في خطوة كشفت عن حجم التصدع داخل الحزب الجمهوري، شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن أمس الأربعاء تطورات سياسية متسارعة، حيث تحولت أروقة الكونغرس إلى ساحة لتلاسن حاد وغير مسبوق بين الرئيس دونالد ترمب وأعضاء من مجلس الشيوخ المنتمين لحزبه.
وجاء هذا الصدام غداة تلقي البيت الأبيض صفعة تشريعية قاسية تمثلت في تمرير مجلس الشيوخ قرارا يقيد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران بـ 50 صوتا مقابل 48 صوتا، بفضل انضمام 4 سيناتورات جمهوريين إلى صفوف الديمقراطيين، وهو ما عُدّ أضخم تمرد حزبي يواجه ترمب في ولايته الثانية.
الرئيس ترمب اتهم أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الذين صوتوا لصالح قرار يقيد صلاحياته العسكرية، بتقديم طوق نجاة لإيران بعد أن كانت على شفا الهزيمة والانهيار، حسب وصفهشرخ في جدار الحزب الجمهوريولم يتأخر رد فعل الرئيس، إذ رصدت الصحف الأمريكية الكبرى حالة من الغضب العارم، انتابت ترمب عقب التصويت مباشرة.
list 1 of 2هل أصبح الفلاسفة أهم من المبرمجين في عصر الذكاء الاصطناعي؟list 2 of 2الذكرى الـ250 للاستقلال الأمريكي.
احتفالات بطعم الجدل والانقسامونقلت صحيفة واشنطن بوست عن مصادرها أن الرئيس استشاط غضبا، وصبّ جام سخطه عبر منصته" تروث سوشيال" واصفا المشرعين الأربعة بـ" الخاسرين الأربعة من الجمهوريين"، متهما إياهم بتقديم طوق النجاة لإيران في وقت كانت فيه طهران" على وشك الهزيمة والانهيار"، على حد تعبيره.
ولم يقف الأمر عند المنصات الرقمية، بل امتدت المواجهة لتصبح مواجهة مباشرة وجها لوجه في غداء عمل مغلق جمع الرئيس بكامل الكتلة الجمهورية في مبنى الكونغرس (الكابيتول).
وبحسب ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير مفصل حول كواليس ذلك اليوم العاصف، فإن ملامح الانقسام بدأت منذ الصباح الباكر عندما أقدم ترمب، في خطوة مفاجئة وصادمة، على إلغاء حفل توقيع قانون الإسكان المشترك بين الحزبين الذي كانت الإدارة والقيادات الجمهورية تروج له كإنجاز تاريخي لحل أزمة تكاليف المعيشة.
واستخدم ترمب هذا القانون كورقة ضغط لمعاقبة مجلس الشيوخ على خلفية عدم تمرير" قانون حماية أمريكا" (SAVE America Act) المعني بتشديد إجراءات الهوية وإثبات المواطنة للمصوتين، معتبرا أن قانون الإسكان" قليل الأهمية" مقارنة بملف نزاهة الانتخابات الذي يمثل أولويته القصوى في عام انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وخلال الاجتماع، وجه ترمب انتقادات مباشرة لأعضاء الكونغرس الجمهوريين الذين صوتوا ضد توجهاته بشأن إيران، مؤكدا أن هذا النوع من المواقف يضعف موقفه التفاوضي في وقت حساس.
وقال -حسب أشخاص مطلعين على الاجتماع- إن الجماهير في تجمعاته الانتخابية لا تهتم بمشاريع الإسكان بقدر اهتمامها بمشروعه الانتخابي، في إشارة إلى رغبته في جعل الحزب أكثر التزاما بأولوياته السياسية.
وفي خضم هذا التوتر، تساءل ترمب بصوت مرتفع أمام الحاضرين -حسب تقرير واشنطن بوست- عن السبب الذي قد يدفع أي جمهوري لدعم قرار يقيد صلاحياته العسكرية في مواجهة إيران.
وهنا، شق السيناتور بيل كاسيدي من لويزيانا عصا الطاعة على الرئيس، ووقف مواجها ترمب، مما فجر مشادة كلامية حامية وطويلة كشفت وكالات الأنباء والصحف تفاصيلها المثيرة.
ونقل الكاتب بريندان راسيوس -في تقرير لصحيفة إندبندنت البريطانية- نقلا عن مراسلي شبكة" سي إن إن" وموقع" ذا هيل"، أن كاسيدي قال لترمب بلهجة حادة" أنت لم تخبر الشعب الأمريكي بما يجري فعلا.
كان من المفترض أن تستمر هذه الحرب 4 أسابيع، والآن مرت 4 أشهر، ولم تتحقق أهدافنا الأصلية، وأنا أريد أن أعرف ماذا يحدث".
ورد الرئيس برفع صوته آمرا كاسيدي بالجلوس، إلا أن السيناتور رفض الانصياع ورفع نبرة صوته قائلا" يا أخ"، فرد ترمب بغضب" أنا لست أخاك.
أنت مجنون! "، واصفا السيناتور بـ" الخاسر" في إشارة إلى خسارته في الانتخابات التمهيدية للحزب.
واعترف كاسيدي لاحقا للصحفيين بخروجه عن طوره قائلا" لقد فقدت أعصابي.
هذا ليس مناسبا.
إنها الدماء الأيرلندية التي تجري في عروقي، لكنني واجهت نبرته وحجم صوته بالقدر ذاته"، وصرح لموقع أكسيوس فيما بعد قائلا" لا أعتذر عن الوقوف في وجه الرئيس، وأوضحت تماما أنني لن أقبل بالتعرض للترهيب".
الدبلوماسية الخيار الأفضلولم يكن كاسيدي الوحيد الذي تعرض لانتقادات الرئيس، فقد ذكرت واشنطن بوست أن ترمب وجه أيضا سهامه نحو السيناتورة سوزان كولينز من ولاية مين، والسيناتورة ليزا موركوفسكي من ألاسكا، والسيناتور راند بول من كنتاكي، وهم الجمهوريون الثلاثة الآخرون الذين انضموا إلى الديمقراطيين في التصويت.
وتعد سوزان كولينز من أكثر الشخصيات الجمهورية تمسكا بدور الكونغرس في قضايا الحرب والسلم، وقد بررت تصويتها بالقول إن صلاحيات الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلحة ليست بلا حدود، وإن الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس دورا أساسيا في اتخاذ قرارات الحرب، وشددت على أن المهلة المحددة في قانون صلاحيات الحرب ليست" اقتراحا" بل" التزاما قانونيا".
أما ليزا موركوفسكي التي سبق أن اختلفت مرارا مع ترمب، فقد اعتبرت أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي أو استئناف الأعمال العدائية يتطلب العودة إلى الكونغرس والحصول على تفويض واضح.
وقالت إن الإدارة ملزمة بإقناع المشرعين والشعب الأمريكي بضرورة أي تحرك عسكري جديد، مؤكدة دعمها للإجراءات الرامية إلى إنهاء الأعمال القتالية وإعادة الجنود الأمريكيين إلى بلادهم.
كما ربطت موركوفسكي موقفها بالآثار الاقتصادية للحرب على ولاية ألاسكا، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة في ولايتها تفاقم بسبب التوترات في مضيق هرمز، مما جعل استمرار النزاع قضية داخلية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
أما راند بول، المعروف بمواقفه الرافضة للتدخلات العسكرية الخارجية، فقد كان أول جمهوري يدعم مشروع القرار منذ مراحله الأولى، وقد دافع عن إنهاء الحرب باعتباره بديلا عن الفوضى والفراغات الأمنية التي قد تنشأ عن إسقاط الأنظمة بالقوة، مؤكدا أن الدبلوماسية تمثل خيارا أفضل للولايات المتحدة.
مواجهات تنذر بمزيد من الانقساماتوبينما مثل هؤلاء الأربعة رأس حربة التمرد الجمهوري، أشار موقع أكسيوس إلى أن دائرة المعترضين داخل الحزب آخذة في الاتساع، فالسيناتور جون كورنين من تكساس الذي خسر بدوره الانتخابات التمهيدية أمام مرشح مدعوم من ترمب، بات أكثر صراحة في انتقاد الرئيس.
كما برزت أصوات أخرى مثل ميتش ماكونيل وثوم تيليس اللذين أصبحا أقل اكتراثا بالتداعيات السياسية لمعارضة البيت الأبيض.
ويفيد الموقع الإخباري في تقريره أن المشكلة بالنسبة لترمب لا تقتصر على التصويت بشأن إيران، بل تمتد إلى مشروعه الانتخابي الرئيسي، إذ يرفض عدد من الجمهوريين إنهاء قاعدة" التعطيل الإجرائي" (الفيليبستر ) المتبعة داخل الكونغرس، التي تتطلب 60 صوتا لتمرير معظم التشريعات في مجلس الشيوخ، وقد قالت موركوفسكي صراحة إنها لن توافق على إلغاء هذه القاعدة، في تحدٍ مباشر لرغبة الرئيس.
وفي خلفية هذه المواجهات، تتزايد المخاوف داخل الحزب الجمهوري من أن تؤدي الانقسامات الحالية إلى إضعاف فرصه في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وبدلا من التركيز على قضايا التضخم وكلفة المعيشة أو مهاجمة خصومهم الديمقراطيين، يجد الجمهوريون أنفسهم منشغلين بخلافات داخلية متصاعدة مع رئيس الحزب نفسه، بحسب تقرير أكسيوس.
ومن جانبها، وصفت صحيفة وول ستريت جورنال يوما واحدا من تحركات ترمب بأنه كان كفيلا بإرباك حلفائه، إذ ألغى بصورة مفاجئة مراسم توقيع مشروع قانون إسكان حظي بدعم الحزبين، ثم دخل في مواجهة مع أعضاء حزبه في مجلس الشيوخ، قبل أن يوجه انتقادات لحلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين خلال اجتماع مع مارك روته، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
أما السيناتور الجمهوري جون كينيدي، فقد لخّص طبيعة العلاقة الحالية مع الرئيس، إذ نقلت عنه الصحيفة القول إن ترمب يشبه" علبة شوكولاتة لا تعرف أبدا ما الذي ستجده داخلها"، في إشارة إلى تقلب مواقفه وردود أفعاله.
ورغم أن ترمب خرج من الاجتماع مؤكدا أن حزبه" موحد للغاية"، فإن الوقائع التي كشفتها الصحف الأمريكية ترسم صورة مختلفة، فالمواجهة مع كاسيدي، والغضب من كولينز وموركوفسكي وبول، والتوتر مع قيادة مجلس الشيوخ، كلها مؤشرات على أن الرئيس يواجه جيوب مقاومة متزايدة داخل الحزب الذي ظل لسنوات يدين له بالولاء شبه المطلق.
وفي وقت يسعى فيه ترمب إلى فرض أجندته السياسية والتشريعية على الجمهوريين استعدادا لمعركة انتخابية جديدة، يبدو أن بعض أعضاء الحزب باتوا أكثر استعدادا لمواجهته علنا، خصوصا أولئك الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه سياسيا أو الذين يرون أن صلاحيات الكونغرس ومؤسساته يجب أن تبقى فوق الاعتبارات الحزبية.
وهكذا، فإن الخلاف الذي بدأ حول الحرب مع إيران تجاوز مجرد نقاش بشأن السياسة الخارجية، ليصبح اختبارا حقيقيا لمستقبل العلاقة بين الرئيس وحزبه.
وإذا كان ترمب قد نجح طوال سنوات في فرض انضباط شبه كامل داخل الصف الجمهوري، فإن أحداث الأيام الأخيرة توحي بأن مرحلة جديدة بدأت تتشكل في واشنطن، عنوانها الأبرز أن الولاء للرئيس لم يعد أمرا مسلما به كما كان في السابق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك