في وقت تتجه أنظمة الصحة المهنية حول العالم إلى توسيع نطاق الفحوصات الطبية للعاملين وربطها بطبيعة المهنة ومستوى الأخطار المرتبطة بها، لم تعد اللياقة المهنية تقتصر على مرحلة التوظيف فحسب، بل أصبحت جزءاً من منظومة الوقاية والكشف المبكر عن المشكلات الصحية داخل بيئات العمل.
وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودية لائحة فحوصات اللياقة المهنية والأمراض غير المعدية بهدف تعزيز السلامة والصحة المهنية والحد من الإصابات والأمراض المرتبطة بالعمل، وأعلنت أخيراً بدء تطبيق المرحلة الأولى من اللائحة، ضمن خطة تنفيذية من ثلاث مراحل تبدأ بالعاملين الجدد قبل أن تمتد إلى الموظفين على رأس العمل وصولاً إلى التطبيق الكامل على مختلف القطاعات.
من التوظيف إلى المتابعة المستمرةويعكس التوجه الجديد تحولاً في مفهوم الصحة المهنية من الاكتفاء بفحص الموظف عند التعيين إلى متابعة مدى ملاءمة حاله الصحية لمتطلبات العمل طوال مسيرته الوظيفية، وهو نهج تتبناه أنظمة السلامة المهنية الحديثة لتعزيز الوقاية والكشف المبكر عن الأخطار الصحية.
ووفق الدليل الإجرائي للائحة، تستهدف فحوصات اللياقة المهنية التحقق من قدرة الموظف على أداء مهامه بصورة آمنة تتناسب مع متطلبات المهنة ومستوى الأخطار المرتبطة بها.
ويشمل التطبيق جميع العاملين في الجهات العامة والقطاع الخاص والمنظمات غير الربحية، سواء كانوا موظفين دائمين أو متعاقدين.
ويرى عضو النادي السعودي لرأس المال البشري سعد الحربي أن أهمية اللائحة لا تقتصر على الجانب الوقائي، بل تمتد إلى تعزيز استدامة القوى العاملة ورفع كفاءة بيئات العمل، موضحاً أن الاكتشاف المبكر للمشكلات الصحية يُسهم في تقليل الغياب والإصابات المهنية وتحسين قدرة الموظفين على أداء مهامهم بأمان وإنتاجية أعلى.
وتبدأ اللائحة تطبيقها على العاملين الجدد، قبل أن تمتد في مراحل لاحقة إلى الموظفين على رأس العمل، خصوصاً في الأنشطة المصنفة عالية الأخطار، وصولاً إلى التطبيق الكامل على جميع القطاعات والأنشطة الاقتصادية.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة مع انتقال الفحوصات إلى العاملين الحاليين، إذ يشير الحربي إلى أن قطاعات الصناعة والإنشاءات والتعدين والنقل والرعاية الصحية ستكون من أكثر القطاعات تأثراً، نظراً إلى ارتفاع احتمالات التعرض للإصابات والأمراض المهنية مقارنة بغيرها من الأنشطة الاقتصادية.
وتحظر اللائحة اطلاع صاحب العمل على التفاصيل الطبية للعامل، بحيث يقتصر اطلاعه على القرار المهني النهائي فحسب، حماية للخصوصية الصحية.
وتؤكد أن الفحوصات المهنية لا تغني عن التزام المنشآت بتوفير بيئة عمل آمنة وتطبيق إجراءات الوقاية والسلامة.
وتنسجم اللائحة السعودية مع توجه عالمي متزايد نحو تعزيز الصحة المهنية والوقاية داخل بيئات العمل، في وقت تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى وفاة نحو 2.
93 مليون عامل سنوياً بسبب الحوادث والأمراض المرتبطة بالعمل، وإصابة 395 مليون عامل بإصابات مهنية غير مميتة.
وتفيد تقديرات منظمة الصحة العالمية بأن برامج الصحة المهنية داخل المنشآت يمكن أن تخفض معدلات الغياب المرضي بنسبة تصل إلى 27 في المئة، بما يعزز الإنتاجية ويحد من الكلف الصحية والاقتصادية على أصحاب العمل.
ماذا يعني تصنيف" غير لائق"؟تُصنف نتائج الفحص المهني إلى ثلاث فئات هي" لائق"، و" لائق مع قيود أو اعتبارات"، و" غير لائق".
ويعني التصنيف الأول السماح بمزاولة المهنة من دون قيود، فيما يتيح التصنيف الثاني ممارسة العمل وفق اشتراطات أو قيود يحددها الطبيب المتخصص بحسب طبيعة المهام والأخطار المرتبطة بها.
أما تصنيف" غير لائق" فيعني عدم السماح بمزاولة المهنة محل التقييم.
وتنص اللائحة على أنه إذا لم يحقق الموظف متطلبات اللياقة المهنية خلال الفحوصات الدورية، فيُمنع من الاستمرار في ممارسة تلك المهنة، مع إلزام الجهة بدراسة إمكانية نقله إلى مهام أو وظيفة أخرى تتناسب مع حالته الصحية متى كان ذلك ممكناً.
وبحسب الدليل، تتيح اللائحة للعامل أو صاحب العمل الاعتراض على نتيجة اللياقة المهنية خلال مدة محددة.
ويرى الحربي أن هذا التصنيف لا يعني بالضرورة إنهاء العلاقة الوظيفية، بل يستدعي أولاً البحث عن بدائل مناسبة مثل تعديل طبيعة العمل أو إعادة التوجيه الوظيفي وفق الأنظمة المعمول بها.
وتسعى اللائحة إلى تعزيز الوقاية ورفع مستويات الصحة والسلامة المهنية من خلال التوسع في الفحوصات الوقائية والكشف المبكر عن المشكلات الصحية التي قد تؤثر في قدرة العاملين على أداء مهامهم، أو تزيد من احتمالات تعرضهم للإصابات والأمراض المهنية.
ويأتي ذلك في وقت أظهرت بيانات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تراجع إصابات العمل المسجلة، في مؤشر إلى تنامي الاهتمام بمعايير السلامة والصحة المهنية داخل المنشآت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك