يواجه سوق الأدوية الرسمي في إيران أزمة هيكلية متصاعدة ونقصًا حادًا في الإمدادات الأساسية والمواد الخام، جرّاء عدم استقرار السياسات والقرارات الحكومية واضطرابات أسعار الصرف، فضلاً عن القيود المصرفية اللوجستية، الأمر الذي أدى إلى انهيار الحماية التأمينية وارتفاع تكاليف العلاج، ليدفع بالمرضى مجبرين نحو سوق سوداء موازية ومربحة للغاية تتغذى على رفوف الصيدليات الفارغة.
وتتفاقم أزمة الأدوية مع تسريب الأدوية المدعومة بأساليب غير قانونية وتهريبها نحو الدول المجاورة، وتغلغل الأدوية المحلية المقلدة والمزيفة بنسبة تتجاوز 80% في الأسواق غير المشروعة مما يهدد حياة المواطنين، وسط انقسام حكومي حاد وخلاف علني بين وزارة الصحة التي تحظر بيع الأدوية عبر المنصات الإلكترونية وتعتبره تهريبًا، ووزارة الاقتصاد التي تدافع عن شرعية هذه المنصات الرقمية وتطالب بدمجها في المنظومة.
في هذا السياق، حذر مسؤولون وشخصيات بارزة في القطاع الصحي الإيراني من أن سوق الأدوية الرسمي في البلاد يتعرض للتآكل نتيجة لعدم استقرار السياسات، واضطرابات العملة، ونقص الإمدادات، مما يدفع المزيد من المرضى نحو البائعين غير الشرعيين والشبكات غير الرسمية.
وتشير التحذيرات المتكررة إلى مرحلة جديدة في أزمة الدواء المزمنة، حيث تضعف سلسلة التوريد الرسمية نفسها ويزدهر سوق سوداء يستغل حاجة المرضى الذين يواجهون رفوف الصيدليات الفارغة والوصفات الطبية غير المكتملة وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية.
,من جهتها، صرحت هالة حميديفر، رئيسة جمعية مصنعي منتجات التكنولوجيا الحيوية الطبية، بأن التحدي الرئيسي لا يقتصر على نقص العملات الأجنبية، بل يشمل عدم الاستقرار في صنع القرار وانعدام التنسيق في التنفيذ، مؤكدة أن التغييرات المفاجئة في السياسات والتعاميم المتغيرة تعطل إمدادات المواد الخام والإنتاج والتوزيع، لتظهر آثارها لاحقًا في الصيدليات والمستشفيات.
ورغم أن إيران تنتج معظم الأدوية المستهلكة محليًا، إلا أن الإنتاج يعتمد على استيراد المواد الخام والمعدات والتغليف، مما يجعله عرضة للقيود المصرفية وتأخيرات الاستيراد.
وأضافت «حميديفر» أن القواعد الأخيرة أجبرت بعض المواد الخام على الخروج من فئات العملات التفضيلية إلى أنظمة أسعار صرف غير ممولة بشكل موثوق، مما اضطر الشركات لإعادة إجراءات التسجيل، فضلاً عن وجود انقطاعات فنية بين أنظمة التجارة وتنظيم الأدوية والأنظمة المصرفية تؤخر وصول المواد الخام، وفقًا لموقع «إيران إنسايت».
من جانبه، أقر المتحدث باسم وزارة الداخلية، علي زينيفاند، بارتفاع أسعار الأدوية، مشيرًا إلى أن الأزمة ناتجة عن الحرب المفروضة، والعقوبات، إلى جانب القصور أو عدم الدقة الداخلية، موضحًا أن الرئيس مسعود بيزشكيان يولي اهتمامًا شخصيًا للقضية، وتعمل وزارة الصحة وهيئة التخطيط والبنك المركزي على اتخاذ تدابير للاحتواء، محذرًا من أن المشاكل الاقتصادية لن تُحل بمجرد توقيع مذكرة تفاهم.
في سياق متصل، كشف تقرير لجمعية الأطباء العامين الإيرانية عن انهيار الحماية التأمينية، إذ فشلت شركات التأمين في زيادة تغطيتها لتتناسب مع الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج، مما أجبر المرضى على تحمل الفروق المالية مباشرة، ودفع العديد من المصابين بأمراض مزمنة وحادة كالسرطان والتصلب المتعدد إلى ترك العلاج لعجزهم عن تحمل التكلفة.
بدوره، أكد محقق في مكتب المدعي العام لطهران المختص بجرائم الأدوية، أن عجز نظام التوزيع الرسمي عن تلبية الاحتياجات يمثل نقطة البداية لازدهار سوق التهريب، موضحًا أنه عندما تلبي الشبكة الرسمية 70% فقط من الطلب، فإن النسبة المتبقية تخلق سوقًا موازية غير قانونية ومربحة للغاية، يضطر المرضى للجوء إليها عبر قنوات «تيليغرام» والوسطاء، مما يدفع العائلات لبيع ممتلكاتها ومدخراتها للحصول على الأدوية النادرة.
وحدد التفتيش القضائي 3 قنوات رئيسية يتم من خلالها سحب الأدوية الرسمية من شبكة التوزيع القانونية وتحويلها إلى السوق السوداء أو تهريبها عبر الحدود إلى أفغانستان والعراق وباكستان نتيجة الفجوة السعرية الكبيرة، وهي: إصدار وصفات طبية مزورة أو وهمية للحصول على الحصص المدعومة، وتسريب الشحنات أثناء مراحل النقل والتوزيع بالجملة، والاتجار غير المشروع، مشيرًا إلى تهريب منتجات التجميل مثل البوتوكس والجل المصنعة في إيران إلى تركيا لإنتاجها المنخفض وجودتها التنافسية.
80% من الأدوية غير المشروعةحذر المحقق القضائي من اتجاه خطير يتمثل في أن أكثر من 80% من الأدوية المتداولة في السوق غير المشروعة حاليًا هي منتجات محلية مقلدة وغير مرخصة، وليست أدوية مستوردة أصلية، مشيرًا إلى أن هذه المواد تُصنع في ورش غير قانونية باستخدام مواد مجهولة أو غير فعالة وملوثة داخل عبوات مزيفة تحمل أسماء علامات تجارية أجنبية شهيرة دون أي ضمان لأصالتها.
في يونيو/حزيران الماضي، أعلن محمد جواد خوشنود عن ضبط شبكة منظمة لإنتاج كريمات مقلدة وحبوب غير قانونية ومصادرتها في ثلاثة مواقع سكنية وتجارية بالتنسيق مع شرطة الأمن الاقتصادي.
ويأتي النقص الحاد في الأدوية والمعدات الطبية رغم أنها مشمولة بالإعفاءات الإنسانية وغير مدرجة في أنظمة العقوبات الدولية بموجب توجيهات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي، وأظهرت التقارير والتحليلات أن شبكات المشتريات الإيرانية تمتلك بنية تحتية لوجستية ومالية تمكنها من التحايل على القيود المصرفية ونقل مكونات إلكترونية ومواد كيميائية حساسة لصناعات الصواريخ والمسيرات عبر موانئ وسيطة في الشرق الأوسط وشرق آسيا، في حين لا تُستغل هذه القنوات بفعالية لاستيراد المواد الخام الصيدلانية الأساسية.
في المقابل، تحوّل ملف بيع الأدوية عبر الإنترنت إلى ساحة خلاف عميق بين المؤسسات الحكومية، وتعتبر وزارة الصحة وهيئة الغذاء والدواء هذا النشاط غير قانوني وشكلاً من أشكال التهريب يُهدد النظام الصحي.
وصرح مؤسس صيدلية المرضى الخاصين في طهران، بأن هذه المنصات أضعفت الرقابة، وتُعرض عليها أدوية نادرة وأدوية علاج كيميائي ومخدرات بأسعار فلكية (مثل دواء «بروليا» لهشاشة العظام الذي يباع بـ 45 إلى 55 مليون تومان مقارنة بسعره الرسمي البالغ 12 مليون تومان، مرجحًا أن يقوم هؤلاء التربحيون بسحب الأدوية النادرة من الصيدليات الحكومية عبر وصفات مزورة لبيعها إلكترونيًا، أو بيع مواد مقلدة.
ومن جهته، شدد رئيس مكتب التفتيش بإدارة الغذاء والدواء في إيران، أن الهيئة لم تمنح أي ترخيص لمنصة عامة لبيع الأدوية، وأن الصيدليات هي المصدر الآمن الوحيد، مشيرًا إلى أن التراخيص الممنوحة لبعض الصيدليات في الفضاء الإلكتروني تقتصر حصرًا على مستحضرات التجميل والمكملات الغذائية المحلية.
كما أكد المتحدث باسم إدارة الغذاء والدواء، صدور تعميم جديد يحظر على الصيدليات التعاون مع منصات توصيل الأدوية عبر الإنترنت، وأنه تم إلزام الصيدليات بتطبيق نظام رقمي جديد عبر بوابة (my.
fda.
gov.
ir) لتقديم الخدمات الصحية والمكملات بشكل آمن في غضون ستة أشهر، مشيرًا إلى أن اللوائح المشتركة التي كان من المفترض صدورها بالتنسيق مع وزارة الاتصالات لم تُنجز بعد.
ورغم هذه الضوابط المشددة من وزارة الصحة، دخل المركز الوطني لرصد وتحسين بيئة الأعمال (التابع لوزارة الشؤون الاقتصادية والمالية) على خط الأزمة، حيث وجه رسالة في 15 يونيو/حزيران إلى محمد رضا بيرسالحي، رئيس إدارة الغذاء والدواء، يطالبه فيها بالكف عن اتخاذ مواقف مناهضة للمنصات الإلكترونية لتوزيع الأدوية.
واعتبر المركز في رسالته أن حظر التعاون يتعارض مع ممارسات الحكومة تجاه مشاركة القطاع الخاص والتحول الرقمي، مستندًا إلى قرارات مجلس الوزراء والمحكمة الإدارية، مطالبًا بإلغاء التعاميم التي تحظر تعاون الصيدليات مع تلك المنصات، مما يعكس انقساماً حكوميًا حادًا حول شرعية هذا الملف وآليات ضبطه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك