كما يقولون: " الشيطان يكمن في التفاصيل"، والشياطين هنا كثيرة والتفاصيل متشعبة ومعقدة في اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم إبرامه قبل أيام بين الولايات المتحدة وإيران، والذي يسير فوق حقل ألغام وتكتنفه ضبابية تتسع رقعتها يوم بعد يوم، بل تكاد الخلافات أن تفسده لتعيد العالم والمنطقة إلى المربع الأول وهو تجدد الحرب على إيران ووضع نهاية سريعة لحالة التهدئة القائمة.
قبل إبرام الاتفاق كنا نعتبر الخلاف طبيعياً في المفاوضات المعقدة بين واشنطن وطهران وبرعاية باكستانية قطرية، وعقب التوقيع توقعنا أن تتراجع حدة الخلافات، وأن يتم التركيز في المفاوضات اللاحقة والمحادثات الفنية على بحث كيفية تحويل البنود العامة من الاتفاق إلى خطط تفصيلية وآليات عمل، وهو ما لم يحدث بشكل ما حتى الآن.
رأينا خلافات عميقة حول كل شيء، مضيق هرمز والممرات المائية، والأموال الإيرانية المحجوزة في الخارج، والعقوبات على النفط الإيراني، والبرنامج النووي الإيراني والتفتيش الدولي، ومصادر وآليات تمويل صندوق إعادة إعمار إيران والحوافز المالية الأميركية، ومن هي الدول التي ستدبر مبلغ الـ 300 مليار دولار المطلوبة للصندوق المقترح في ظل رفض بعض دول الخليج مكافأة طهران على حربها وعدوانها وتخريبها لمنشآتها النفطية.
خلافات عميقة حول مضيق هرمز، والأموال الإيرانية المحجوزة في الخارج، والعقوبات، والبرنامج النووي، ومصادر وآليات تمويل صندوق إعادة إعمار إيرانوهناك خلافات حول الحصار الأميركي البحري على الموانئ الإيرانية واحتمالية عودته، ومستقبل القوات العسكرية الأميركية في المنطقة، ومن تلك الدول المعنية بالتفاهمات الأمنية التي تهم منطقة الخليج في فترة ما بعد الشهرين، وهل سيتم إبرام اتفاق شامل ونهائي وملزم لكل الأطراف المتحاربة وتحت رعاية مجلس الأمن والأمم المتحدة كما تريد الإدارة الأميركية، أم مجرد تفاهمات مرحلية مؤقتة لإدارة الأزمات العالقة والمحتملة كما تطالب طهران؟مضيق هرمز كان من أبرز القضايا التي حازت النصيب الأكبر من الخلافات، صحيح أنه تم إعادة فتحه أمام حركة سفن النفط والغاز والشحن العالمية، وصحيح أن طهران تراجعت عن إغلاق الممر المائي رغم مواصلة إسرائيل الحرب على لبنان، وتم فتح الباب أمام السفن وبدء إجلاء 11 ألف بحار عالقين في هرمز، وتسيير نحو 1150 سفينة شحن بقيمة تُقارب 125 مليار دولار، كانت عالقة في الخليج منذ اندلاع الحرب.
ورغم هذا النشاط السريع لحركة المرور في المضيق يكمن" شيطان" هرمز في الخلافات الحادة بين واشنطن وطهران بشأن رسوم الملاحة، وفرض تكاليف مقابل الخدمات المقدمة، وآلية إدارة الممر المائي، وضمان المرور الآمن للسفن ومواعيد إزالة الألغام البحرية، وتأمين المسارات الملاحية.
إيران متمسكة بفرض رسوم على السفن المارة في هرمز، شريان الطاقة العالمي، وجني إيرادات سنوية من تلك الرسوم تقدر بنحو 64 مليار دولار في السنة، وهو ما ترفضه الإدارة الأميركية بشدة وأكد عليه دونالد ترامب في تصريحات عدة أحدثها اليوم الأربعاء، بل إن طهران أعلنت بالتعاون مع سلطنة عُمان تشكيل لجنة مشتركة لدراسة تحصيل" تكاليف خدمات" لإدارة الملاحة المستقبلية في المضيق، وقبلها تحدثت مرات عن بدء تحصيل رسوم على السفن المارة.
إيران متمسكة بفرض رسوم على السفن المارة بمضيق هرمز، وهو ما ترفضه الإدارة الأميركية بشدة وأكد عليه ترامب في تصريحات عدة أحدثها اليومقضية أخرى كانت محور خلافات حادة بين الطرفين في الأيام الأخيرة وتتعلق بأوجه استخدام الأموال الإيرانية المفرج عنها، فقد جرى الاتفاق على الإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة مقابل تعليق واشنطن المؤقت لعقوبات النفط الإيراني لمدة شهرين، لكن هناك خلاف حول كيفية استثمار تلك الحصيلة.
وهناك عشرات الأمثلة على تنامي الخلافات بين واشنطن وطهران في المفاوضات الجارية بسويسرا، فهناك تضارب بشأن عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ حيث تؤكد واشنطن قبول طهران للتفتيش، في حين تنفي الأخيرة وبشدة تقديم تنازلات تمس سيادتها وبرنامجها النووي، لكنها على أية حال هي خلافات فرعية لا ترقى إلى تسببها في نسف وانهيار المفاوضات وإعادة المنطقة إلى المربع الأول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك