وكالة الأناضول - مصر تطالب بدخول لجنة إدارة غزة للقطاع "في أقرب فرصة" الليوان - برنامج طارق شو الموسم السابع الحلقة 10 - ضيفة الحلقة روان محمد وكالة الأناضول - بولندا تدعو إلى "التماسك" قبيل قمة الناتو في أنقرة قناة الجزيرة مباشر - بمشاركة عُمان والمنظمة الدولية للملاحة.. هل ينتهي التحكم الإيراني بمضيق هرمز؟ قناة التليفزيون العربي - أوروبا على خط الأزمة في لبنان وبيروت تتمسك بالانسحاب والاحتلال يصر على المنطقة الأمنية وكالة الأناضول - اختتام اليوم الثاني من الجولة الخامسة للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية DW عربية - توتر مع واشنطن .. تعهد أوروبي بالوحدة قبيل قمة الناتو قناه الحدث - ترامب: مسار المفاوضات مع إيران رائع وكالة سبوتنيك - روبيو: المجموعات الفنية الأمريكية والإيرانية تواصل محادثاتها في يومي 29 و30 يونيو الجزيرة نت - نبوءة غريبة.. عرافة برازيلية تثير الرعب قبل مواجهة البرازيل وإسكتلندا
عامة

«الغرف الرقمية» في حرب السودان.. هندسة التضليل وصراع السيادة على الرواية

سودان تربيون
سودان تربيون منذ 1 ساعة

الخرطوم 24 يونيو 2026- في حرب السودان المستعرة، ليست المقذوفات الطائرة والطائرات المُسيّرة وحدها من تحصد الأرواح وتدمر الحواضر، بل ثمة سلاح آخر، صامت وغير مرئي، يفتك بالمدنيين في بيوتهم وملاجئهم البدي...

الخرطوم 24 يونيو 2026- في حرب السودان المستعرة، ليست المقذوفات الطائرة والطائرات المُسيّرة وحدها من تحصد الأرواح وتدمر الحواضر، بل ثمة سلاح آخر، صامت وغير مرئي، يفتك بالمدنيين في بيوتهم وملاجئهم البديلة.

إنه سلاح الشائعات والأخبار المفبركة التي تبثها منصات وغرف إعلامية رقمية متخصصة، يديرها أطراف النزاع ضمن استراتيجية ممنهجة للتحكم في تدفق المعلومات وصناعة الوعي البديل، وتوجيه دفة الحرب النفسية.

هندسة الهلع وكيف تَقتَل الشائعةلم يكن الشاب مصعب السيد يعلم أن تصفحه العابر لمنصة «فيسبوك» سيكون نقطة التحول المرعبة التي ستكلفه حياة والدته، وتهجيره قسرياً خارج بلاده، ليتحول من مواطن آمن في بيته إلى لاجئ يطارده الندم والوجع.

تبدأ فصول الحكاية من حي «جبرة» جنوبي العاصمة الخرطوم، بعد أسابيع من الاقتتال الدامي والمستعر بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، إذ كان مصعب يحاول التمسك ببيته، محاطاً بوالدته المريضة التي كانت بحاجة مستمرة لرعاية طبية خاصة ودواء السكري.

وفي تلك الأجواء المشحونة بالخوف، طالعت عيناه منشوراً على صفحة تواصل اجتماعي غير موثقة تحمل اسم «خبر من السودان»، تنشط في نقل أخبار الأحياء، وكان المنشور يحذر بلهجة قاطعة من «اجتياح وشيك وقصف مدفعي مكثف ومسح كامل للحي خلال ساعات».

يقول مصعب بنبرة مخنوقة في حديث لـ«سودان تربيون»: «تملّكني الرعب على حياة أمي المريضة، ولم أفكر مرتين، فالشائعات كانت تتحدث عن فظائع تحدث في المناطق المجاورة».

وتحت وطأة الذعر الجماعي الذي أحدثه المنشور في الحي، حزم على عجل قسماً ضئيلاً من أمتعته، وحمل والدته شطر ولاية الجزيرة، هرباً من موت تبيّن لاحقاً أنه كان مجرد «شائعة تكتيكية» لإخلاء المنطقة، لكن الموت الحقيقي كان ينتظرهم في طريق النزوح.

تعرض مصعب خلال الرحلة لعمليات نهب وسلب جردته من أمواله وهاتفه المحمول، والأقسى من ذلك، فُقدت حقيبة الأدوية الخاصة بوالدته.

وصل الطرفان إلى إحدى قرى الجزيرة منهكين بلا مأوى، وفي غياب الرعاية الطبية، تدهورت الحالة الصحية للأم بشكل حاد جراء مضاعفات السكري، لترحل في صمت بعيداً عن بيتها؛ ضحيةً لـ«هندسة الهلع الإلكتروني» التي دفعت آلاف الأسر لإخلاء منازل لم يطالها القصف قط.

صناعة الزيف من «الروبوت» إلى فخ «ود مدني»لا تقتصر الشائعات الرقمية في حرب السودان على المنشورات المحلية، بل تمتد إلى «بروباغندا» كبرى تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق (Deepfake) لإدارة الروح المعنوية وتوجيه مسار الحرب النفسية.

ولعل الشائعة الأكثر رواجاً وتأثيراً في مسار الحرب النفسية تمثلت في الترويج المكثف لـ«موت قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)»، إذ انخرطت غرف إلكترونية ومؤثرو بث مباشر (لايفاتية) في تقديم ما وصفوه بـ«الأدلة القاطعة» على غيابه.

وكمثال حي على هذا التضليل الممنهج، بثت صفحة أحد أشهر «اللايفاتية» الداعمين للجيش تسجيلاً مصوراً زعم فيه المتحدث تحليل بصمة الصوت والحركة لقائد «الدعم السريع» في أول ظهور رسمي له بعد غياب، مدعياً بالدليل الرقمي المفبرك أن الشخصية التي تظهر في المقاطع ليست سوى «روبوت تم توليده عبر الذكاء الاصطناعي» أو بديل خضع لعمليات تجميل دقيقة.

وظلت هذه السردية تُغذى لشهور طويلة لإحداث ارتباك في صفوف القواعد القبلية والعسكرية لـ«الدعم السريع»، قبل أن يتضح حجم الزيف الفني المستخدم في توجيه الرأي العام.

من ناحية اخرى دفع مدنيون آخرون حياتهم وحريتهم ثمناً لـشائعات الانتصارات الوهمية، وهي المأساة التي تجسدت في قصة الفتاة (سهى) وأشقائها الثلاثة بمدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة.

ففي 18 ديسمبر (كانون الأول) 2023، ضجت منصات التواصل الاجتماعي والغرف الرقمية التابعة للمستنفرين ومؤيدي الجيش بأخبار احتفالية عارمة تؤكد دحر القوات المهاجمة على مشارف المدينة، وتأمين ود مدني بالكامل، وتراجع قوات الدعم السريع.

وتحت تأثير هذا الضخ الإعلامي المطمئن، قررت سهى وعائلتها البقاء في منزلهم والاحتماء به.

لكن الصدمة المروعة كانت في صبيحة اليوم التالي، 19 ديسمبر 2023، حين استيقظ سكان المدينة على حقيقة سقوط ود مدني وانسحاب القوات المسلحة المفاجئ، لتجد سهى نفسها وسط جحيم حقيقي من الرصاص والفوضى.

وتحت وطأة النزوح القسري العاجل، فرت مع أشقائها سيراً على الأقدام في رحلة شاقة ومأساوية نحو مدينة المناقل الخاضعة لسيطرة الجيش.

لم تنتهِ مأساة سهى عند عناء النزوح، فمع وصولهم إلى مشارف المناقل وهم في حالة من الإعياء الذهني والجسدي التام، استوقفتهم نقطة تفتيش تابعة للاستخبارات العسكرية للجيش السوداني.

وبسبب حالة الارتباك وضياع وثائقهم الثبوتية أثناء الفرار، وتحت تأثير الأجواء الأمنية المشحونة بـشائعات الخلايا النائمة والطابور الخامس التي تبثها منصات إلكترونية مثل (افضح خائن وغربال مدني)، تم اعتقال سهى وأشقائها فوراً بتهمة كيدية وهي «التعاون مع القوات المتمردة»، ليتحولوا في غضون 48 ساعة من مواطنين آمنين ضللتهم الآلة الإعلامية، إلى نازحين خلف القضبان يدفعون ثمن الفجوة الهائلة بين الواقع الافتراضي والواقع الميداني.

النزوح المليوني… هجرات تقودها «القروبات»امتد حجم تأثير هذه الغرف الرقمية المضللة ليتسبب في أكبر أزمة نزوح بري يشهدها العالم الحديث، حيث رصدت منظمات حقوقية هجرات جماعية لآلاف السودانيين من مناطق لم تصلها طلقة واحدة، مدفوعين بالذعر الذي تصنعه الشائعات التكتيكية.

ففي الولايات الشمالية ونهر النيل، وسنار قبيل سقوط أجزاء منها لاحقاً، نشطت غرف إلكترونية مجهولة في بث تعميمات عاجلة عبر مجموعات «واتساب» الخاصة بالأحياء والعائلات، تحذر من «تحرك أرتال ضخمة للمتمردين متجهة بذاتها نحو تلك القرى لارتكاب فظائع».

وأدت هذه الشائعات المنسقة، والتي كانت تدعمها مقاطع صوتية مفبركة لنساء يستغثن أو لأصوات تفجيرات، إلى إحداث هلع جمعي غير مسيطر عليه.

في المقابل ففي ليلة واحدة منتصف مايو 2023 بالخرطوم بحري وأحياء من أم درمان وفق تقارير أنذاك، فر أكثر من 15 ألف مواطن باتجاه الولايات في موجة هجرة عشوائية تركوا خلفهم فيها أملاكهم وبيوتهم مفتوحة.

ليتضح في الأيام التالية أن العديد من تلك المناطق كانت خالية تماماً من أي مهدد عسكري، وأن الشائعة أُطلقت بشكل ممنهج من غرف تتبع لشبكات تابعة للطرفين وهو ما سهل عمليات السطو على المنازل الخالية.

ويقول الصحفي المتخصص في صناعة المحتوى ومكافحة خطاب الكراهية، محمد الهادي، إن منذ إندلاع حرب 15 أبريل، تمددت المواجهة العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إلى فضاء الإعلام والمنصات الرقمية.

ونشأت بحسب الهادي عند حديثه لـ «سودان تربيون» حرب موازية على الوعي العام يمكن وصفها بـ”حرب السرديات”، حيث سعى كل طرف إلى بناء رواية تبرر موقفه وتعبئ أنصاره وتنزع الشرعية عن خصومه، مستفيداً من حالة الاستقطاب الحاد والانهيار الجزئي لمؤسسات الإعلام المستقلة.

وأشار إلى أن في علم الاجتماع السياسي وعلم النفس الاجتماعي، تُعد الشائعة منتجاً طبيعياً لبيئات القلق وعدم اليقين وضعف المعلومات الموثوقة، وكلما ارتفع مستوى الخوف والغموض، ازدادت قابلية المجتمعات لتصديق الأخبار غير الموثقة وإعادة إنتاجها.

ونبه الهادي، إلى أن حرب 15 أبريل، وفرت بيئة مثالية لهذا السلوك، حيث انتشرت مقاطع قديمة أو مفبركة، وأخبار غير مؤكدة عن المعارك والخسائر والانتصارات، وتحولت وسائل التواصل الاجتماعي عبر منصات وغرف إعلامية خصصت لإنتاج الشائعات والمعلومات المضللة إلى ساحة مركزية لإنتاج المعلومات وتداولها بعيداً عن معايير التحقق المهني.

ونوه في الوقت نفسه، إلى أن من بين أكثر السرديات تأثيراً تلك التي سعت إلى إعادة تفسير أسباب الحرب وتحميل مسؤوليتها لأطراف بعينها على الرغم من التعبئة السياسية والإعلامية، وعمليات التحشيد التي سبقت اندلاع القتال.

وتابع: « مع ما ورد في إفادات بعض القادة العسكريين بشأن تحركات صباح 15 أبريل، روّجت دوائر محسوبة على الحركة الإسلامية لرواية تُحمّل القوى المدنية مسؤولية الحرب عبر مقولة “إما الاتفاق الإطاري أو الحرب”، وقد شكلت هذه السردية جزءاً من معركة إعادة تشكيل الإدراك العام حول أسباب النزاع ومسؤوليات أطرافه».

واعتبر أن مع استمرار الحرب، أصبحت الشائعات عاملاً مؤثراً في مسار الصراع، وساهمت في تغبيش الوعي العام، وإضعاف القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وتعزيز الاعتقاد بأن الحرب هي الخيار الوحيد الممكن لحسم الخلافات السياسية، كما أدت إلى تقويض فرص الحوار والتسوية السلمية، إذ جرى تصوير العديد من المبادرات الداعية لوقف القتال باعتبارها تنازلاً أو خيانة.

وكانت النتيجة الأخطر في تفسيرات تأثير الغرف الرقمية على السودانيين عند- الهادي- هي انتقال الصراع تدريجياً من مستواه السياسي والعسكري إلى مستويات اجتماعية وقبلية وإثنية، وتغذية حملات الاتهام الجماعي وخطابات التحريض والكراهية مشاعر الخوف والعداء بين المكونات الاجتماعية.

وذكر أنه تم تحميل جماعات وقبائل بأكملها مسؤولية أفعال أطراف مسلحة أو سياسية، وأمام هذا الواقع، اندفعت كيانات قبلية ومجتمعية عديدة إلى التموضع داخل فضاء الحرب دفاعاً عن نفسها أو عن سمعتها، الأمر الذي عزز الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

وبحسب رأيه فإن التجربة السودانية كشفت أن الشائعات يمكن أن تتحول إلى قوة اجتماعية وسياسية قادرة على تشكيل التصورات والسلوكيات والعلاقات بين الجماعات، ولذلك فإن مواجهة آثار الحرب تتطلب وقف العمليات العسكرية.

وشدد الهادي على أهمية تفكيك السرديات التحريضية ومكافحة المعلومات المضللة، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لاستعادة السلام وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي الذي تعرض لتصدعات عميقة خلال سنوات الحرب.

غرف الصدى والانحياز التأكيديتُفسر الخبيرة في علم الاجتماع، نجلاء عبد المحمود أحمد الجيلي، الأثر التدميري لهذه الغرف على النسيج الاجتماعي السوداني بكونها تعتمد على آليتي «الانحياز التأكيدي» و«غرف الصدى» (Echo Chambers).

وتقول الجيلي لـ«سودان تربيون»: «إن هذه المنصات تخلق بيئات مغلقة تمنح المستخدم شعوراً زائفاً باليقين، حيث يتعرض يومياً لمحتوى يعزز مخاوفه وقناعاته المسبقة ضد المجموعات الاجتماعية الأخرى، مما يعزل الأفراد نفسياً واجتماعياً ويدفعهم لتصنيف أي صوت عقلاني أو مخالف على أنه (خائن أو عميل)، مما أحدث انقسامات حادة داخل الأسرة الواحدة وعمّق الفجوة بين الأجيال».

وتحذر الجيلي من أن المبادرات المجتمعية وجلسات الصلح القاعدية باتت تُقوض عبر هذه المواد التحريضية التي تعمل كـ«قناص رقمي» يستهدف أي محاولة لإعادة بناء الثقة والتسامح.

من جانبها، تحذر الاختصاصية النفسية أمينة محمد الشفيع من التداعيات الصحية والنفسية الخطيرة الناتجة عن التعرض المستمر لهذه المنصات، إذ إن خطابات الخوف والتهديد تبقي الدماغ في حالة استنفار دائم (Flight or Fight).

وأفادت أمينةـ في حديثها لـ«سودان تربيون»، بأن ذلك مما يسبب اضطرابات كيمياء الدماغ، والتأثيرات الجسدية كالأرق والصداع وضيق التنفس، فضلاً عن الصدمات النفسية غير المباشرة الناتجة عن ملاحقة الصور والقصص الصادمة، مما يورث المتابعين عجزاً ويأساً تاماً وميلاً مرضياً نحو العزلة والشك المفرط في المحيط الاجتماعي.

التوجيه المعنوي الرقمي وشبكات التمويل والنفوذتشير أبحاث ومعلومات استقصائية أجراها فريق التحقيق، إلى أن المشهد الإعلامي الرقمي لحرب السودان يُدار عبر شبكة معقدة من المنصات والغرف التي تنقسم وظيفياً إلى: غرف تابعة لأطراف النزاع، غرف رصد وتحقق مستقلة، ومبادرات مجتمعية.

وتفيد شهادات مصادر إعلامية وسياسية تحدثت لـ«سودان تربيون» بوجود مؤشرات على تلقي بعض هذه الغرف دعماً مادياً ولوجستياً، سواء عبر قنوات تابعة لأطراف الصراع بشكل مباشر، أو عبر منصات تدار من دول إقليمية.

وتُوجّه هذه الأموال لصناعة المحتوى، وشراء الإعلانات المُموّلة، ودعم صحفيين ومؤثرين يتبنون سردية كل طرف.

الآلة الإعلامية الموالية للجيشكشفت تتبعات المشهد الرقمي لفريق التحقيق، عن منصات وغرف تتبنى خط القوات المسلحة السودانية، وتدار مستوياتها الإعلامية من مراكز إدارية مؤقتة ببورتسودان، وتستند إلى سردية «السيادة وشرعية الدولة ومعركة الكرامة».

ويقول ضابط في الجيش السوداني لـ«سودان تربيون» شريطة عدم كشف اسمه: «إن الحرب في المقام الأول تقوم على إدارة الإعلام والرأي العام والاستنفار، والجيش يجد نفسه مجبراً على تفعيل منصاته الرقمية لكشف حقائق الحرب ودحض روايات الطرف الآخر».

وتشمل هذه الشبكة مستويات متعددة في مقدمتها المنصات الرسمية بدايةً بالصفحة الرسمية للقوات المسلحة السودانية على منصتي «فيسبوك» و«إكس»، المخصصة لبث البيانات العسكرية والمقاطع المصورة الميدانية.

وتأتي في المرتبة الثانية، المنصات الأمنية وهي غرف تابعة لجهاز الامن والمخابرات العامة تُعنى بنشر التعميمات وملاحقة ما يُعرف إعلامياً بـ«الطابور الخامس» أو الخلايا المتعاونة.

وثالثاً وفق بحث الفريق، تأتي الشبكات والمواقع الداعمة، وهي واجهات إعلامية وصحف إلكترونية نشأت أو أعادت تموضعها لدعم عمليات الاستنفار الشعبي ونشر تقارير تعزز رواية الجيش (مثل موقع وصحيفة «الكرامة»، و«السودان الآن»).

بجانب ذلك، تنشط مجموعات تسمى الردع، وهي صفحات وحسابات بمئات آلاف المتابعين تنشط تحت مسميات مثل «لواء الردع الإلكتروني»، «كلنا جيش»، و«هنا أم درمان»، وتعمل بتنسيق عالٍ لنشر الأخبار العاجلة للمعارك من وجهة نظر عسكرية.

وحصر فريق التحقيق أكثر من 1500 مجموعة على تطبيق «واتساب» يديرها أو ينشط فيها إعلاميون موالون للجيش وللنظام السابق، حيث رصدت التقارير انضمام مئات الأشخاص لمجموعات الأحياء السكنية العامة للتأثير على العامة، ونشر الفيديوهات الحماسية، والتصدي للأصوات المدنية المناهضة للحرب ووصفها بالعمالة والخيانة وتأليب المجتمع ضدها.

الآلة الإعلامية لقوات الدعم السريععلى الجانب الآخر، تدير قوات «الدعم السريع» شبكة منصات رقمية واسعة، يتركز جزء كبير من إدارتها الفنية خارج السودان، إلى جانب مراكز ميدانية أُنشئت في مدن مثل نيالا والضعين بعد انسحاب مكاتبها الإعلامية من الخرطوم والتي كان يشرف عليها سابقاً خبراء أجانب ببرج الدعم السريع.

وتتوزع آلتها الحالية على عدة محاور أبرزها منصات التأسيس والسلام، وهي غرف رقمية وقنوات على تطبيقات المراسلة الفورية مثل (حكومة السلام، جاهزية 24، وتأسيس “TASIS-FCF”).

وأُسّست تلك الغرف والمنصات، لترويج أخبار الانتصارات الميدانية والسرديات السياسية المرتبطة بـ«حكومة التأسيس المدني المشتركة مع بعض الحركات» في مناطق سيطرتها، مع حجب أي آراء مخالفة.

وتأتي تالياً منصات التنسيق والمؤثرين، وهي شبكات إلكترونية يقودها ناشطون وإعلاميون بارزون يتردد ذكر أسمائهم في الفضاء الرقمي (مثل- عبد المنعم الربيع، جدو فضل موسى، أحمد كابوري، يوسف عبد الله “ضبة”، ظافر محمد، وعيسى ود أبوك)، وتهدف إلى تنسيق المحتوى وتوسيع انتشار الخطاب الداعم لـ«الدعم السريع» عبر منصات وقنوات مثل «سودان ميكس» و«الحقيقة».

في المقابل، تواجه منصات ومواقع إخبارية اتهامات مستمرة من مصادر تحدثت لـ«سودان تربيون» بالاعتماد على خطوط تحريرية تتناغم مع رواية «الدعم السريع» وتلقي دعم وتسهيلات لإدارة محتواها.

من الناحية القانونية، يرى الخبير القانوني والمحامي المعز حضرة أن وسائل الإعلام الرقمي في حرب السودان تحولت من أدوات تواصل إلى أسلحة تدميرية موازية للعتاد العسكري، تُستخدم بشكل منظم لـ«هندسة المشاعر الجماعية» وتأجيج الاستقطاب.

ويوضح حضرة في حديثه لـ«سودان تربيون»: «إن خطورة هذه الأنشطة الرقمية لا تقتصر على التضليل الإعلامي، بل قد ترقى قانونياً إلى مستوى جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، لاسيما عندما ترتبط ببث خطاب كراهية منظم، أو التحريض على العنف والقتل على أساس الهوية العرقية والقبلية، أو نشر شائعات تسببت بشكل مباشر في تهجير قسري مميت للمدنيين وتدمير نسيجهم الاجتماعي».

ويضيف حضرة أن دعوة مجلس الأمن والدفاع السوداني مؤخراً إلى ضرورة «ضبط تعريف المتعاونين» تعكس إدراكاً رسمياً لخطورة استخدام البلاغات الكيدية والإجراءات القانونية المبنية على تحريض الغرف الرقمية والخلايا الأمنية، والتي أدت لاعتقالات عشوائية لمدنيين فارين من الحرب (كما حدث في حالة سهى وأشقائها بالمناقل).

ودعا حضرة إلى تفعيل أدوات العدالة الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية وبعثات تقصي الحقائق، لمحاسبة المتورطين في إدارة هذه الغرف.

التضليل ونشر خطاب الكراهيةوفي السياق ذاته، قال عضو المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات، الصادق علي حسن، إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الأكثر انتشاراً وتأثيراً بين مختلف فئات المجتمع، بمستوياتهم الاجتماعية والتعليمية كافة.

وأشار الصادق، في حديث لـ«سودان تربيون»، إلى سرعة النشر والتداول عبر هذه المنصات، إلى جانب توثيق المحتوى بالصوت والصورة وإمكانية الرجوع إليه لاحقاً، جعلتها بيئة واسعة لتداول المعلومات على نطاق كبير.

وأوضح أن هذه الخصائص حولت الوسائط الرقمية إلى أداة رئيسية لتداول الشائعات بين أطراف الحرب، مقرونة بخطابات التضليل الإعلامي ونشر خطاب الكراهية.

وأضاف أن الحرب في السودان كشفت هشاشة البنية الاجتماعية والدولة، مع تصاعد الهويات القبلية على حساب هوية المواطنة الجامعة، لافتاً إلى أن تطور النزاع إلى صراعات بين حواضن اجتماعية أسهم في تراجع مفهوم الدولة الحديثة، وتآكل الشعور بالمواطنة لصالح الهويات القبلية والجهوية والعشائرية.

وحذر من أن استمرار هذا المسار قد يفتح الباب أمام احتمالات تشكل كيانات داخل الدولة السودانية، على غرار تجارب بعض الدول مثل الصومال وليبيا، مشيراً إلى أن التنوع الإثني والثقافي في السودان، رغم كونه مصدراً للثراء، بات مهدداً بالتحول إلى عامل ضعف يغذي الفوضى ويقوض استقرار الدولة.

وأكد الصادق علي أن أطراف الحرب باتت تدير جزءاً كبيراً من معاركها عبر الوسائط الرقمية، مستخدمة أدوات تأثير غير أخلاقية تشمل الإشاعات والتضليل والتلميع السياسي والابتزاز والتحريض.

وأشار إلى أن هذه «المعركة الرقمية» أصبحت من أكثر أدوات الصراع تأثيراً، حيث انخرط فيها أيضاً سودانيون في المهجر، بعضهم لا يمتلك تأهيلاً مهنياً أو أكاديمياً، ويعتمد على المحتوى المثير وخطاب الكراهية لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة وعوائد مالية من المنصات الرقمية.

وشدد في ختام حديثه على ضرورة دراسة هذه الظواهر بعمق، ووضع معالجات فعالة لها، باعتبارها أحد العوامل الرئيسية في تفكك النسيج الاجتماعي، وإطالة أمد الحرب، وإضعاف الدولة السودانية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك