اتخذ الصعود الأوروبي من" الاكتشافات الجغرافية"، ومبدأ الحرب العادلة، وعبء الرجل الأبيض، مزاعم لشرعنة الغزو ومبررا لاحتلال قارات العالم وإبادة سكانها ونزح ثرواتها إلى المتروبوليتان الأوروبي وإقامة كيانات استيطانية أوروبية فيما وراء البحار، وتقاسمت الإمبرياليات قارات العالم.
وقامت باختطاف واستعباد عشرات الملايين من شعوب غرب أفريقيا، ومنهم علماء وقادة، وسخرتهم في مزارع العبودية لإنتاج السكر والقطن في جزر الكاريبي والجنوب الأمريكي.
في هذه المرحلة الإمبريالية الميركانتيلية (Mercantilism)، تكونت لدى الأوروبيين ثروات هائلة نتجت عنها الثورة الصناعية والرأسمالية بمنظوماتها وأزماتها المزمنة؛ ورافقت ذلك منظومات سياسية وتشريعية ودستورية لاستدامة مشروع إمبريالي رأسمالي، شمولي فاشي في استباحته للآخر.
list 1 of 2جنرالات الشاشة: في نقد العبقرية الإستراتيجية بعد المعركة!list 2 of 2كيف استخدمت إسرائيل “القانون” لنهب 161 مليار دولار من أموال الفلسطينيين؟في وثائقي من إنتاج التلفزيون البريطاني عام 2011، يحكي كيف هيمنت الحضارة الغربية، في 5 قرون، على العالم، يتساءل نيال فيرغسون، أستاذ الاقتصاد والتاريخ الاقتصادي بجامعة هارفارد: هل أصبح الغرب وحضارته تاريخا؟مستقبل الغرب وحضارته ومكانته العالمية وهيمنته الإمبريالية على العالم ورؤيته الكونية وعالميته الثقافية والفكرية قد شغلت المفكرين والفلاسفة والسياسيين في الغرب والشرق؛ على الأقل، منذ صدور كتاب الفيلسوف الألماني، أوزوالد شبنغلر، بعنوان: " أفول الغرب"، في صيف عام 1918، عشية انتهاء الحرب العالمية الأولى بكل أهوالها وبشاعاتها.
والمفارقة أن العنوان الأصلي لكتاب شبنغلر بالألمانية: " سقوط الغرب".
في كتابه" هزيمة الغرب" (2024)، يحلل إيمانويل تود أوضاع الغرب منهجيا، ويركز في كتابه على الأسباب الرئيسة المؤدية لاضمحلال الغرب:نهاية الدولة القومية في الغرب؛ إفلاس المصفوفة الدينية البروتستانتية؛ تراجع التصنيع وعجز" الناتو" عن تأمين الأسلحة والذخائر الضرورية لأوكرانيا؛ زيادة حادة في معدلات الوفيات في أمريكا تتجاوز معدلاتها في روسيا؛ تفاقم حالات الانتحار وجرائم القتل؛ وسيادة العدمية الإمبراطورية التي يعبر عنها أمريكيا هوس مزمن بالحروب الأبدية.
مآزق الإمبريالية الرأسماليةمؤخرا، تساءل المفكر الأمريكي، وليم ميرفي: كيف شكّل الاستعمار الأوروبي والإمبراطورية الأمريكية والرأسمالية العالم الحديث؟ ولماذا يلوح أفق عصر تاريخي جديد؟لأكثر من 5 قرون، عاش العالم تحت نظام عالمي قام على الغزو والاستعمار الأوروبي، وتواصل عبر الهيمنة الإمبريالية الأمريكية.
لم تنشأ المؤسسات والحدود والمظالم والحروب هياكل الحياة الحديثة الاقتصادية نشأة تاريخية طبيعية، بل قامت عبر 500 عام من العنف والإبادة، والعنصرية، والعبودية، وتراكم النهب.
لكن التاريخ لم ينتهِ بعد.
فمآزق المشروع الإمبريالي الرأسمالي تتفاقم، وتضعف هيمنة الغرب، وتقف البشرية على أعتاب حقبة تاريخية جديدة لم يُحسم مصيرها.
يرصد ميرفي أحد أبرز أوجه قصور التحليل السياسي السائد: أي ميله إلى دراسة الأحداث بمعزل عن بعضها.
فالحروب تُعامل كأزمات منفصلة، والركود الاقتصادي إخفاقات تقنية ودورات اقتصادية حتمية، والفقر حالة اجتماعية مؤسفة، والاضطراب السياسي مجرد نتيجة فساد الحكم وقادة سيئين.
معرفيا، هذه نظرة تجزيئية بالغة الاختزال.
فأزمات الاجتماع تنشأ باختلالات بنيوية ورؤية معرفية مادية إمبريالية وتناقضات تنشأ فيها كمحصلة لذلك.
لا يمكن فهم العالم الحديث بدراسة الأحداث المعاصرة وحدها، بل يفهم كحصيلة قرون الاحتكار والنهب، والغزو الاستعماري، والتوسع الإمبراطوري.
لم يظهر النظام الدولي الحديث طفرة بين عشية وضحاها، بل نشأ عبر عملية تاريخية ممتدة جعلت الكوكب بأسره نظاما واحدا مترابطا يهيمن عليه المشروع الإمبريالي الرأسمالي.
ولفهم وجهة البشرية، ينبغي أولًا فهم كيف بلغت الأوضاع ما هي عليه.
ولادة النظام الإمبريالي الرأسمالي العالميكان صعود الاستعمار الأوروبي إحدى العمليات التاريخية الأساسية التي كرست نهب أطراف وأصقاع العالم وراكمت الثروات ورسّخت المشروع الإمبريالي ووليدته الرأسمالية نظاما عالميا.
منذ أواخر القرن الـ15، توسّعت القوى الأوروبية في الأمريكتين وأفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ.
وشرعت بغزو البلاد الأخرى وإبادة شعوبها، والاستيلاء على أراضيها، ونزح ثرواتها إلى العواصم الأوروبية لتلبية احتياجات المراكز الرأسمالية الناشئة.
وهذا راكم ثروات هائلة.
فقد موّل الذهب والفضة المستخرجان من الأمريكتين المشروع الإمبريالي وأنعش التجارة (الميركانتيلية) الأوروبية.
ووفرت عملية اختطاف واستعباد عشرات الملايين من غرب أفريقيا عبر المحيط الأطلسي العمالة لتعدين المناجم وزراعة القصب والقطن والتبغ والذرة التي تنتج سلعا لاستهلاك أسواق العالم.
ووفرت الأراضي المستعمرة مواد خام ومنتجات زراعية وأسواقا مشرّعة الأبواب للإنتاج الأوروبي.
لعبت الثروة المتراكمة من التوسع الاستعماري دورا حاسما في إطلاق" الثورة الصناعية" في إنجلترا وبلجيكا وفرنسا، وتطور هياكل الرأسمالية نفسها، فأصبحت أبرز ظواهر المشروع الإمبريالي ومحركه أو قاطرته الرئيسة.
لقد وصف مفكرون أوروبيون، مثل ماركس وإنغلز هذه العملية بالتراكم البدائي، ويتسم بفصل المنتجين، عبيدا ومسخّرين، عن وسائل إنتاجهم بعنف بالغ، وتركيز الثروة الضروري للتغول الرأسمالي.
وهكذا، لم تنشأ الثورة الصناعية من فراغ، بل بُنيت على قرون من الاستغلال الاستعماري.
تطور ازدهار المراكز الإمبراطورية (الأوروبية) وبؤس المستعمرات وأطراف العالم معا وبشكل متناسب طرديا.
لم تكن تلك الظواهر منفصلة، بل نتائج مترابطة عضويا لعملية تاريخية واحدة.
من الاستعمار إلى الإمبرياليةوبحلول أواخر القرن الـ19، دخلت الرأسمالية مرحلة جديدة.
بدأت المنافسة تختفي لصالح الاحتكار.
وفي حين شدد مفكرون ماركسيون، مثل لينين وجيه إيه هوبسن، على دوافع المشروع الإمبريالي الاقتصادية، واندماج المشروعات الصناعية في كارتيلات (Cartels) رأسمالية هائلة، لتصبح فرص الاستثمار تتطلب باطراد الوصول للأسواق والموارد الأجنبية، مما يمثل تحولا نحو إمبريالية اعتبرها لينين أعلى مراحل الرأسمالية.
بدورها، ازدادت قوة المؤسسات المالية وإسهامها في صناعة القرار الإمبراطوري في لندن – مثلا – في سياق الإمبريالية الرأسمالية" الجنتلمانية"، كما سمّاها إيه جي هوبكنز وبيتر كين.
لم يكن الرأسماليون" الجنتلمان" صناعيين من مانشستر وبِرمنغهام مثلا، بل مصرفيين وممولين وتجار وشركات تأمين وملاك أراضي مقيمين بلندن، متجذرين بعمق في حياتها الاجتماعية، مرتبطين بالطبقة الأرستقراطية: مصاهرة ونمط معيشة وتعليما وثقافة.
ولهم نفوذ في وزارتي الخزانة والخارجية والبنك المركزي.
وكان التوسع الإمبراطوري البريطاني منذ أواخر القرن الـ17، وقبل قيام الثورة الصناعية (عام 1850) بزمن، خادما لمصالح رأسمالية" الجنتلمان"، تأمينًا لأسواقها الخارجية واستثماراتها واستقرارها ماليا.
وهذا يتحدى اتجاهات أسبق اعتبرت الإمبريالية في أغلبها صناعية أو عسكرية أو أيديولوجية بحتة.
وهكذا، كما يلاحظ ميرفي، لم تكن الإمبريالية مجرد سياسة خارجية عدوانية، بل عكست تغيرات هيكلية داخل البنية الغربية نفسها.
وسعى رأس المال باطراد لتحقيق الأرباح خارج الحدود ووراء البحار.
وغدت الدول القوية أدوات ضمنت وصول المصالح الاقتصادية المهيمنة إلى الموارد والأسواق والعمالة والأراضي الاستراتيجية بالدبلوماسية حينا والحروب والاحتلال أحيانا.
كان تقسيم المستعمرات، والحروب الاستعمارية بمختلف الأنحاء، وتنافس القوى الأوروبية، انعكاسا لهذه الديناميات.
لم تكن الحرب العالمية الأولى مجرد فشل دبلوماسي كارثي، بل تعبيرا عنيفا عن التنافس العدمي بين القوى الإمبريالية الساعية لإعادة تقسيم العالم.
أصبح القرن الـ20 قرن الاضطرابات الهائلة، إذ بلغت تناقضات المشروع الإمبريالي ذروتها.
أحدثت ويلات الحربين العالميتين تغييرا جذريا في موازين القوى.
فخرجت إمبراطوريات الاستعمار الأوروبية ضعيفة منهكة، وعجزت باطراد عن مواصلة سيطرتها المباشرة على مستعمراتها.
واكتسبت حركات التحرر من الاستعمار زخما في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
في الوقت ذاته، برزت الولايات المتحدة كقوة إمبريالية رأسمالية مهيمنة.
قام النظام الدولي ما بعد الحربين حول مؤسسات عكست هذا الواقع الجديد.
وأصبح الدولار عملة الاحتياط العالمية المركزية.
وساهمت المؤسسات المالية الدولية في صياغة إستراتيجيات التنمية في معظم أنحاء العالم.
ووسعت التحالفات العسكرية النفوذ الأمريكي عبر قارات متعددة.
تراجع الاستعمار التقليدي الرسمي تدريجيا.
أما الإمبريالية، فلم تتراجع.
بل على النقيض، باتت الهيمنة تُمارس باطراد عبر آليات غير مباشرة، عرفت بالاستعمار الجديد.
فقد أثبتت الرافعة المالية، وهياكل الديون، والعقوبات، والشراكات العسكرية، والعمليات الاستخباراتية، والشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات الدولية أحيانا كثيرة أنها أكثر فعالية من الإدارة الاستعمارية المباشرة.
وغالبا ما فشل الاستقلال السياسي في تحقيق سيادة واستقلال حقيقي اقتصاديا.
وكما يلاحظ ميرفي، تغيرت الأعلام والحكومات والدساتير.
لكن بقيت علاقات" التبعية" قائمة، كامنة وصريحة.
واستمرت بنية الرأسمالية العالمية في تركيز الثروة والسلطة بعدد قليل نسبيا من المراكز الغربية المهيمنة.
ويلفت ميرفي إلى إحدى أقوى السرديات الأيديولوجية التي روجت لها الرأسمالية الليبرالية فكرة أن جميع الدول تبدأ مسيرة التنمية من مواقع أو منطلقات متشابهة تقريبا.
لكن التاريخ يُثبت نقيض ذلك.
فقد دخلت العديد من الدول التي كانت مستعمرة سابقا عهد الاستقلال مثقلة بعيوب بنيوية واختلالات هيكلية عميقة.
فقد كانت اقتصاداتها مُنظمة حول الاستخراج (معادن ونفط وفوسفات وفحم وقطن وتبغ) بدلا من التصنيع والإنتاج.
وكثيرا ما كانت البنية التحتية تخدم صناعات التصدير بدلا من التنمية المحلية.
وظلت المنظومة التعليمية متخلفة.
وغالبا ما صُممت المؤسسات السياسية للسيطرة بدلا من التمكين والمشاركة الديمقراطية.
لم تكن هذه الظروف وليدة الصدفة.
بل كانت نتاجا للحكم الاستعماري.
ولا يعني هذا أن التاريخ يُحدد النتائج آليا.
فقد حققت مجتمعات مختلفة نتائج متباينة بشكل كبير رغم تشابه تجاربها الاستعمارية.
مع ذلك، فإن الاعتراف بالفاعلية السياسية لا يعني تجاهل الظروف التاريخية.
فالعدّاء الذي يبدأ السباق بسلاسل تقيد كاحليه لا يتمتع بنفس ظروف عداء آخر يبدأ السباق حرا.
وغالبًا ما تعكس أوجه عدم المساواة الجلية اليوم أوجه عدم المساواة المتأصلة في تكوين العالم الحديث نفسه.
الإرث الاستعماري نموذجا تفسيريا؟يحذّر ميرفي أي محاولة تحليل عميق وجذري وجاد من اختزال جميع المشكلات المعاصرة في التاريخ الاستعماري.
إذ يُضعف الاختزال فهم الظواهر بدل تعزيزه.
فالبنى والأوضاع التاريخية الملموسة لها أهمية بالغة، لكنها لا تُحدد كل النتائج.
فقد سلكت دول شهدت تجارب هيمنة أجنبية مماثلة مسارات تنموية مختلفة جذريا.
يُبرز هذا الواقع أهمية التدافع والاستنهاض والتنظيم الاجتماعي والسياسي، وقدرة الدولة والقيادة على التغيير والاستجابة للتحديات وتجاوزها.
تُعد تجربة الصين ذات أهمية ودلالة خاصة.
فبعد أن عانت الصين قرنا من المذلة: تدخل أجنبي، وتشرذم داخلي، وحكم أمراء الحرب، وغزو، وحرب أهلية، وفقر مدقع، غدت إحدى أهم القوى الاقتصادية في التاريخ.
لا يُمكن تفسير هذا التحول والتفاوت في المخرجات والنتائج من خلال الإرث الاستعماري وحده أو القابلية للاستعمار.
بل يتطلب الأمر تحليلا للإستراتيجية السياسية، وقوة الدولة، والتنظيم الاجتماعي، والتخطيط التنموي.
هنا، تقدم تجربة الصين في التحرر والتنمية رؤية متبصرة وهامة.
فالتاريخ ينشئ ظروفا موضوعية.
يتصرف البشر ضمن هذه الظروف، لكنهم يملكون أيضا تغييرها.
فالتدافعات والتناقضات والصراعات تولّد إمكانات وفرصا وظروفا مواتية للتغيير والنهوض، لكن النتائج تعتمد على النضال وإرادة التغيير.
فالأمم وجماهيرها تصنع التاريخ.
ورغم أن البنى أو الهياكل تقيّد الفعل، بيد أنها لا تقضي على الفاعلية.
تبعية اقتصادية رغم الاستقلال السياسيبحسب ميرفي، يُعدّ دور نخب الوسطاء والوكلاء والسماسرة – أو طبقة الكمبرادور (Comprador) – من أهم المفاهيم لدراسة وفهم التنمية ما بعد الاستعمار.
ففي معظم دول الجنوب العالمي، ارتبطت شرائح من الطبقة الحاكمة ارتباطا وثيقا برأس المال الأجنبي.
لم تكن مصالحهم الاقتصادية متوافقة مع التنمية الوطنية بقدر ما كانت متوافقة مع استمرار اندماجها في أنظمة التراكم العالمية والتحاقها بالرأسمالية العالمية.
غالبا، تدعم هذه النخب: الخصخصة، وصناعة استخراج الموارد، والتقشف، والسياسات المواتية للاستثمار الأجنبي، بينما تعارض السياسات والحركات التي تهدد علاقات الملكية وأنماط توزيع الثروة القائمة.
نتيجة لذلك، يتعايش الاستقلال الرسمي غالبا مع التبعية الاقتصادية المستمرة.
وهنا التناقض واضح.
فقد تمتلك دولة ما سيادة" سياسية"، لكنها تفتقد السيطرة الحقيقية على مصيرها اقتصاديا.
لا يزال هذا أحد التحديات الرئيسة التي تواجه العديد من المجتمعات والأمم النامية اليوم.
التقنية ورأس المال ومستقبل الإنتاجأضاف القرن الـ21 أبعادا جديدة لهذه التناقضات التاريخية.
وقد وسّع التطور التكنولوجي القدرة الإنتاجية بمستويات غير مسبوقة.
فاليوم، تمتلك البشرية القدرة تقنيا على توفير الكفاية من الغذاء والسكن والرعاية الصحية والتعليم والنقل والاتصالات لمعظم سكان العالم.
ورغم ذلك، لا يزال الحرمان قائما.
يكمن هذا التناقض في صميم الإمبريالية الرأسمالية المعاصرة.
فالمشكلة لا تكمن في نقص القدرة الإنتاجية، بل في الملكية ومنظومة توزيع الثروة.
ففي ظل الرأسمالية، يُنظّم الإنتاج أساسا وفقا للربحية لا وفق الاحتياجات الاجتماعية.
لذلك، يعمل الابتكار التكنولوجي ضمن قيود التراكم الرأسمالي.
فمثلا، يطرح الذكاء الاصطناعي والأتمتة والمنصات الرقمية واحتكارات البيانات آفاقا جديدة للتطور الرأسمالي.
فهي توفر إمكانيات إنتاجية هائلة، بينما تنشِئ أشكالا جديدة من السيطرة وتركيز الثروة والسلطة.
يتزايد التناقض بين الإنتاج الاجتماعي والاستيلاء الخاص مع تقدم التكنولوجيا.
وتصبح البشرية أقدر على تحقيق الوفرة الجماعية والكفاية وعدالة التوزيع مع بقائها محاصرة داخل أنظمة مصممة حول التراكم الخاص.
التعددية القطبية وأزمة الهيمنة الغربيةلعل أبرز تطورات هذا العصر الجيوسياسية تراجع الهيمنة الغربية المطلقة تدريجيا.
فخلال معظم فترة ما بعد الحرب الباردة، احتلت الولايات المتحدة موقعا مهيمنا فريدا في النظام الدولي.
وتبدو فترة الأحادية القطبية قد شارفت على الانتهاء.
فصعود الصين، وعودة روسيا للصدارة، وتزايد نفوذ القوى الإقليمية، وتنامي ثقة دول الجنوب العالمي، كلها مؤشرات على الانتقال نحو عالم أكثر تعددية قطبية.
لا يعني هذا التطور بالضرورة تحقق العدالة والاستقلال والسلام.
ولا يُلغي الاستغلال والاحتكار أو التناقضات والاختلالات السياسية والاقتصادية العميقة في بنية النظام الدولي.
لكنه يُظهر ضعفا ملحوظا للنظام أحادي القطب الذي ميّز أواخر القرن الـ20.
يعكس هذا، من منظور تحرري جذري، تحولات أعمق بموازين القوى الاقتصادية والسياسية العالمية.
يدخل النظام العالمي مرحلة جديدة، لم تتضح طبيعتها بعد.
يعتقد ميرفي أن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الإمبريالية الرأسمالية تواجه تناقضات، لأنها تواجهها بوضوح.
لكن السؤال الأكثر راهنية: كيف سيتم حل هذه التناقضات؟تاريخيا، هناك سنن تاريخية تتعاقب على الأمم والمجتمعات، لكن ليس هناك آليات أو حتميات تلقائية؛ فالتاريخ لا يقدم ضمانات.
وقد يشهد المستقبل أشكالا جديدة من تكيّف الإمبريالية الرأسمالية تمنحها مهلة تاريخية، وقد يشهد صراعا جيوسياسيا متصاعدا، وقد ينطوي على أزمة بيئية، وقد يشهد تحولا اجتماعيا إيجابيا.
على الأرجح، سيشهد العالم عناصر متفاعلة من عدة اتجاهات تتطور وتتكشف تزامنيا.
ما يمكن قوله بثقة هو أن عصر الهيمنة الغربية المطلقة آخذ سبيله نحو النهاية.
فالبنى أو الهياكل التي أُرسيت على مدى 5 قرون من المشروع الإمبريالي تواجه تحديات متزايدة من واقع اقتصادي جديد وتحولات توازن القوى العالمية وإستراتيجيات البقاء.
إن تقدم البشرية نحو مساواة أكبر وتنمية جماعية متكافئة، أو انزلاقها لصراع مستقبلي متصاعد، يتوقف على محصلة صراعات الحاضر.
فلا قانون تاريخيا يضمن التحرر.
بل يجب النضال من أجله.
5 قرون من الاستباحة والاحتلال والنهب الاستعماري الأوروبي، وهيمنة إمبريالية غربية, أوروبية وأمريكية، شكّلت العالم الحديث بعمق.
فلا يمكن فهم وتمثُل أوجه عدم المساواة التي تُشكّل ملامح المجتمع العالمي المعاصر دون دراسة العمليات التاريخية التي أدت لنشوئها.
فقد أنتج الغزو الاستعماري، والعبودية، والإمبريالية، والتراكم الرأسمالي عالما بالغ الاختلال وتنمية غير متكافئة، ومنظومات سيطرة هرمية مستمرة.
وفي حين لا تعمل الهياكل والسنن التاريخية بمعزل عن الإرادة الإنسانية والفعل البشري، هناك أهمية بالغة للنضال الإنساني من أجل التحرر، والوعي الاجتماعي التحرري والبنية الثقافية والأخلاقية لحركات التغيير.
فمستقبل البشرية لا ينبثق تلقائيا من تناقضات المشروع الإمبريالي وأزماته.
بل ينبثق من خلال نضالات أمم وشعوب توجه وتشكل مسار التغيير وحركة التاريخ.
وليس هناك نظام اجتماعي دائم.
فقد بدا نظام الإقطاع أبديا حتى انهار.
وبدت إمبراطوريات الاستعمار منيعة حتى تفككت.
وبدت لحظة نظام الأحادية القطبية البريطانية ثم الأمريكية دائمة حتى تآكلت أسسه ومبررات بقائه.
والإمبريالية الرأسمالية نفسها ظاهرة تاريخية تماما، وليست قانونا طبيعيا حاكما.
لذا، فإن السؤال المحوري في القرن الـ21 ليس إن كان التغيير قادما؟بل هو: من سيقود هذا التغيير، ولمن سيتحقق؟ وأي عالم سيولد من رحم تناقضات وأزمات تعتمل في مسارات النظام العالمي اليوم؟ بل وأين الأمة والعالم الإسلامي من كل ذلك؟ وهذا السؤال الأخير يستحق معالجة وافية إن شاء الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك