يتفاخر الدبلوماسيون ـ من مختلف المدارس الدبلوماسيَّة الأجنبيَّة ـ بشأن طبيعة بروتوكول وإتيكيت نظام ونظريَّات ومدارس الكتمان والسريَّة، سواء في حياتنا اليوميَّة أو الوظيفيَّة والذي يُعَدُّ أهمَّ بنود المفاوضات والتصرفات والسلوكيَّات الفرديَّة، سواء في بيئة العمل أو بفن الدبلوماسيَّة وخصوصًا في المباحثات والنقاشات الجانبيَّة، سواء على المستوى العائلي الشخصي أو على مستوى إدارة الفعاليَّات والأنشطة الرسميَّة، وكيف يتبارون في استخدام فقرات الكتمان والسريَّة في الحياة اليوميَّة ومع الطرف الثاني، سواء من كبار الشخصيَّات والوفود الرسميَّة أو في الأنشطة الرسميَّة أو غير الرسميَّة، حيث درست المدارس الدبلوماسيَّة تأثير نظريَّات ومُقوِّمات وسِمات الكتمان والسريَّة ونوعها وتأثيرها على نفسيَّة الأشخاص وسلوكهم وأهدافهم.
وكانت نظريَّات عِلم النفس والاجتماع تؤدي دورًا مهمًّا في وضع استراتيجيَّات هذا النوع من الإتيكيت؛ لأنه يدخل ضمن تصرف الدبلوماسي الناجح، سواء بلُغة الجسد أو الكلام، وهو أحد أقسام مُقوِّمات نجاح المفاوض البارع ضمن فصول ومعالم الدبلوماسيَّة.
اعتُمدت هذه النظريَّات بعدم البوح بأيٍّ من المعلومات ـ وإن كانت بسيطة ـ للطرف الآخر؛ لما له من أثر سلبي على سَير السلوكيَّات والتكتيك المرسوم للهدف الذي وضعه المسؤولون.
ويُستثنى من ذلك الجانب العسكري لبعض الحالات، ومنها إفشاء بعض الأسرار لمعرفة رد فعل الجانب الآخر وما لديه من أسلحة أو معدَّات مخزنة.
لُغويًّا، كتم الشيء هو أحد أبواب النصر والنجاح والتفوق، يمكننا القول بأن الكتمان أن تفعل ما تريد فعله دون أن يعرف بذلك الآخرون، وتعطي لأفعالك هذه غطاءً لا يمكن مشاهدته من قِبل الآخرين.
ويحتاج الإنسان في طبيعته البشريَّة إلى كتم بعض أسراره إن لم يكن كلها.
على أيِّ حال يُعَدُّ (الكتمان) من السِّمات الناجحة لدى الدبلوماسي المثالي، وكذلك عند عامَّة الناس.
وكلَّما كان الإنسان كتومًا استطاع أن ينجز بعض أو كل أعماله بشكلٍ آمِن وناجح.
كان أجدادنا الأوائل يعلِّمون أولادهم المحافظة على السِّر، وهي صفة من ألزم الأمور لسلامة الأُمَّة وأمنها، وقد ابتكر الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ «الرسالة المختومة» مراعاة للسريَّة والأمن.
أمَّا الخليفة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: «مَن كتم سرَّه كان الخيار بيده».
وقال الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ: «سِرُّكَ أسيرك فإذا تكلمتَ به صرتَ أسيرَه»، والمقولة الشهيرة للخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ حيث قال: «القلوب أوعية الأسرار، والشفاه أقفالها، والألسنة مفاتيحها، فليحفظ كل أمرئ مفتاح سرِّه».
أمَّا فنُّ الدبلوماسيَّة فيُعَدُّ من أولويَّات دروسها ونظريَّاتها وحلقاتها التعمق في موضوع الكتمان والسريَّة، وتشتهر الولايات المتحدة الأميركيَّة بهذا الأسلوب؛ بسبب كبر المساحة لديها وتعدُّد المدارس والجامعات لديها، خصوصًا بعد الحرب العالميَّة الثانية، والتي فاجأت العالم بقوَّتها العسكريَّة في الحرب العالميَّة الثانية، وقلبت الموازين لصالحها ولصالح الحلفاء.
ولم يكُنْ هتلر والجيش الألماني آنذاك لديه أيّ معلومات دقيقة عن تسلُّح وقوَّة الولايات المتحدة الأميركيَّة؛ بسبب السريَّة العالية والكتمان، بالإضافة إلى بطء في نقل المعلومة آنذاك.
ومن هذا الجانب بدأت الدبلوماسيَّة تُشكِّل أنماطًا وأساليب تمارس في العلن والسِّر وهي الدبلوماسيَّة العلنيَّة أو المفتوحة «Open Diplomacy» وأخرى تحاط بالسريَّة والكتمان وهي الدبلوماسيَّة السريَّة «Secret Diplomacy»، فهذان النوعان من الدبلوماسيَّة من خلال تقديم أسلوبين دبلوماسيين كادا يتشابهان في التسمية ويختلفان في الهدف والأدوات، وأعني هنا؛ الدبلوماسيَّة في الظل «Diplomacy in Shadow» ودبلوماسيَّة الظل «Shadow Diplomacy».
فيما يخص «الدبلوماسيَّة في الظل» فهي نوع من الدبلوماسيَّة العلنيَّة أو المفتوحة والتي تمارسها أجهزة الدولة المختصة من كافة المستويات في الدولة؛ بهدف توطيد علاقاتها الدوليَّة ورعاية مصالحها مع العالم الخارجي، ولكن تتميز دبلوماسيَّتها بالتكتم على تحركاتها، وبالعمل في الظل بعيدًا عن الإعلام ووسائله المتنوعة.
ولعلَّ خير مثال يمكن تقديمه كنموذج عن هذا النوع من الدبلوماسيَّة العُمانيَّة والتوسط لإطلاق سراح بعض المحتجزين لدى الدولة أكس.
أمَّا النوع الثاني فيُعَدُّ من أنواع الدبلوماسيَّة السريَّة، والتي يمكن تعريفها بأنها نوع من الدبلوماسيَّة السريَّة، والتي تُعهد مهمَّتها إلى شخص قريب من رئيس الدولة أو رئيس الحكومة وفقًا لطبيعة ونوع الحكم في الدولة؛ بهدف القيام بتلك المهمَّة بعيدًا عن القنوات الرسميَّة في كل من البلدين المعنيين بتلك المهمَّة أو القضيَّة.
وكثيرًا ما يكون المكلَّف بتلك المهمَّة من ذوي الخلفيَّة العسكريَّة أو الأمنيَّة أو لديه رؤية ثاقبة وبُعد نظر، وهي ما اعتمدها رسولنا الكريم قبل 1400 سنة عندما أرسل المبعوثين خارج البقعة الإسلاميَّة.
د.
سعدون بن حسين الحمدانيدبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك