تُقدم ألبا النابلسي في عملها الصادر حديثا بإيطاليا" المعجم الفلسطيني ـ تشريح للإبادة في غزة من خلال عشر كلمات"، قراءة للإبادة في غزة عبر عشر مفردات هي: الرواية، البتر، الحجاب، الاغتصاب، الهوية، التطهير العرقي، إفناء المدينة، الاضطراب النفسي، الجوع، والأمومة، حيث تتعالق الحقول الدلالية لهذه المفردات حول مصطلح" الجسد" بوصفه ساحة معركة وفضاء للمقاومة، وأداة في النضال ضد القمع وطمس التاريخ الفلسطيني.
تنسج الكاتبة الفلسطينية الإيطالية عملها بالاعتماد على البيانات التاريخية والمصادر الصحفية وكذا سيرتها الشخصية، لتصبح قصة عائلتها رمزًا للشتات الفلسطيني والصمود الممتد عبر الأجيال.
وألبا النابلسي هي صحفية وقيّمة معارض فنية مستقلة، تتعاون مع صحف إيطالية وعالمية على غرار الفاتو كوتيديانو (Il Fatto Quotidiano) والمانيفيستو (Il Manifesto) وآرت تريبيون (Artribune) وغيرها.
list 1 of 2ممثل اليونسكو في المنطقة المغاربية: أولوية المنظمة صون التراث بعيدا عن التوظيف السياسيlist 2 of 2ميلاد بعد العتمة.
حين تتحول حكايات الأسرى إلى ذاكرة لا تُنسىتلقّت تعليمها بين إيطاليا وفرنسا، حيث تتنقل بين تخصصات فلسفية وسوسيولوجية وجغرافية اعتمدتها في كتابها الذي وضعت مقدمته فرانتشيسكا ألبانيزي وكان محل نقاش في الصالون الدولي للكتاب بتورينو مؤخرا، حيث كان لنا مع الكاتبة هذا الحوار.
مشاركتُك ككاتبة فلسطينية في أبرز فعالية ثقافية في إيطاليا من خلال كتاب يُشرّح الإبادة في غزة، هل هو مؤشر على أن السردية الفلسطينية نجحت في فرض نفسها أخيرًا على ثقافة" التيار السائد" في إيطاليا؟أعتقد أنه لا يزال من المبكر الحديث عن ترسيخ كلي للسردية الفلسطينية ضمن التيار الثقافي السائد في إيطاليا، بل ما نشهده هو تصدع في سردية مهيمنة جرى احتكارها على مدى عقود في الخطاب الأوروبي حول فلسطين.
برمجة كتاب يناقش الإبادة في غزة ضمن فضاء ثقافي مركزي في إيطاليا كالصالون الدولي للكتاب بتورينو لا يعني بالضرورة أن المؤسسات الثقافية تبنّت فعلا المنظور الفلسطيني، لكنه يعني أن تجاهله غدا أكثر صعوبة.
وهذا التغيير قد فرض نفسه أساسا بفعل المثابرة الفلسطينية، وعمل شبكات التضامن، واستحالة إخفاء ما أظهرته غزة للعالم.
في مقدمتها تصف فرانتشيسكا ألبانيزي كتابك بأنه" مفكّك للاستعمار"، هل تشعرين بأن وزن المسؤولية الواقع على فلسطينيي الشتات في تفكيك الاستعمار هو ذاته الذي يقع على فلسطينيي الداخل وفلسطينيي غزة والضفة، أم أن هناك اختلاف في التراتبيات؟المسؤولية ليست متطابقة، لأن الظروف المادية ليست كذلك.
فالمرأة الفلسطينية في غزة تكتب وتقاوم تحت الحصار والقصف؛ بينما الفلسطينية في الشتات تعمل داخل بُنى غربية غالبًا ما تُنتج العنف الاستعماري وتبرّره.
وهذا ينطبق على من يعانون يوميًا في جنين أو القدس أو نابلس.
لكن طبعا لا يمكن إنكار امتياز العيش ضمن سياق تختلف فيه الظروف الصحية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية على ما هو الوضع في فلسطين.
لكن هناك أيضًا صدمة قوية لجيلنا، وشعور بالذنب والعجز يلازمنا، إضافة إلى تهديد الرقابة والتهميش.
وعليه فإن للشتات مهمة محددة هي الترجمة، والوساطة، وتفكيك اللغة التي تُصاغ في مراكز السلطة الإمبريالية والمحلية.
ليست هناك تراتبية هرمية للألم، بل يوجد اختلاف في الموقع السياسي والتاريخي لكل منا.
يدٌ تمتد إلى أخرى، وصوت يصغي إلى آخر، تماما كما في أغنية" أناديكم" لأحمد قعبور، التي كان والدي يُسمعني إياها منذ طفولتي.
تفتتحين كتابك بقصيدة لمحمود درويش وتختتمينه بأبيات لفدوى طوقان، كما لا تخلو لغتك من نفَسٍ أدبي، بل ذهبتِ لاعتبار" الرواية" جزءًا من الجسد الفلسطيني، هل يولد كل إنسان فلسطيني شاعرًا أو روائيًا بالفطرة، أم أنها تحولات طرأت على مفرداته بعد الاشتباك مع الاستعمار لمخاطبة وجدان العالم؟لا أعتقد أن كل فلسطيني يولد شاعرًا، رغم أن الكتابة التي أعتمدها تميل أحيانًا كثيرة إلى اللغة الشاعرية منها إلى الخطابية؛ لذا فأنا ممتنة للشعر لأنه يخزّن داخله فيضا لا تستطيع لغة النثر ترجمته، وهو ما ألهمني ودفعني للكتابة.
والواقع أن الحالة الفلسطينية تُجبر الجميع على الشهادة بشكل مستمر، حتى أولئك الذين يمكنهم من مواقع أخرى التمتع بامتياز الاكتفاء بممارسة" الفن من أجل الفن".
لكن عندما يتم إنكار وجودك بحد ذاته، تتوقف اللغة عن كونها مجرد تعبير فني، وتصبح أثرًا وسجلا ومقاومة.
لذلك نادرًا ما تفصل الأدبيات الفلسطينية بين الجماليات والذاكرة، وبين الجمال والوعي السياسي.
محمود درويش وفدوى طوقان ليسا مجرد مراجع ثقافية، بل هما جزء من نسب وجداني وسياسي فلسطيني، كُتب بين الابتسامات والدموع، ورائحة المقلوبة، المحفورة على أجساد الشهداء.
لا توجد هرمية بين" أحن إلى خبز أمي" وقلم أي كاتبة أو ضربة فرشاة لأي فنان فلسطيني.
إنه امتداد متواصل، شريط لا نهائي تختلط فيه البداية بالنهاية، مشكلا واقعًا يستمر حتى في الشتات، إنه ذاكرة مكان قد نحتفظ به أحيانًا بشكل أفضل في لوحة منه على الواقع.
تماما كما يفعل محمد جحا في لوحاته عن غزة، التي تحولت دون قصد من لحظة قبض على ذكرى من أرضه المحبوبة إلى شهادات على فضاء مدمر ومهشّم كما أمسى القطاع.
أو كما تفعل فيرا تماري في أرشفة جمالية لبذور النباتات محتفية بالجذور العميقة لزيتوننا كرمز معاصر للصمود.
كان لافتًا التنويه المسجّل في بداية كتابك والمتعلّق بمفردة" الاغتصاب"، حيث تشيرين إلى أن الفصل يتضمن أوصافًا صادمة ودعوتِ لتجاوزه لمن لا يستطيع تحمّل وطأته، كيف تمكنتِ أنتِ من كتابة فصل كهذا وما كان أثره عليكِ؟دار النشر التي نشرت كتابي" لي بلولاري" (Le Plurali)، هي دار أسستها نساء من أجل النساء، بحساسية نسوية.
نبع التنويه من الوعي بأن بعض المواضيع وطأتها شديدة، خاصة بالنسبة للضحايا.
كتابة ذلك الفصل كانت صعبة للغاية، لأن الاستعمار لا يحتل الأرض فقط: بل يغزو الجسد، والحميمية، والذاكرة.
ومن أكثر القضايا إيلامًا كان مواجهة الطريقة التي يُستغل بها العنف الجنسي إعلاميًا، فعلى سبيل المثال مقال نيويورك تايمز" صرخات بلا كلمات" الذي نُشر بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، والذي أسهم في نشر اتهامات نُفيت لاحقًا بقوة من صحفيين استقصائيين وأكاديميين وحتى من طرف بعض العائلات المعنية، في مقابله حظيت شهادات موثقة عن العنف الجنسي والانتهاكات بحق الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وخلال حرب غزة باهتمام أقل بكثير، رغم توثيقها في تقارير لاحقة.
من بين هؤلاء الجراح عدنان البرش، الذي اعتُقل في ديسمبر/كانون الأول 2023 أثناء عمله في شمال غزة، وتوفي في سجن عوفر.
وقد وردت روايات مروعة عن وفاته وحالة جثته من معتقلين آخرين ومنظمات حقوقية، إذ يُعتقد أن الطبيب قد تعرض للاغتصاب والتعذيب حتى الموت، وهو ما نقلته الجزيرة.
هذه اللامساواة تكشف أي الأجساد تُعتبر جديرة بالتصديق وأيها تبقى غير مرئية.
الكتابة عن ذلك تعني عبور صدمتين: صدمة العنف، وصدمة التلاعب السياسي بالألم.
كما أن العكس صحيح أيضا: فإقامة مقارنات زائفة أمر خاطئ.
على سبيل المثال، الحديث عن القضية الفلسطينية على أنها" صراع" متكافئ مع الكيان الصهيوني، كما لو أن ثمة جيشين لدولتين معترف بهما يواجهان بعضهما البعض.
أو إقامة مقارنات بين عنف الدول وعنف الأفراد أو الميليشيات.
يجد الفلسطينيون أنفسهم، من بين ألف طريقة يقاومون بها، بأسلحة غير متكافئة: إنهم يرثون ساحة معركة، ويدافعون عن أنفسهم قدر المستطاع وسط نسيان كامل لهم.
شخصيا أرى أن أفضل صورة للمقاومة هي صورة الأسير المظلوم الذي يشق طريقه إلى الحرية، ولو لبضعة أيام فقط، بواسطة ملعقة؛ أو صورة المرأة الغزاوية التي تصر على أن تضع مولودا في هذا العالم، حتى في خضم الإبادة الجماعية.
تقولين أن مفردة" الحجاب" كان أكثر الفصول إثارة للجدل في عملك، كيف؟لأن الحجاب في الخطاب الغربي نادرًا ما يُترك ليتحدث عن نفسه.
غالبًا ما يُحوَّل إلى رمز: للقمع، أو التخلف، أو التطرف، أو" تحرّر يجب إنقاذه".
ثمة صور نمطية حول جسد المرأة الفلسطينية تعمل على اليمين واليسار سواء بسواء.
فاليمين الاستشراقي يراها مضطهدة بطبيعتها وتحتاج إلى" تحضير" غربي.
بينما جزء من اليسار الليبرالي يقبل حريتها فقط عندما تتوافق مع المعايير الغربية للعلمانية والتحرر الفرداني.
في الحالتين، المشكلة واحدة: المرأة الفلسطينية لا تزال تُقرأ من خلال تصنيفات أنتجها آخرون.
هذا الفصل أزعج الجميع لأنه يرفض الأبوية الاستعمارية وكذلك فكرة وجود طريقة واحدة" صحيحة" للحرية.
بالنسبة لي تقرير المصير هو البوصلة الوحيدة التي ينبغي اعتمادها في هكذا قضايا.
ألا ينفع إذن استيراد أشكال مقاومة صُنعت في الغرب من أجل التحرر من الهيمنة الغربية أم أن أدوات النضال يجب أن تكون أصيلة ومبتكَرة من داخل الثقافة المضطهدة؟كل نضال مناهض للاستعمار يجب أن يتساءل عن أدواته.
بعض المفاهيم التي طورها الغرب كالنسوية والتقاطعية ودراسات ما بعد الاستعمار، قد تكون مفيدة، لكنها تصبح إشكالية عندما تُصدَّر على أنها نماذج كونية.
التحرر لا يمكن أن يكون نسخة نظرية مستوردة، بل يجب أن ينبع من التجربة الملموسة للمضطهَدين، وإلا استبدلنا هيمنة بهيمنة أخرى.
مثلًا، قضايا الحقوق المدنية والجندرية تعرضت لإعاقة شديدة بسبب التمويلات الموجّهة خلال أوسلو بعد أن لوحظ تفضيل جمعيات حقوقية مُعينة أصبحت مدلّلة لأنها أقل" إشكالية" مقارنة بمن يطالب بالحقوق السياسية، ما خلق وضعًا مصطنعًا تنافسيًا سبّبته" المساعدات الإنمائية"، ما أدى إلى تقييد الفاعلية الفلسطينية وأنتج صورًا نمطية استعمارية حتى بشأن قضايا عادلة.
ما الذي يميز كتابك ويخوّله ليصبح مرجعًا للمفردات الفلسطينية في ظل تعدد الآراء والانقسام حول كل مفردة تطرحينها؟لا أعتقد بوجود معجم فلسطيني واحد ونهائي.
فلسطين نفسها مشرذمة بسبب المنفى والاحتلال وتنوع التجارب.
الكتاب لا يدّعي تقديم حقيقة مطلقة، بل يحاول إظهار كيف أن الكلمات هي ميادين صراع سياسي.
مصطلحات مثل" الإرهاب"، " المقاومة"، " الأمن"، " السلام"، وحتى" الإنسانية" ليست محايدة.
ربما يمكن لهذا الكتاب أن يصبح مرجعًا لأنه يكشف فعلا هذه التوترات بدل أن يقوم بإخفائها.
في المستقبل، أريد دراسة طرق تسجيل الفلسطينيين لتاريخهم ومقارنة معاجمهم بمعجمي.
هذا هو موضوع بحثي القادم.
ختمتِ مداخلتك في الصالون الدولي للكتاب بتورينو بعبارة: " لا تتكلموا عن الفلسطينيين تكلموا مع الفلسطينيين"، إلى أي مدى لا يزال الصوت الفلسطيني غير ممثل في إيطاليا؟المشكلة في إيطاليا ليست فقط غياب الأصوات الفلسطينية، بل أن الفلسطينيين غالبًا ما يُدعون للحديث ضمن حدود ضيقة: كضحايا فقط، لا كفاعلين سياسيين كاملين.
" تحدثوا مع الفلسطينيين" تعني الاعتراف بسلطتهم السردية، لا مجرد التعاطف الإنساني معهم.
كما تعني استخدام لغتهم وإعادة النظر في الخطاب الذي شوّه الواقع الفلسطيني لعقود، كاستمرار وصف الوضع على أنه" صراع" بشكل يوحي بتكافؤ غير موجود.
كما أن كثيرًا من المصطلحات الإعلامية الأوروبية مستمدة من الدعاية الإسرائيلية وتعيد انتاج خارطة المعاني الخاصة بها: " دروع بشرية"، " الحرب على الإرهاب"، " مواجهات"، " عمليات موجهة".
الكلمات ليست محايدة؛ إنها تصنع ما سيعتبره الجمهور شرعيّا أو إنسانيًا أو حتميًا.
لهذا فمسألة التمثيل لا تتعلق بمن يتحدث فقط، بل أيضًا باللغة المستخدمة في الحديث عن فلسطين.
وأعتقد أن كتابي يحاول، بتواضع، تقديم مقاربة متجسدة في التجربة التاريخية، تتمحور حول الأجساد وما تعانيه وما تفعله.
إنه معجم شخصي لأنه سياسي، وسياسي لأنه شخصي وعائلي، أتى عنوانه تحية للكاتبة الإيطالية اليهودية ناتاليا غينزبرغ، التي رفضت الصهيونية حتى قبل أن يصبح رفضها اليوم أمرا دارجا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك