الجديد يعزز حضور الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا، ويفتح آفاقاً جديدة أمام الباحثين والطلبة والمهتمين للتعرف على الإرث الحضاري للأندلس.
وأكد أن هذه المبادرة تمثل رسالة حضارية تؤكد أن اللغة العربية ما تزال حية وقادرة على بناء جسور الحوار والتقارب بين الثقافات المختلفة، وأن التراث الأندلسي سيظل رمزاً للتنوع والتسامح والتفاعل الإنساني الذي يمكن الاستفادة من قيمه في عالم اليوم.
د.
محمد العبيدي المدير التنفيذي لمعجم الدوحة: تعزيز الوعي بالإسهامات العربية في الحضارة الإنسانيةأكد الدكتور محمد العبيدي، المدير التنفيذي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، أن تدشين كرسي تميم بن حمد لتعليم اللغة العربية والتراث الأندلسي في جامعة غرناطة الإسبانية يمثل حدثاً ثقافياً وعلمياً مهماً يتجاوز حدود التعاون الأكاديمي التقليدي، ليعبر عن رؤية حضارية متكاملة تعكس وعي دولة قطر بمكانة اللغة العربية ودورها في بناء جسور المعرفة والتواصل بين الأمم والشعوب.
وقال العبيدي إن المبادرة تكتسب أهمية خاصة لارتباطها بمدينة غرناطة، إحدى أبرز الحواضر الأندلسية التي شهدت ازدهار الآداب والفنون والعلوم العربية الإسلامية، مشيراً إلى أن إنشاء كرسي أكاديمي متخصص في تعليم العربية ودراسة التراث الأندلسي داخل هذا الفضاء التاريخي يحمل دلالات معرفية وحضارية عميقة، ويسهم في إعادة إحياء جانب مهم من الإرث المشترك بين الشرق والغرب.
وأوضح المدير التنفيذي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، أن أهمية الكرسي لا تقتصر على تعليم اللغة العربية فحسب، بل تمتد إلى دعم البحث العلمي في مجالات التراث الأندلسي والمخطوطات والتاريخ الثقافي والفنون والعمارة، بما يعزز الوعي بالإسهامات العربية والإسلامية في الحضارة الإنسانية ويشجع الحوار المعرفي بين الثقافات المختلفة.
وأشار إلى أن هذه المبادرة تأتي في سياق المشروع القطري المتكامل لخدمة اللغة العربية وتعزيز مكانتها محلياً وعالمياً، لافتاً إلى أن دولة قطر أولت اهتماماً واسعاً باللغة العربية عبر عدد من المبادرات العلمية الرائدة، وفي مقدمتها معجم الدوحة التاريخي للغة العربية الذي يعد من أكبر المشاريع العلمية العربية المعاصرة، إلى جانب قانون حماية اللغة العربية الذي أسهم في تعزيز حضورها في مؤسسات الدولة ومجالات الحياة العامة.
وأضاف أن قطر حرصت خلال السنوات الماضية على دعم تعليم العربية وتطوير البحث العلمي المرتبط بها من خلال الشراكات الأكاديمية والكراسي العلمية والبرامج البحثية في عدد من الجامعات العربية والعالمية المرموقة، انطلاقاً من إيمانها بأن اللغة العربية ليست مجرد أداة للتواصل، بل وعاء للمعرفة وركن أساسي من أركان الهوية الحضارية العربية.
واعتبر العبيدي أن كرسي تميم بن حمد في غرناطة يمثل إضافة نوعية إلى الجهود القطرية المتواصلة في خدمة العربية، وتجسيداً لرؤية تؤمن بأن الاستثمار في اللغة والثقافة هو استثمار في القوة الناعمة، وفي بناء جسور التفاهم والتواصل بين الشعوب والثقافات.
د.
سمية المكي أستاذ اللغة العربية بجامعة قطر: الكرسي يعكس رؤية قطر في الدبلوماسية الثقافية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك