العربية نت - الخارجية القطرية: التحضيرات التقنية لاتفاق أميركا وإيران بدأت قناة القاهرة الإخبارية - خلافات متصاعدة بين واشنطن وطهران.. هل يصمد الاتفاق الأمريكي الإيراني أمام الملفات العالقة؟ وكالة الأناضول - قائد القوات الجوية التركي يلتقي نظيره الموريتاني وكالة سبوتنيك - سلوفاكيا تعلن عدم مشاركتها في حزمة مساعدات الناتو العسكرية المزمعة لأوكرانيا القدس العربي - ما موقع فلسطين في الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني؟ قناة الجزيرة مباشر - Context of the Event | US-Iranian Disagreement Over Nuclear Inspections قناة القاهرة الإخبارية - لقاء رباعي في القاهرة.. مصر في صدارة التحركات الإقليمية لتعزيز الاستقرار بالشرق الأوسط قناة التليفزيون العربي - فضحية جديدة تلاحق جنود الاحتلال.. تقرير أممي يكشف ممارسات صادمة في غزة القدس العربي - منظمة تونسية تدعو للإفراج عن متضامنين مع فلسطين الليوان - الشباب في أغرب وظيفة بالعالم 😂
عامة

انهيار الإدارة العامة مراَة لانهيار البلد

جنوبية
جنوبية منذ ساعتين

عندما “تفرغت” للعمل في الجامعة اللبنانية في تسعينيات القرن الماضي، تفاجأت بطلب الإدارة مني التوقيع على نموذج ألتزم بموجبه بعدم الانتساب إلى الأحزاب أو مزاولة العمل الحزبي، لتعارض ذلك مع قوانين الوظيفة...

عندما “تفرغت” للعمل في الجامعة اللبنانية في تسعينيات القرن الماضي، تفاجأت بطلب الإدارة مني التوقيع على نموذج ألتزم بموجبه بعدم الانتساب إلى الأحزاب أو مزاولة العمل الحزبي، لتعارض ذلك مع قوانين الوظيفة في الإدارة اللبنانية وفي الجامعة اللبنانية.

شعرت حينها بانزعاج كبير وباستغراب أكبر: هل يُعقل أن يُمنع أستاذ جامعة من ممارسة العمل السياسي؟ فمن يحق له ذلك إذًا؟تقوم الدولة الحديثة على مبدأ أساسي يتمثل في حيادية الإدارة العامة وارتكازها إلى الكفاءة والجدارة المهنية، بحيث يكون الموظف العام خادمًا للمصلحة العامة ومنتميًا للدولة ومؤسساتها قبل أي انتماء آخر.

غير أن التجربة اللبنانية تبدو، في كثير من الأحيان، بعيدة عن هذا النموذج؛ إذ تتداخل الطائفية والسياسة والزبائنية مع آليات التوظيف والترقية والتعيين الإداري، ما يؤدي إلى إضعاف الولاء المؤسسي وإعادة تشكيل الإدارات العامة وفق توازنات غير مهنية، على الرغم من أن القوانين اللبنانية تنص على نقيض ذلك.

في السياق اللبناني، تبدو مقولة “الناس على دين ملوكهم” وكأنها تأخذ بعدًا مؤسساتيًا جديدًا؛ إذ تميل بعض الإدارات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى التشبّه بالهوية السياسية أو الطائفية للمسؤول النافذ فيها.

لا يعود معيار القرب من المؤسسة هو الكفاءة وحدها، بل أحيانًا القرب من شبكة النفوذ السياسي أو الطائفي التي تحيط بها.

وهنا يكمن أحد أخطر أسباب تآكل الإدارة العامة اللبنانية.

منطق الدولة الحديثة: الولاء للمؤسسة لا للطائفةفي الأنظمة الديمقراطية الحديثة، يفترض أن تقوم الإدارة العامة على مبدأ الجدارة (Meritocracy)، أي الاستحقاق والكفاءة، حيث يتم اختيار الموظفين وترقيتهم استنادًا إلى المؤهلات العلمية والخبرة والقدرات الفعلية.

وتُعد الشفافية وتكافؤ الفرص والمنافسة المفتوحة عناصر جوهرية لضمان فعالية المؤسسات العامة.

وتؤكد تجارب دول أخرى أن الانتقال من منطق المحاصصة الإثنية أو الطائفية إلى منطق الكفاءة ليس مستحيلًا.

فسنغافورة، على سبيل المثال، بنت إدارتها العامة بعد الاستقلال على نظام صارم من الامتحانات التنافسية والمكافآت المرتبطة بالأداء، رغم تنوعها العرقي والديني الكبير.

وفرنسا كذلك تكرّس عبر مبدأ حياد الموظف العمومي حظرًا فعليًا على تسييس الإدارة.

هذه النماذج لا تعني غياب الانتماء السياسي للموظف كمواطن، بل وجود جدار فعلي يفصل بين هذا الانتماء وبين أداء عمله الإداري.

أما حين تتحول الوظيفة العامة إلى مساحة محاصصة أو مكافأة سياسية، فإن الولاء ينتقل تدريجيًا من الدولة إلى الجماعة الراعية للتوظيف، سواء كانت حزبًا أو زعيمًا أو مرجعية طائفية أو مناطقية.

وفي هذه الحالة، يصبح الموظف مدينًا بولائه لمن سهّل وصوله إلى الوظيفة، لا للمؤسسة التي يعمل فيها.

هذه الظاهرة لا تُضعف مفهوم المواطنة فقط، بل تؤسس أيضًا لثقافة إدارية ترى في الوظيفة العامة امتيازًا سياسيًا لا مسؤولية وطنية.

الإدارة العامة اللبنانية: من التوازن الطائفي إلى المحاصصة الوظيفيةلا يمكن إنكار أن النظام اللبناني، بحكم تكوينه التاريخي والدستوري، يقوم على توازنات طائفية تهدف نظريًا إلى حماية التنوع ومنع الاحتكار.

إلا أن الفرق كبير بين ضمان التمثيل الوطني المتوازن وتحويل المؤسسات إلى جزر نفوذ طائفية أو حزبية.

المشكلة لا تكمن في التنوع بحد ذاته، بل في تحوّله إلى معيار توظيف وترقية على حساب الكفاءة.

ففي كثير من الحالات، تصبح المؤسسة خاضعة بصورة غير معلنة لميزان قوى سياسي أو مذهبي، ويبدأ نمط من “إعادة إنتاج الذات” داخلها، حيث يُفضَّل توظيف من ينتمي إلى الدائرة ذاتها، أو من يُنظر إليه بوصفه “أكثر انسجامًا” مع البيئة السياسية للمؤسسة.

وبذلك، تتحول المقولة الشعبية “الناس على دين ملوكهم” إلى واقع إداري غير معلن؛ إذ تميل بعض الإدارات إلى التماهي مع هوية المسؤول الأقوى فيها، ما يخلق شعورًا ضمنيًا بالإقصاء لدى الكفاءات التي لا تنتمي إلى الشبكات ذاتها.

ولا بد من التمييز هنا بين نوعين متشابكين، لكنهما ليسا متطابقين دومًا، من الزبائنية: زبائنية طائفية تقوم على المحاصصة بين المكونات الطائفية الكبرى حفاظًا على “التوازن” المفترض، وزبائنية حزبية أو سياسية تقوم على المكافأة الانتخابية أو خدمة الزعيم الفرد بصرف النظر عن انتمائه الطائفي.

وتتقاطع الزبائنيتان في كثير من الحالات اللبنانية، إذ يصعب أحيانًا التمييز بين تعيين بدافع طائفي محض وتعيين بدافع حزبي أو شخصي يتذرع بالغطاء الطائفي.

ومن المفارقات أن لبنان يملك، نظريًا، إطارًا مؤسسيًا قادرًا على تكريس مبدأ الجدارة، هو قانون الموظفين الذي أُنشئ بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 112 تاريخ 12/6/1959، والمولج بإجراء المباريات والامتحانات لانتقاء الموظفين.

غير أن هذا القانون كثيرًا ما يُهمَّش أو يُلتف عليه عمليًا عبر توسيع دائرة التوظيف بالتعاقد والمياومة والاستثناءات، وهي الأبواب الجانبية التي تتيح التوظيف خارج أي معيار من معايير الكفاءة المعتمدة رسميًا.

المشكلة لا تكمن في التنوع بحد ذاته، بل في تحوّله إلى معيار توظيف وترقية على حساب الكفاءة.

ففي كثير من الحالات، تصبح المؤسسة خاضعة بصورة غير معلنة لميزان قوى سياسي أو مذهبي،الكلفة الوطنية للمحاصصة الإداريةإن أخطر ما تسببه هذه الظاهرة ليس فقط غياب العدالة، بل إضعاف الدولة نفسها.

ويمكن تلخيص أبرز النتائج السلبية بما يلي:أولًا: تراجع الكفاءة.

حين لا يكون المعيار الأساسي هو الكفاءة، تصبح المؤسسات أقل قدرة على الإنجاز وحل المشكلات واتخاذ القرار السليم، والأهم من ذلك كله، تغيب المحاسبة، فيصبح من يعمل بضمير ووطنية ومن لا يعمل سيّان.

ثانيًا: تدهور سمعة الوظيفة العامة.

وهو ما يؤدي بطريقة غير مباشرة إلى ضعف رواتب الموظفين، وتفشي الرشوة، وعزوف الكفاءات المرموقة عنها.

ثالثًا: هجرة الكفاءات.

يشعر كثير من أصحاب المؤهلات بأن فرصهم محدودة ما لم يمتلكوا غطاءً سياسيًا أو طائفيًا، ما يدفعهم إلى الهجرة أو الابتعاد عن القطاع العام.

رابعًا: تضارب الولاءات.

بدل أن يكون الانتماء للمؤسسة والدستور والقانون، تصبح المرجعية الحقيقية خارج الإدارة نفسها.

خامسًا: فقدان الثقة بالدولة.

عندما يشعر المواطن أن الإدارة لا تعمل وفق العدالة والمساواة، تتراجع ثقته بالمؤسسات العامة، ويزداد اللجوء إلى الوساطات والزبائنية.

سادسًا: الفائض الوظيفي.

إذ تعمل الفئة المسيطرة على المؤسسة العامة على خلق مواقع وظيفية وهمية أو شاغرة، و”حشر” موظفين جدد فيها توسيعًا لشبكة الزبائنية على حساب المصلحة العامة.

سابعًا: انتشار ظاهرة التعاقد الوظيفي والمياومة وما شابهها من المسميات، حيث يلتحق كثيرون بالوظيفة العامة دون الخضوع بالضرورة لأي معايير موضوعية أو امتحانات أو مباريات، ويبقون سنوات طويلة في هذا العمل الذي لا يوفر لهم راتبًا لائقًا أو ضمانات اجتماعية، فيبقون دائمًا تحت رحمة من أدخلهم إلى هذا التعاقد، يحفظون له الجميل ويردّونه في المناسبات السياسية.

ثامنًا: والأسوأ من ذلك كله، استدعاء الموظف الذي يسعى لتولي منصب إداري إلى مكتب المسؤول السياسي أو الزعيم المافياوي أو الطائفي، فتُنزع منه أول ما تُنزع كرامته الإنسانية، ويغتال ضميره المهني الحر بحجج كثيرة واهية، فيصبح فردًا يدور في الدوامة التي تقضي على الإدارة العامة، وقد يتحول إلى أحد أفراد هذه الشبكة والعاملين لمصلحتها.

ولا يمكن فصل هذه الكلفة الإدارية عن الانهيار الاقتصادي والمالي الذي عصف بلبنان منذ عام 2019.

فالإدارة العامة المنهكة بالمحاصصة والفائض الوظيفي غير المنتج كانت أحد أعمدة العجز المالي المتراكم، كما أن أي برنامج تعافٍ أو إصلاح يُطرح اليوم، محليًا أو في إطار التفاوض مع المؤسسات الدولية، يضع إصلاح القطاع العام واستعادة معيار الكفاءة في صلبه.

بهذا المعنى، لم تعد معالجة هذه الظاهرة قضية أخلاقية أو إدارية بحتة، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لأي نهوض اقتصادي ممكن.

نحو إصلاح تشريعي حقيقي: قانون لمحاسبة التوظيف الزبائنيإن معالجة هذه الأزمة لا تتم بالشعارات، بل عبر إصلاح قانوني ومؤسسي واضح.

لذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى سنّ قانون خاص بالشفافية والمساءلة في التوظيف العام، مهما كانت تسمية الوظيفة، في إدارة عامة أو في مؤسسة عامة، بتوظيف دائم أو مؤقت، يتضمن العناصر التالية:الموظف العمومي لا يُمنع عادةً من الانتماء السياسي أو الحزبي بوصفه مواطنًا، لكن تُفرض عليه قيود صارمة تمنع تسييس الوظيفة العامة أو استغلالها حزبيًا.

بمعنى آخر: الحق في الرأي والانتماء السياسي محفوظ، لكن الوظيفة العامة يجب أن تبقى محايدة (Principe de neutralité du service public).

وقد تلجأ بعض الديمقراطيات المتشددة إلى فرض حظر جزئي أو كلي على الانتماء الحزبي على بعض الفئات، مثل: القضاة والعسكريين وعناصر الأجهزة الأمنية وبعض كبار موظفي الدولة.

والهدف من ذلك هو الحفاظ على ثقة الجمهور بحياد الدولة.

إلزام الإدارات والمؤسسات العامة بتوصيف وظيفي واضح: يجب أن تُنشر كل وظيفة شاغرة مع توصيف دقيق للمؤهلات المطلوبة والمهام والمعايير.

إعلان معايير الاختيار مسبقًا، بحيث تصبح عملية الانتقاء قابلة للتدقيق والمراجعة.

اعتماد لجان مستقلة متعددة الاختصاصات للحد من تأثير القرار الفردي أو النفوذ السياسي.

تجريم التمييز في التوظيف، سواء كان طائفيًا أو مذهبيًا أو مناطقيًا أو حزبيًا أو سياسيًا أو قائمًا على الولاءات الشخصية.

فرض عقوبات صارمة على أي مسؤول أو عضو لجنة تحكيم يثبت تورطه في توظيف غير قائم على معايير موضوعية، بما يشمل: العزل الإداري، والحرمان من تولي المسؤولية العامة، والغرامات، والمساءلة القانونية.

حماية الموظف الذي يرفض الانصياع لضغط سياسي أو طائفي، على غرار حماية المبلّغين عن الفساد، بحيث يُمنع نقله التعسفي أو تجميد ترقيته أو التضييق عليه بسبب هذا الرفض، ويُمكَّن من اللجوء المباشر إلى الهيئة الرقابية المستقلة أو القضاء المختص دون أن يُعرّض موقعه الوظيفي للخطر.

الموظف العمومي لا يُمنع عادةً من الانتماء السياسي أو الحزبي بوصفه مواطنًا، لكن تُفرض عليه قيود صارمة تمنع تسييس الوظيفة العامة أو استغلالها حزبيًا.

إنشاء هيئة وطنية مستقلة لرقابة التوظيف العام، تتمتع بصلاحيات التدقيق والتحقيق وإصدار تقارير علنية حول الكفاءة والتنوع والشفافية والعدالة الوظيفية في مختلف الإدارات والمؤسسات العامة، مما يخلق ضغطًا أخلاقيًا وإعلاميًا على الإدارات.

تفعيل دور الإعلام والمجتمع المدني في المساءلة، عبر إلزام الإدارات بالإفراج عن بيانات التوظيف (الأعداد، المعايير، نتائج المباريات) بصيغة مفتوحة يسهل الوصول إليها، بما يتيح لوسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية رصد أي انحراف عن معايير الجدارة وتسليط الضوء عليه علنًا، فتتحول الرقابة الرسمية إلى رقابة مزدوجة، رسمية وشعبية.

إنشاء قضاء عجلة متخصص بقضايا الغبن في التوظيف، بحيث يلجأ إليه أي متضرر أو مغبون.

إن أزمة الإدارة العامة في لبنان ليست أزمة موظفين فحسب، بل أزمة فلسفة حكم.

فلا يمكن بناء دولة حديثة إذا ظلّ الانتماء للطائفة أو الحزب أو الزعيم أقوى من الانتماء للمؤسسة والدولة.

إن الدولة التي تُدار بالمحاصصة تُنتج ضعفًا مزمنًا، بينما الدولة التي تُدار بالكفاءة تُنتج ثقة واستقرارًا ونموًا.

ربما لا يكون المطلوب إلغاء التنوع اللبناني، بل تحريره من الاستخدام الزبائني، وتحويله من أداة تقاسم نفوذ إلى إطار وطني جامع.

فالإدارة العامة ليست ملكًا للطوائف، بل هي العمود الفقري للدولة، وأي انهيار فيها هو انهيار لفكرة الدولة نفسها.

هل نريد إدارة تخدم الدولة، أم إدارات تخدم مراكز النفوذ السياسية والمافيا الزعاماتية والطائفية داخل الدولة؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك