الرأسمالية بالقميص رقم 10: من يراوغ في ميادين حياتنا؟حين بكى الشاب العشريني الجالس بالقرب مني بعد أن سجل كريستيانو رونالدو أحد أهداف فريقه في تلك المباراة، تأكد لي تماما تأثير النظام الرأسمالي وقدرته على دغدغة مشاعر ذلك الصغير بانتصارات مزيفة يلهي بها أنظاره عن معركته الحقيقية، ثم يستدر دموعه بشخصيات كروية كرونالدو، الذي يتجاوز دخله السنوي 275 مليون دولار، دون أن يدرج ضمن شروطه فسخ العقد إذا جفت دموع ذلك المسكين.
الإنسان القلق على مستقبله والخائف من فقدان وظيفته يتم إقحامه في نقاشات لا طائل منها، على شاكلة: من أفضل لاعب في التاريخ؟ وهل سيوقع هذا اللاعب لذلك النادي؟من المتعة إلى الواجب: صناعة السلع الكرويةعندما كتب إدواردو غاليانو كتابه" كرة القدم بين الشمس والظل"، لم يكن يجسد واقعها اليوم؛ فالفساد والرشوة يضربان مؤسستها الأهم، " فيفا"، والأندية أصبحت شركات تدار من خلال مستثمرين، بل إن اللاعبين – الذين كانوا لا يملكون حرية الانتقال بعد انتهاء عقودهم دون موافقة النادي، إلى أن جاء قانون" بوسمان" عام 1990 ليطلق سراحهم – أصبحوا اليوم يمتلكون تلك الأندية.
الكاتب الأوروغواياني في كتابه كان وفيا لهواه اليساري، وحاول إبراز الحميمي والأصيل والإنساني في كرة القدم، راصدا ذلك من الصفحة الأولى حين كتب: " تاريخ كرة القدم هو رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب.
فكلما تحولت هذه الرياضة إلى صناعة، كان يجري استبعاد الجمال الذي يتولد من متعة اللعب لمجرد اللعب".
أما اللاعب، فيشير إلى التغير الذي اعتراه: " فقد صار يلعب الآن في الاستادات الكبرى من أجل واجب العمل، وهو مجبر على الربح أو الربح".
منظومة اقتصاد السوق تحاول – من خلال آلياتها المعروفة والتقليدية، والتي تتخذ هنا دور المعلق والمحلل والصحفي – مصادرة أحلام وطموحات الإنسان البائس في هذا العصر، وذلك بإثبات قيمة ما أو معنى كامن حول ركض فريقين خلف جلد مدور.
لا ثمرة حقيقية يجنيها المشاهد من مباراة تستمر أكثر من 90 دقيقة سوى تكريس إحساسه بالرضا والخضوع التام والرضوخ النهائي لواقعه، أو ما سماه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار" موت الواقع".
فالصراع حسم، والأدوار وزعت، ولا شيء ينتظره سوى الموت وهو يلهث خلف ضمانه الاجتماعي، كما صوره المخرج الإنجليزي كين لوتش في فيلمه" I, Daniel Blake" الحائز على السعفة الذهبية في دورة عام 2016.
الإنسان القلق على مستقبله والخائف من فقدان وظيفته يتم إقحامه في نقاشات لا طائل منها، على شاكلة: من أفضل لاعب في التاريخ؟ وهل سيوقع هذا اللاعب لذلك النادي، أم أن النادي الآخر سيتدخل في اللحظات الأخيرة ويظفر بصفقة الموسم؟تغيب الأسئلة الجوهرية التي تمس عصب حياته، ويلقى به في لجة من الأحاسيس المتضاربة والمتناقضة، ليخرج منها وقد استقر في نفسه أنه سبب كل أزماته، وأنه ثقل على الدولة التي ستترك مكانها لشركات خاصة وعابرة للقارات تستغله وتمتص دمه، وأنه ثقل على الكون أيضا، فيتم التخلص منه بإثارة الحروب والنزاعات المسلحة التي تعرض فيها مصانع الأسلحة أحدث منتجاتها الفتاكة.
فخاخ التضليل: انحراف البوصلة السودانية عام 2007كان عام 2007 فارقا في مسيرة الكرة السودانية؛ ففيه بلغ الهلال نصف نهائي دوري أبطال أفريقيا، وبلغ غريمه المريخ نهائي كأس الكونفدرالية، ودخلت جماهير الفريقين في نقاشات ومعارك كلامية لا حصر لها.
بل صارت أخبار الفريقين تتصدر الفضاء العام والمجالس الاجتماعية، رغم مرور السودان وقتها بأهم منعطفاته التاريخية المتمثلة في استحقاقات اتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي تمخضت في نهاية المطاف عن انفصال الجنوب عن الشمال بعد أطول حرب أهلية عرفتها أفريقيا واستمرت نصف قرن.
تم تضليل قطاع كبير من الشعب، ويأتي الشباب في المقدمة، عن قضاياه الفعلية التي تمس عصب مصالحه ومستقبله.
فبدلا من الانخراط في حالة سياسية تفضي إلى جعل خيار الوحدة جاذبا، وعلى إثره يتم التعامل بجدية مع أزمات ومعضلات التاريخ السياسي للبلاد الذي أقعدها عن النهوض والتنمية والتقدم، انحرفت البوصلة صوب جدالات تفرغ المجتمع من أي محتوى سياسي، وتغفل واقعه وتحدياته.
وهو ما يدفع تكلفته الآن من حرب بدأت في أبريل/نيسان 2023 وما زالت مستعرة وطاولت الأخضر واليابس، ويأتي" موت السياسة" كأبرز أسباب نشوبها واستمرارها.
استثمرت الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي ذلك المزاج الذي صادر دور ومهمة النقابات العمالية والأحزاب السياسية واتحادات الطلاب، وأحالها إلى لافتات بلا مضامينإماتة السياسة: من نهاية التاريخ إلى جرعات التسلية" إماتة السياسة" والاستعاضة عنها بفقاعات إعلامية إحدى وسائل" اقتصاد السوق" لتكريس يقين زائف مفاده أن لا تغيير في الأفق.
وقد وجدت تلك الحجة في أطروحة فرانسيس فوكوياما" نهاية التاريخ" ظهيرا فكريا؛ فبعد سقوط جدار برلين وانهيار المنظومة الاشتراكية أطلق المفكر الأمريكي نبوءته الشهيرة بانتصار القيم الليبرالية، وأن التاريخ من تلك اللحظة يسير في مسار واحد لن يحيد عنه.
غاب الهم السياسي، وتوارت الأيديولوجيا، وتصدرت المشهد قضايا واهتمامات أبعد ما تكون عن راهن الشعوب والمجتمعات.
ففي عقد التسعينيات، ورغم زخم الأحداث التي تحتاج إلى مقاربة سياسية، هيمنت على الفضاء العام أخبار موت الأميرة ديانا، وفضيحة منشطات مارادونا، وإصابة فريدي ميركوري بالإيدز، وفضائح مايكل جاكسون.
وهذا ما مهد بعد ذلك لظواهر ككريستيانو رونالدو مع انتشار وسائط التواصل الاجتماعي في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والتي جعلت حياة هؤلاء المشاهير مشاعة وفي متناول الجميع، لتشكل تفاصيل يومهم وأحداثهم مادة دسمة للنقاش والجدال.
استثمرت الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي ذلك المزاج الذي صادر دور ومهمة النقابات العمالية والأحزاب السياسية واتحادات الطلاب، وأحالها إلى لافتات بلا مضامين.
والجميع يتذكر الأحداث التي أعقبت المباراة الفاصلة بين مصر والجزائر في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا، والتي أطلق عليها" معركة أم درمان"، وكادت تعصف بالعلاقات التاريخية بين البلدين لولا تدخل الحكماء من الشعبين.
ورغم ذلك، جاءت حراكات" الربيع العربي" في عدد من الأقطار لتعيد للشارع زخمه وتستعيد الشعوب قدرتها على المبادرة وترتيب الأجندة الوطنية.
غير أن شهر العسل بين الشعوب وكرامتها لم يدم طويلا، ليجثم خريف الاستبداد والدولة البوليسية مرة أخرى على الصدور، ويكتم الأنفاس ويكمم الأفواه.
وحتى لا تتجرأ الشعوب مرة أخرى وتكسر طوقها، أضافت الأنظمة الحاكمة إلى أساليبها القمعية جرعة التسلية، وتأتي كرة القدم، وما اعتراها من تحولات مستجيبة لنزعات الفردانية، ليتحول مركزها إلى اللاعب النجم الذي صار طوطما يتحلق حوله المجاذيب أمثال ذلك الشاب، مقلدين حركاته وسكناته، من حلاقة الشعر إلى شكل الملابس، كتعاويذ وأسلوب حياة.
أشهر ناديين إسرائيليين والأكثر فوزا بالبطولات هما" مكابي تل أبيب" و" مكابي حيفا"، وهما وريثا منظمة مكابي التي تنسب إلى المكابيين في القرن الثاني قبل الميلاد، وهم مجموعة من المحاربين اليهود بقيادة يهوذا المكابيالوعي الغائب: التوظيف الصهيوني والمواجهة الحقيقيةيصف الشاعر البحريني قاسم حداد السياسة بأنها السؤال الوجودي الأعمق من نشرة التاسعة، وذلك ما حاولت هذه السطور رصد ما ينافيه أو يغبشه.
فالأزمات التي تتخلل وجودنا وتعتري حاضرنا تجعل من بلورة وعي يستشف خلفياتها التاريخية وشروطها الاجتماعية ومعطياتها الاقتصادية ضرورة قصوى.
لست حالما أو مبالغا لأطلب من ذلك الشاب مناظرة غرامشي حول مفهوم" البراكسيس"، أو محاججة جون رولز حول مفهومه للعدالة الاجتماعية، فأغلى أمنياتي أن يدرك ذلك الشاب المفتون بكريستيانو رونالدو من هو عدوه الحقيقي في زمن الاتفاقيات الإبراهيمية والتطبيع المجاني مع المشروع الصهيوني، وكيف وظف قادة ذلك المشروع كرة القدم لتعزيز سرديته.
فأشهر ناديين إسرائيليين والأكثر فوزا بالبطولات هما" مكابي تل أبيب" و" مكابي حيفا"، وهما وريثا منظمة مكابي التي تنسب إلى المكابيين في القرن الثاني قبل الميلاد، وهم مجموعة من المحاربين اليهود بقيادة يهوذا المكابي.
ولم يتردد ماكس نوردو، نائب تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية، في الدعوة إلى" الفتوة اليهودية" متوسلا بالرياضة، حين قال: " فلنعد رجالا أشداء ذوي صدور مفتولة وعيون حادة… لأننا، يهودا، لن يجارينا أحد في مزاولة الرياضة تعليميا".
هكذا يرى الصهاينة معركتنا معهم، ولا يوفرون شيئا في سبيل ذلك.
لكزت ذلك الشاب بيدي اليمنى وسألته عن مدى معرفته بالرأسمالية.
رد، والدموع ما زالت تترقرق في عينيه، بأنه لم يسمع بها من قبل، فهو -كما قال- يدرس في معهد للتلمذة الصناعية، ولا علاقة له بمثل تلك الكلمات الغريبة.
أجبته بكل ثقة: إنها تلك التي ترتدي القميص رقم 10، وتركض بسرعة فائقة، وتراوغ بمهارة في ميادين حياتنا القاحلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك