اختتمت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة" يونسكو"، بالتعاون مع شركائها، مطلع حزيران الجاري، برنامجاً تدريبياً مكثفاً استمر شهراً كاملاً لدعم متحف حلب الوطني، أحد أبرز المؤسسات الثقافية في سوريا، بهدف تزويد جيل جديد من المتخصصين السوريين بالمهارات اللازمة لحماية التراث الثقافي وتوثيقه.
ونفذ المشاركون، بالتعاون مع المدربين، أعمالاً ميدانية داخل المتحف شملت إخلاء وإعادة تنظيم مناطق التخزين التي كانت مكتظة بالقطع الأثرية منذ سنوات، إلى جانب فصل مقتنيات المتحف عن مكتشفات التنقيب، واستعادة قطع أثرية حساسة من المعادن والعاج كانت مفقودة بين الركام.
وفي نهاية البرنامج، جرى جرد وتصوير وتغليف نحو 350 قطعة أثرية بطريقة آمنة، في حين أنشأ المتدربون أكثر من 450 سجلاً رقمياً، إضافة إلى توثيق ثلاثي الأبعاد لعشرات التماثيل.
وقالت راما الحلواني، خريجة علم الآثار من جامعة حلب، إن التجربة كانت" ملهمة"، موضحة أنها أسهمت في تطوير قدرتها على توثيق القطع الأثرية وتحديد المواد والتمييز بينها، إلى جانب اكتساب خبرة عملية في التصوير والتوثيق ثلاثي الأبعاد، وتوسيع شبكة علاقاتها مع خبراء وزملاء في المجال.
ونُفذ البرنامج بشكل مشترك بين اليونسكو وجامعة فلورنسا في إيطاليا والمديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا، بدعم من الحكومة الإيطالية، ضمن برنامج عملي ركّز على نقل المهارات والمعارف، ولا سيما الرقمية، إلى طاقم المتحف.
وقال مدير متحف حلب الوطني، منير قصقص، إن فريق المتحف بات يمتلك مهارات مهمة لحماية المجموعة الأثرية، معتبراً أن ذلك يمثل" أثمن ما ترتب على هذا العمل".
من جانبه، قال يامن ميا، طالب السنة الرابعة في قسم علم الآثار بجامعة حلب، إن التجربة أتاحت له ترجمة المعرفة الأثرية إلى توثيق بصري يحفظ المعنى ويجعله متاحاً للأجيال المقبلة من الطلاب والباحثين للدراسة والتحليل.
وبعد شهر من التدريب المتخصص، يواصل المشاركون صقل المهارات التي اكتسبوها عبر معالجة القطع الأثرية وتوثيقها وتخزينها بشكل صحيح ضمن مجموعة المتحف، على أن يستمر الفريق في التدريب بشكل مستقل لمدة شهرين إضافيين، إلى جانب تلقي إرشادات عبر الإنترنت.
وفي المرحلة التالية من المشروع، تعتزم اليونسكو دعم إنشاء منشأة تخزين مؤقت داخل حرم المتحف، بما يتيح نقل وحفظ القطع التي جرى توثيقها خلال التدريب، ومن المقرر أن تُصمم المنشأة وفق المعايير الدولية، وأن تضم معدات للحفظ الوقائي، بينها مزيلات للرطوبة ووحدات للتحكم بالظروف المناخية، إضافة إلى رفوف تخزين وكاميرات لتعزيز الأمن.
" التعافي على المدى البعيد"واستأنفت اليونسكو أنشطتها في سوريا بعد التحول السياسي الذي شهدته البلاد في كانون الأول 2024، ووسّعت دعمها لقطاع الثقافة والتراث بوصفه أحد محركات التعافي والتماسك الاجتماعي ونشر السلام.
ويأتي مشروع دعم متحف حلب الوطني ضمن استجابة اليونسكو الطارئة الموسعة في سوريا، بالتعاون الوثيق مع السلطات الوطنية والشركاء الدوليين.
ويمثل البرنامج التدريبي خطوة أولى في تلبية الاحتياجات المتعددة لمتحف حلب الوطني، في حين تؤكد اليونسكو أنها ستواصل العمل مع إيطاليا والمديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا وشركائها لحشد الموارد اللازمة لتعافي المتحف على المدى البعيد.
وعن هذا البرنامج، قال ملهم العكيدي، عضو مجلس محافظة حلب، إن المدينة قدمت الكثير للعالم، وإن متحفها يمثل جزءاً من هويتها، مضيفاً أن رؤية شباب سوريين يعتنون بهذا التراث بأيديهم تمنح أملاً حقيقياً بمستقبل حلب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك