في ربيع العام الحالي 2026، وجد العالم نفسه يترنح على حافة هاوية سحيقة، حيث هددت حرب مدمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بتدمير الاقتصاد العالمي.
ومع تآكل القنوات الدبلوماسية القائمة وتعرّض الوسطاء التقليديين أنفسهم للاستهداف، برز مرشح غير متوقع لسد الفجوة واستضافة أرفع مستوى من التواصل المباشر بين واشنطن وطهران منذ عام 1979، ألا وهو باكستان.
وبعد أسابيع طويلة من الكر والفر، نجحت إسلام آباد، بمشاركة قطرية فعالة، في إتمام توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران يوم 18 يونيو/حزيران الجاري وإطلاق مسار تفاوضي لمناقشة الخلافات الجوهرية التي تحتاج وقتا أطول، وهو ما يدفعنا للتساؤل حول البروز" المفاجئ نسبيا" لباكستان كوسيط جوهري في صراع معقد.
تحديدا ما الذي دفع إسلام آباد للانخراط بثقلها في هذه القضية الملتهبة؟ وما هي العوامل التي راهنت عليها للنجاح في مهمتها؟list 1 of 2حين حضر باولو روسي في ملاجئ بيروت وهزم بيكنباور الفلسفة الغربيةlist 2 of 2نعيم قاسم.
كيميائي حزب الله الذي رفض التدخل في سوريافي المجمل، كانت الوساطة الباكستانية نتاجا لتفاعل معقد بين نقاط ضعف اقتصادية، وقيود جغرافية وديموغرافية حادة، وتحول مفاجئ في مكانة باكستان العالمية خاصة علاقتها بالولايات المتحدة.
ولذلك، فإن تحليل الوساطة الباكستانية بشكل حقيقي يتطلب النظر إلى ما وراء طاولة المفاوضات لفهم كيف تمكنت دولة تقع على حدود الصراع من تحويل أعمق أزماتها المحلية إلى أوراق دبلوماسية فعالة في صراع قديم ومعقد للغاية.
العاصفة التي تلوح في الأفقلفهم السبب الذي دفع باكستان إلى الغوص في المياه الخطرة للوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، يتعين النظر إلى" العاصفة الاقتصادية" التي كانت تختمر في سماء إسلام آباد.
فالصراع، الذي احتدم لنحو 40 يوما قبل وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان، تسبب في تعطل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وهو الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية.
وبالنسبة لباكستان، كان هذا التعطيل يمثل تهديدا خطيرا وفوريا؛ إذ تستورد الدولة الآسيوية ما بين 85-90% من نفطها الخام من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلى جانب ما يقرب من 99% من غازها الطبيعي المسال من قطر، وكلها إمدادات يجب أن تمر عبر المضيق.
ومع تصاعد حدة الحرب، ضربت الهزات الارتدادية الاقتصاد الباكستاني بشكل موجع، خاصة أن كل زيادة قدرها 10 دولارات فقط في سعر النفط تكلف باكستان قرابة ملياري دولار إضافية من فواتير الطاقة المستوردة.
نتيجة لذلك، في أوائل مارس/آذار، أي بعد أيام قليلة على اندلاع الحرب، حذر وزير المالية الباكستاني محمد أورنغزيب من أن فاتورة استيراد النفط الشهرية للبلاد قد ترتفع بشكل جنوني.
وبحلول 6 مارس/آذار، اضطرت الحكومة إلى رفع أسعار الوقود بنسبة 20%، وتبع ذلك إجراءات أخرى صارمة شملت تحويل المدارس إلى الدراسة عبر الإنترنت، وتقييد السفر الدولي للمسؤولين الحكوميين، وتقليص عدد أيام العمل، وقطع الكهرباء في بعض الأوقات ضمن خطة صارمة لمواجهة أزمة الطاقة.
" تستورد باكستان 85% من نفطها الخام من السعودية والإمارات، و99% من غازها الطبيعي المسال من قطر"وامتدت هذه التداعيات إلى عمق الأرياف الباكستانية، لتهدد قطاع الزراعة بشكل مباشر.
فالزراعة هي خامس أكبر مساهم في الناتج المحلي الإجمالي لباكستان والمصدر الرئيسي لرزق 40% من سكانها.
ووجد المزارعون الذين يستعدون لموسم الحصاد الربيعي أنفسهم فجأة عاجزين عن تحمل تكاليف الديزل اللازم لتشغيل معداتهم ونقل المحاصيل إلى الأسواق.
علاوة على ذلك، أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل التجارة العالمية لليوريا، السماد الحيوي القادم من منطقة الخليج.
ومع ارتفاع أسعار اليوريا بنسبة 50% عالميا، واجهت باكستان أزمة أمن غذائي تلوح في الأفق.
في الصورة الاقتصادية الأكبر، واجهت باكستان تهديدا كارثيا لاحتياطياتها من النقد الأجنبي: وهو الانهيار المحتمل لتحويلات المغتربين.
فسنويا، يهاجر ما بين 700 ألف إلى 800 ألف باكستاني إلى الشرق الأوسط للعمل والإقامة.
وفي السنة المالية السابقة وحدها، تلقت باكستان ما يقرب من 30 مليار دولار من التحويلات المالية، جاء أكثر من نصفها من منطقة الخليج.
وحذرت التقديرات من أنه إذا استمرت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فقد يضطر ما يصل إلى 1.
4 مليون عامل باكستاني متواجدين حاليا في المنطقة إلى العودة إلى ديارهم.
ومثل هذا النزوح الجماعي كان سيقتطع ما بين 3 إلى 4 مليارات دولار سنويا من تدفقات التحويلات، مع إثقال كاهل الاقتصاد المحلي ببطالة متزايدة في الوقت نفسه.
" في السنة المالية السابقة وحدها، تلقت باكستان ما يقرب من 30 مليار دولار من التحويلات المالية، جاء أكثر من نصفها من منطقة الخليج"لذا، لم يكن السعي للتوصل إلى اتفاق سلام بالنسبة لباكستان مجرد رغبة في كسب الود الدولي، بل كان ضرورة اقتصادية مطلقة.
وعلى العكس من ذلك، كان الحل الناجح ورفع العقوبات الأمريكية على طهران يحملان وعودا بمكافآت اقتصادية هائلة، أبرزها إحياء مشروع خط أنابيب الغاز المتعثر بين إيران وباكستان.
هذا المشروع المؤجل كان بإمكانه تزويد باكستان بالطاقة الرخيصة وتوسيع الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان (CPEC).
بينما كان البقاء الاقتصادي هو الدافع الفوري، فإن الحقائق الجغرافية والديموغرافية لباكستان جعلت تجاهل الأزمة أمرا مستحيلا تقريبا.
فباكستان تشترك مع إيران في حدود يسهل اختراقها تمتد لمسافة 900 كيلومتر (560 ميلا).
وتفصل هذه الحدود بين إيران وإقليم بلوشستان الباكستاني، وهو منطقة تعاني بالفعل من تمرد انفصالي مستمر.
وكان أي صراع مطول أو انهيار للدولة في إيران يهدد بالانتقال إلى داخل باكستان، مما قد يطلق العنان لعنف المسلحين وتدفقات ضخمة من اللاجئين.
أكثر من ذلك، يعد إقليم بلوشستان حجر الزاوية للطموحات الاقتصادية المستقبلية لباكستان؛ فهو يضم ميناء غوادر، الذي يمثل عقدة مركزية في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، ومنجم ريكو ديك الذي يحتوي على احتياطيات غير مستغلة تقدر بنحو 60 مليار دولار من الذهب والنحاس.
علاوة على ذلك، كانت شركة أرامكو السعودية قد التزمت بمشروع مصفاة بقيمة 10 مليارات دولار في غوادر عام 2023.
وإضافة إلى هذا التكامل الاقتصادي، سمحت إسلام آباد مؤخرا بمرور بضائع دول ثالثة (ترانزيت) عبر بلوشستان نحو إيران، باستخدام طرق برية، وكان من شأن زعزعة الاستقرار في إيران أن يعرض هذه الاستثمارات والمسارات التجارية للخطر.
ولم تكن القيود الديموغرافية أقل قابلية للانفجار؛ إذ تضم باكستان ما بين 20 إلى 36 مليون مسلم شيعي (على اختلاف التقديرات)، يمثلون نحو 10-15% من مواطنيها البالغ عددهم 240 مليون نسمة، مما يجعلها الدولة التي تضم أكبر تجمع سكاني شيعي خارج إيران.
وعندما أدت الضربات الأمريكية الإسرائيلية إلى اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، اشتعلت الاحتجاجات في باكستان ما أسفر عن مقتل 21 شخصا، من بينهم 10 متظاهرين قُتلوا خلال محاولة لاقتحام القنصلية الأمريكية في كراتشي في 1 مارس/آذار.
وقد طالب حزب الحركة الجعفرية (تحريك جعفري باكستان)، وهو أكبر حركة سياسية شيعية في البلاد، بتوجيه اتهامات جنائية ضد القنصل العام الأمريكي.
" يعد إقليم بلوشستان حجر الزاوية للطموحات الاقتصادية المستقبلية لباكستان، خاصة ميناء غوادر"أثبت السير على هذا الحبل الطائفي المشدود أنه يتطلب حذرا شديدا من القيادة الباكستانية.
ففي أعقاب الاضطرابات التي تلت وفاة خامنئي، نُقل عن المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، قوله لرجال دين شيعة: " إذا كنتم تحبون إيران إلى هذا الحد، فاذهبوا إلى إيران"، وهو تصريح غير مقصود عزاه مكتبه لاحقا إلى قلة النوم.
وأدرك قادة باكستان أن حربا مطولة بين الولايات المتحدة وإيران لن تجلب التهديدات الخارجية فحسب، بل قد تشعل توترا طائفيا داخل الحدود.
أدى التداخل المعقد لآثار الصراع الإقليمي وتداعياته الاقتصادية والسياسية والطائفية على الداخل الباكستاني إلى دفع إسلام آباد إلى التحرك، مستغلة خلو الساحة الدولية من الوسطاء التقليديين.
فقد فرضت ظروف الحرب قيودا هيكلية على القوى الإقليمية والدولية؛ حيث انشغلت روسيا بحربها في أوكرانيا، في حين واجهت الصين عدم ثقة من الجانب الأمريكي، وبقيت دول الخليج -بما فيها قطر وعُمان- تحت التهديد المباشر للصراع كأطراف متضررة.
وفي المقابل، قدمت باكستان نموذجا فريدا لدولة إسلامية تقع جغرافيا خارج نطاق الضربات الانتقامية المباشرة.
وقد استندت بذرة الوساطة إلى قدرة إسلام آباد على بناء الثقة والتحدث مع الأطراف المتضادة في آن واحد.
فمن جهة، نجحت إسلام آباد في كسب طمأنينة طهران من خلال إدانتها العلنية لإسرائيل خلال حرب الـ 12 يوما منتصف عام 2025، فضلا عن انتقادها للهجمات على إيران -وأيضا على دول الخليج- خلال الحرب الأخيرة، مما عكس صيغة دبلوماسية حذرة تدين الحرب دون إدانة أطرافها مباشرة.
" استندت بذرة الوساطة إلى قدرة إسلام آباد على بناء الثقة والتحدث مع الأطراف المتضادة في آن واحد"ومن جهة أخرى، كانت العلاقات الباكستانية الأمريكية قد شهدت إعادة بناء متينة، بدأت بمساعدة إسلام آباد في اعتقال محمد شريف الله، العقل المدبر لتفجير مطار كابول عام 2021، وتوطدت بقوة عقب نجاح الوساطة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترمب في إنهاء الصدام العسكري بين الهند وباكستان في مايو/أيار 2025؛ وهو الموقف الذي استثمرته باكستان بذكاء لتعزيز حظوتها لدى ترمب عبر ترشيحه لجائزة نوبل للسلام، على النقيض من الهند التي أنكرت دور الرئيس الأمريكي بالكلية.
وتُرجم هذا التقارب إلى علاقة ثنائية وشخصية وثيقة جمعت ترمب بقائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، الذي نال إشادة علنية من الرئيس الأمريكي.
ولم تكتفِ باكستان بهذه الحظوة في واشنطن، بل حرصت على إضفاء طابع متعدد الأطراف على تحركها لكسب الشرعية الإقليمية والدولية؛ فاستضافت في أواخر مارس/آذار اجتماعا لوزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر، ثم نسقت مباشرة مع بكين، حيث أسفرت مباحثات وزير الخارجية إسحاق دار مع نظيره الصيني وانغ يي عن إطلاق مبادرة سلام مشتركة من خمس نقاط، وفرت المظلة السياسية لطهران للدخول في المحادثات.
وفي الوقت ذاته، اتكأت باكستان على عمق روابطها مع دول الخليج العربي التي تحتضن ملايين العمالة الباكستانية، والتي تعززت بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع المملكة العربية السعودية في سبتمبر/أيلول 2025.
ومن هذا المنطلق، لم تهدف الوساطة الباكستانية إلى احتكار المسار الدبلوماسي، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز تلتقي عندها الجهود؛ حيث نسقت مع مصر وتركيا اتصالات داعمة، فيما لعبت الدوحة دورا مكملا لمسار إسلام آباد وليس بديلا عنه.
ورغم كل هذه العوامل، أظهر دور باكستان القيود الصارمة لوساطة القوى المتوسطة؛ فقد كان بإمكان إسلام آباد تسهيل الحوار وترجمة المطالب، لكنها كانت تفتقر إلى قوة الضغط الإلزامية لفرض تنازلات على أي من القوتين المتحاربتين.
لذلك، لم تسر العمليات الدبلوماسية في خط مستقيم، بل ظلت تتقدم وتتوقف ثم تُستأنف وتصل إلى حافة الاختراق قبل أن تنهار الفرص في اللحظات الأخيرة عدة مرات.
" المسار التفاوضي عانى من تباين هائل في التوقعات"السبب في ذلك هو أن المسار التفاوضي عانى من تباين هائل في التوقعات؛ حيث طالبت الولايات المتحدة بنهج تدريجي ومرحلي للمزايا التي تحصل عليها إيران يرتبط بآليات الامتثال والتحقق مع إلزام طهران بفتح المضيق والتخلي عن المخزون النووي بشكل فوري.
ومن جهتها، رفضت إيران التخلي بشكل مطلق عما تعتبره حقها في التخصيب السلمي وربطت فتح المضيق بقضايا الإفراج عن الأموال المجمدة وتخفيف العقوبات.
وفي هذا السياق، تمثلت مهمة الوسيط في صياغة مساحة مشتركة تسمح للطرفين بحفظ ماء الوجه وحيازة نوع ما من" النصر".
علاوة على ذلك، أعيقت المحادثات بسبب الخطاب الإعلامي لكلا الطرفين؛ ففي ظل جريان المحادثات تحت رقابة سياسية وإعلامية رسمية، لم يمتلك أي من الطرفين المساحة المطلوبة للغموض الضروري في المراحل الأولى من المفاوضات، حيث كانت حتى التنازلات الطفيفة تحمل مخاطر جسيمة على السمعة السياسية في الداخل، في طهران وواشنطن على السواء.
كما أن الجدول الزمني المضغوط، المدفوع بالحاجة الملحة لوقف إطلاق النار، أجبر الأطراف على السعي وراء نتائج سريعة قبل بناء الثقة الكافية.
لذلك لم تقتصر مهمة باكستان على سد الفجوة بين الطرفين المتحاربين، بل كان عليها أيضا احتواء التردد الواضح في الموقف الأمريكي وتصريحات ترمب المتناقضة، كما تعين عليها تجاوز الانقسام الداخلي الإيراني حول مخرجات التفاوض، إذ تتسم بنية السلطة الإيرانية بالتشابك والغموض في ظل غياب المرشد الأعلى عن الظهور، ووجود شبكة متداخلة من مراكز القوى، وتوزع عملية اتخاذ القرار بين مكتب المرشد والحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، الذي يقود وفد التفاوض، فضلا عن وزارة الخارجية ورئيس الجمهورية.
" قدمت إسلام آباد نفسها لواشنطن شريكا يفهم البيئة الإيرانية ويستطيع الحديث مع أصحاب القرار الحقيقيين"وقد قدمت إسلام آباد نفسها لواشنطن شريكا يفهم البيئة الإيرانية ويستطيع الحديث مع أصحاب القرار الحقيقيين.
فبعد أن عمل الباكستانيون بوصفهم ناقلي رسائل في البداية، تطور دورهم ليشمل إيجاد صيغ مناسبة لخفض التصعيد.
وقد أبرزت الصحافة الباكستانية دور الجنرال منير الذي كان يقضي الليل في اتصالات مكثفة وطويلة مع الإيرانيين عبر قناة مباشرة وشخصية متجاوزا البروتوكولات الدبلوماسية المعتادة، وزار طهران مرتين في أبريل/نيسان ومايو/أيار، واستغرقت المرة الأولى 3 أيام قضاها في التنقل بين قادة الدولة.
كما تولى الفريق عاصم مالك، رئيس الاستخبارات الباكستانية، التواصل مع كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين في إيران، وكان لافتا تكرار زيارات محسن نقوي، وزير الداخلية، لطهران خلال فترة المفاوضات، حاملا رسائل للقادة الإيرانيين منها رسالة وجهها الجنرال منير إلى المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي.
يفتح الاتفاق باب التساؤل حول ما إذا كانت باكستان بصدد تكريس نفسها لاعبا دبلوماسيا أكثر حضورا في أزمات المنطقة أم أن دورها ارتبط بظروف استثنائية فرضتها الحرب الأخيرة.
لقد سبق أن لعبت إسلام آباد دورا مهما في وساطة تاريخية، حين فتحت أبواب الصين أمام الأمريكيين، وسهلت زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر إلى الصين في يوليو/تموز 1971، وهي زيارة مهدت لانفتاح واشنطن على بكين.
وللمفارقة فإن باكستان لم تجن حينها المكاسب المأمولة للوساطة؛ فلم تتدخل واشنطن لمنع انفصال شرق باكستان وتحولها إلى بنغلاديش في نهاية العام نفسه.
لم يمنع ذلك باكستان من المغامرة مرة أخرى في المياه الملغمة للوساطات المعقدة، مدفوعة بإكراهات الحرب الأخيرة.
وإذا نجحت باكستان، فستكون العوائد مجزية حقا؛ إذ إن اتفاق سلام نهائي سيثبت مكانة إسلام آباد كقوة متوسطة مسؤولة ولا غنى عنها.
وسيحمي أيضا إمدادات الطاقة في البلاد، ويحصن عمالتها الكبيرة في الخارج، وربما يفتح الباب أمام استثمارات مربحة، بما في ذلك خط أنابيب الغاز بين إيران وباكستان.
الأهم من ذلك ربما أن الاتفاق سيعزز من مكانة إسلام آباد في مواجهة الهند خصمها الرئيسي، بعد أن رسخت موثوقيتها لدى الولايات المتحدة وهي حليف مهم للهند، ولدى إيران وهي شريك اقتصادي مهم لدلهي أيضا، وأثبتت قدرتها على ممارسة نفوذ سياسي خارج حدودها.
ولعل الوساطة لم تمنح لباكستان نفوذا جديدا بقدر ما أعادت تذكير العالم بالنفوذ الذي تملكه بالفعل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك