تطرح مجموعة من الأسئلة نفسها بقوة في المرحلة الراهنة في سورية في ظل بطء الخطوات التي تتخذها الحكومة: هل المشكلة تكمن في الأشخاص الذين يتولون السلطة، أم في حجم التحديات التي تفوق خبراتهم وقدراتهم؟ وهل أصبحت الطبقة الحاكمة أصغر من المجتمع الذي تحكمه؟ قد يبدو السؤال الأخير قاسياً بعض الشيء، لكنه يستحق النقاش بعيداً عن التخوين أو المبالغة.
فالدول لا تُبنى بالنيات الحسنة وحدها، ولا بشرعية الانتصار العسكري أو الثوري فحسب، وإنما بالكفاءة والخبرة والقدرة على إدارة المؤسسات.
لقد وصل الحكام الجدد إلى السلطة بعد إسقاط نظام الأسد إثر مسار طويل من الاقتتال الداخلي انتهى بفرار الأسد.
غير أن الوصول إلى الحكم لا يعني بالضرورة امتلاك الكفاءات اللازمة لإدارة دولة بحجم سورية، بكل ما تحمله من مؤسسات مدنية وعسكرية وأمنية واقتصادية تحتاج إلى خبرات متراكمة، لا إلى الحماس وحده.
سورية اليوم ليست أمام مهمة تغيير مجموعة أشخاص أو وزراء، بل أمام مهمة إعادة بناء دولة.
فالكثير من المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية انهارت بشكل كامل وأُعيد تشكيلها، وتم ملء هذا الفراغ بسرعة.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الطبيعي أن تظهر أخطاء في التعيينات، لكن الخطأ يتحول إلى مشكلة بنيوية عندما تصبح المحسوبية أو رفقة السلاح معياراً لشغل المناصب بدلاً من الكفاءة.
ومن المفيد هنا النظر إلى المجتمع السوري بوصفه مرَّ بتجربتين مختلفتين خلال سنوات الحرب.
فهناك مناطق بقيت تحت سيطرة النظام، ورغم ما شهدته من تراجع اقتصادي، استمرت فيها الجامعات والمؤسسات التعليمية، وحافظت على حد أدنى من تراكم الخبرات الإدارية والمهنية.
وفي المقابل، عاشت مناطق المعارضة ظروفاً مختلفة تماماً؛ إذ تعرضت للحصار والقصف والتهجير، وتوقفت فيها العملية التعليمية في كثير من الأحيان، ونشأت أجيال كاملة في المخيمات أو في بيئات تفتقر إلى فرص التعليم والتدريب.
وفقط خلال هذا العام، بدأنا نرى خريجي جامعة إدلب وغيرها من جامعات الشمال السوري.
هذه الظروف ليست مسؤولية من عاشها، لكنها تفسر جانباً من الفجوة في الخبرات التي ظهرت بعد انتقال السلطة.
ولذلك، فإن معالجة هذا النقص لا تكون بتجاهله أو بإنكاره، بل بالاستفادة من جميع الكفاءات السورية، بصرف النظر عن انتماءاتها السابقة، ما دامت لم تتورط في جرائم بحق السوريين.
لا يمكن لدولة حديثة أن تُدار بعقلية المكافآت السياسية أو الثورية.
فمن قاتل وضحّى من أجل التغيير يستحق التكريم والرعاية والتعويض، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه الشخص الأنسب لإدارة وزارة، أو مؤسسة اقتصادية، أو مرفق خدمي، أو جهاز إداري يحتاج إلى اختصاص وخبرة.
إن الخلط بين التكريم والاستحقاق الوظيفي قد يؤدي إلى بناء جهاز دولة هش، يفقد ثقة المواطنين، ويعطل عملية إعادة الإعمار، ويؤخر النهوض الاقتصادي والإداري.
أما الدولة التي تجعل الكفاءة معيارها الأول، فإنها تكون أكثر قدرة على الاستمرار، حتى مع اختلاف الحكومات وتبدل السلطات.
السؤال إذاً ليس: هل الحكام الحاليون أصغر من سورية؟ بل: هل نظام التعيينات الحالي يضع الشخص المناسب في المكان المناسب؟إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن المشكلة ليست في أعمار الأشخاص ولا في خلفياتهم الثورية، وإنما في غياب معايير الكفاءة والخبرة.
فالدول لا تنهض بالولاء وحده، بل تُبنى بالعلم، والإدارة الرشيدة، والمؤسسات، والقدرة على الاستفادة من جميع الطاقات الوطنية.
إنّ سورية، بعد كل ما مرّت به، تحتاج إلى دولة تتسع لجميع أبنائها، وتجعل الكفاءة فوق كل اعتبار.
فهذه ليست رفاهية إدارية، بل شرط أساسي لنجاح مرحلة الانتقال وبناء دولة قادرة على تلبية تطلعات السوريين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك