ليست العيون سواءً وإن تشابهت في الخِلقة، فكم من عينٍ وقفت أمام المشهد ذاته ثم خرجت منه بقراءةٍ أخرى ومعنى مختلف، وذلك ليس لأن الحقيقة تعددت بل لأن الأرواح التي تلقّت المشهد كانت مختلفة.
فالإنسان لا يرى العالم بعينيه وحدهما، بل يراه بما يختزنه في أعماقه من قناعات وإنفعالات وآثارٍ تركها الزمن.
فقد يرى أحدهم في المطر بشارة حياة، بينما يراه آخر إيذاناً بالعناء وتعثر المسير، وقد يقف إثنان أمام شخصٍ واحد، فيرى فيه أحدهما مواطن الفضل وخِصال الخير بينما لا تقع عين الآخر إلا على مكامن القصور والنقص.
إن النفس أشبه بمرآةٍ باطنة تتقدَم البصر إلى الأشياء فتكسوها من ظِلالها ما تشاء، فمن عمّر قلبه الإمتنان أبصر في الهامش نِعماً تستحق الإحتفاء، ومن أنهكتهُ خيبات الأيام لم يقع بصره من النعمة إلا على ما غاب منها لا على ما حضر.
ولذا فإن كثيراً من خلافات البشر لا تنشأ لأنهم شهدوا وقائع مختلفة، بل لأنهم تلقّوا الوقائع نفسها بقلوبٍ مختلفة.
ولعل من أعجب ما في الإنسان أنه يفتش دائماً عمّا يؤيد ما يؤمن به، فإن أحسن الظّن بالناس وجد دلائل الفضل حيثما إتجه، وإن أقام في ظلال الرِيبة التقط من المواقف ما يُغذيها ويزيدُها رسوخاً.
وكأن العين تُرجمان القلب، لا تنقل إليه الأشياء كما هي دائماً بل كما إستقر معناها في أعماقه.
ولهذا لا تكون الحكمة في حِدّة البصر بل في نقاء البصيرة، فالعين قد ترى الصورة أما البصيرة فتنفذ إلى معناها، والعين قد تُدرك المظهر أما البصيرة فتُلامس الجوهر، وكم من إنسانٍ امتلك عينين سليمتين لكنه عجز عن رؤية الجمال في الحياة، لأن غباراً في داخله كان يحجب عنه صفاء الرؤية.
وإن من أجمل ما يصنعه المرء بنفسه أن يعتني بقلبه قبل أن يلوم ما تقع عليه عيناه، فحين يصفوا الداخل يتنفس العالم حوله ضياءً أرحب، وحين يزدهر الفِكر يُبصر الفرص حيث لا يرى غيره إلا العوائق، وحين يمتلئ القلب رحمة يرى أعذار الناس قبل أخطائهم.
ولعل الحقيقة الأعمق أن الأشياء لا تكشف لنا عن ذاتها كاملة، بل تكشف لنا بقدر ما نملك من قدرة على رؤيتها.
فالعالم واحدٌ في جوهره، غير أن طُرق النظر إليه بعدد القلوب التي تعبره، وكل عينٍ تُبصر ما يوافق وجهتها، وكل روحٍ تعثر في الأشياء على شيءٍ منها.
فاحرسوا قلوبكم.
فليست العيون إلا نوافذٌ لها، وما تُبصره الأبصار كثيراً ما يكون الصدى الخافت لما يختبئ في الأعماق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك