جريمة العدوان وحق السودان في ملاحقة مصر عن الانتهاكات الواقعة على أراضيه: قراءة قانونية وسياسية في ضوء نظام روما الأساسييمثل تجريم العدوان أحد أهم التحولات التي شهدها القانون الجنائي الدولي المعاصر، إذ انتقل المجتمع الدولي من مرحلة إدانة الحرب العدوانية بوصفها فعلاً منافياً للسلم والأمن الدوليين إلى مرحلة مساءلة الأفراد الذين يخططون أو يهيئون أو يباشرون أو ينفذون أعمالاً عدوانية تشكل انتهاكاً جسيماً لميثاق الأمم المتحدة.
وقد اكتمل هذا التطور بإقرار التعديلات الخاصة بجريمة العدوان في مؤتمر كمبالا عام 2010، ثم دخولها حيز النفاذ في يوليو 2018 ضمن المنظومة القانونية للمحكمة الجنائية الدولية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي فعل عسكري أو أمني أو قسري يقع داخل إقليم دولة ذات سيادة دون موافقتها، ويؤدي إلى المساس بسيادتها أو الاعتداء على مواطنيها أو مواردها أو سلامة أراضيها، يثير بصورة مباشرة أسئلة قانونية تتعلق بمشروعية ذلك السلوك ومدى اتساقه مع أحكام القانون الدولي العام وميثاق الأمم المتحدة.
إن السيادة الإقليمية ليست مجرد وصف سياسي للدولة، بل هي قاعدة آمرة في النظام الدولي الحديث، تستند إلى مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، وإلى الحظر القطعي لاستخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
ولذلك فإن وقوع اعتداءات ضد معدنين سودانيين داخل الأراضي السودانية، لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثاً حدودياً عابراً، بل باعتباره انتهاكاً صارخاً لحرمة الإقليم السوداني واعتداء على الحقوق التي يكفلها القانون الدولي للدولة السودانية ومواطنيها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة إذا ارتبط الفعل باستخدام القوة المسلحة أو بممارسات قسرية تتجاوز حدود الدفاع المشروع عن النفس أو التدابير المسموح بها دولياً.
فالقانون الدولي لا يجيز لأي دولة أن تباشر اختصاصاتها التنفيذية داخل أراضي دولة أخرى من جانب واحد، كما لا يمنحها حق ملاحقة الأفراد أو استهدافهم خارج حدودها الوطنية إلا في إطار قواعد قانونية استثنائية ومحددة على نحو صارم.
وبالنظر إلى التعريف المعتمد لجريمة العدوان، فإن المعيار الحاسم يتمثل في مدى وجود فعل من أفعال استخدام القوة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي، على نحو يشكل انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة، ففي هذه الحالة فإن السودان يملك، من حيث المبدأ، أساساً قانونياً وسياسياً للمطالبة بالتحقيق الدولي، وإثارة المسؤولية الدولية للدولة المعنية، والسعي إلى مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات أمام الآليات القضائية والقانونية المختصة وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة.
كما أن للسودان الحق في اللجوء إلى الوسائل السلمية كافة التي يقرها القانون الدولي، بما في ذلك مخاطبة مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وطلب تشكيل لجان تقصي الحقائق، وإثارة المسؤولية الدولية عن الأضرار الناجمة عن أي انتهاك للسيادة الوطنية أو للحقوق الأساسية للمواطنين السودانيين.
ويستند هذا الحق إلى مبادئ راسخة في القانون الدولي، أهمها واجب احترام الحدود الدولية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحظر استخدام القوة خارج الأطر المشروعة المعترف بها دولياً.
سياسياً، فإن التغاضي عن أي انتهاك للسيادة الوطنية يفتح الباب أمام تقويض أحد أهم الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر، وهو مبدأ احترام الحدود المعترف بها دولياً.
ولذلك فإن الدفاع عن حقوق المواطنين السودانيين الذين تعرضوا لانتهاكات داخل أراضي دولتهم لا يمثل مجرد مطلب إنساني أو وطني، بل يعد دفاعاً عن مبدأ قانوني عالمي يحمي الدول جميعاً من منطق القوة ويفرض سيادة القانون في العلاقات الدولية.
وعليه، ونسبة للأدلة المبدئية من قتلى وشهود، فإن السودان، يملك حقاً أصيلاً في تحريك المسارات القانونية والدبلوماسية الدولية، والمطالبة بالمساءلة والتعويض وضمان عدم التكرار، استناداً إلى قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والمبادئ التي أرساها نظام روما الأساسي بشأن أخطر الجرائم المهددة للسلم والأمن الدوليين.
إن سيادة الدول ليست منحة سياسية قابلة للتفاوض، وإنما حق قانوني ثابت، والاعتداء على المواطنين داخل إقليم دولتهم هو، في جوهره، اعتداء على الدولة نفسها.
ومن ثم فإن حماية المعدنين السودانيين داخل الأراضي السودانية ليست فقط واجباً وطنياً، بل هي أيضاً استحقاق قانوني دولي يجد سنده في منظومة الشرعية الدولية بأكملها.
ومما يجدر ذكره فإن هذا الحق لا يسقط بالتقادم والحكومة المعنية في هذا المقال ليست حكومة بورتسودان العميلة، بل حكومة الشعب وقواه الديمقراطية الحية… ولن يضيع حق وراءه مطالب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك