حذّرت بحرية الحرس الثوري الإيراني من إبحار السفن خارج المسارات التي تحددها طهران في مضيق هرمز، معتبرة أن أي ممر جديد يعلن دون تنسيق معها" مرفوض وينطوي على خطورة بالغة"، في موقف عكس انزعاجا إيرانيا من المسار المؤقت الذي أعلنت سلطنة عمان فتحه في الجزء الخاص بها من المضيق.
وكانت مسقط قد أعلنت توفير ممر بحري مؤقت ومجاني في مضيق هرمز، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، بهدف تنظيم حركة السفن وضمان مرورها بأمان دون فرض رسوم عبور.
وردّت بحرية الحرس الثوري بالقول إن" بعض الجهات" أعلنت عن مسار جديد دون إبلاغ طهران، مشددة على أن العبور الآمن والمسار الوحيد المسموح به عبر المضيق هو الذي تحدده إيران.
وجاءت الخطوة العُمانية في وقت أكدت فيه إيران أن حالة المضيق بعد الحرب لن تعود كما كانت قبلها، وأنها ستُحصّل رسوما مقابل تقديم خدمات للسفن التي تعبر المضيق.
غير أن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي قال اليوم الخميس إن المسار الذي وفرته بلاده سيكون مجانيا، في حين قال نظيره الأمريكي ماركو روبيو، خلال اجتماع مع نظرائه الخليجيين في العاصمة البحرينية المنامة، إن الولايات المتحدة لن تقبل بفرض أي رسوم على العبور بالمضيق بغض النظر عن تسميتها.
ويرى الخبير العسكري العقيد نضال أبو زيد أن المسار المؤقت الذي أعلنت عنه سلطنة عمان قد يتحول إلى خيار أول أمام حركة السفن، لأنه مجاني ولا يتجاوز طوله 82 كيلومترا، في حين يصل طول المسار الإيراني إلى نحو 160 كيلومترا.
وقال أبو زيد -في تحليل للجزيرة- إن بعض القطع الحربية الغربية، بإسناد من القوات الأمريكية، قد تتولى تأمين الملاحة في هذا الجزء من المضيق، معتبرا أن هذا المسار سيكون بعيدا عن قدرات الحرس الثوري الإيراني.
وبالفعل، شهد المسار الجنوبي الذي حددته سلطنة عمان والمسار الدولي تزايدا كبيرا في حركة المرور اليوم الخميس، وفق ما عرضه عبد القادر عراضة في شاشة تفاعلية على الجزيرة.
كما أشار عراضة إلى تراجع قيمة التأمين على ناقلات النفط بنسبة 50%، وسط تزايد الحركة في المضيق، والتي وصلت إلى 258 سفينة خلال الأيام العشرة الماضية، بينها 45 ناقلة نفط تحمل 49 مليون برميل.
ويمثل هذا التحول في هرمز -وفق أبو زيد- ورقة ضغط كبيرة على إيران، التي قال إنها" ستفقد كثيرا من أوراق قوتها خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة"، وهو ما قد يدفعها، بحسب تقديره، إلى محاولة التشويش على المسار العُماني.
وأضاف أبو زيد أن حركة العبور في المضيق تتم عبر مسار إيراني وآخر عُماني وثالث دولي، مشيرا إلى أن سلطنة عُمان أكدت أن التنسيق للعبور في المسار الخاص بها سيجري مع المنظمة البحرية الدولية ومن خلال القناة الدولية رقم 16، وهي" قناة مخابرات دولية" بحسب وصفه.
ولم تلق الخطوة العُمانية قبولا لدى الحرس الثوري، إذ نشرت القوة البحرية التابعة له بيانا قالت فيه إن" بعض الجهات" أعلنت مسارا جديدا دون إبلاغ طهران، مؤكدة أن العبور الآمن في مضيق هرمز لا يتم إلا عبر المسارات التي تحددها إيران.
وشدد الحرس الثوري على أن التنسيق معه أمر إلزامي من أجل عبور السفن المضيق، محذرا من أنه سيتخذ إجراءات ضد السفن المخالفة.
وكانت وكالة الأنباء العمانية قالت إن القرار، الذي اتخذ الثلاثاء، جاء استنادا إلى التزام السلطنة الثابت بمبادئ القانون الدولي وقانون البحار، بما يضمن حرية الملاحة في المضيق دون فرض رسوم عبور، وبما يتوافق مع نتائج الجهود والمساعي التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران مؤخرا.
في المقابل، يرى الباحث في الشؤون الدولية أشكان ممبيني أن اعتراض إيران على المسار الجديد في مضيق هرمز" لا يقتصر على مسار بحري بعينه"، بل يرتبط برفض طهران أي ترتيبات أمنية أو ملاحية تُصاغ في هذا الممر الحيوي دون مراعاة دورها وموقعها.
وقال ممبيني للجزيرة نت إن مضيق هرمز يمثل جزءا من" البيئة الأمنية والإستراتيجية" لإيران، وإن أي آلية مستقرة لإدارة العبور في هذه المنطقة يجب أن تقوم بمشاركة مباشرة من الجمهورية الإسلامية.
وأضاف أن المسألة تحمل بعدين، أمنيا وسياديا؛ فمن الناحية الأمنية، يقول ممبيني إن تجربة العقود الماضية أظهرت أن وجود قوى من خارج الإقليم، لا سيما الولايات المتحدة، " لم يجلب أمنا مستداما للمنطقة"، بل كان أحد مصادر التوتر.
أما من الناحية السيادية، فيرى أن إيران، بوصفها أحد أبرز الفاعلين الساحليين في المضيق، تتحسس من أي ترتيبات تتجاهل دورها" الطبيعي والمشروع".
وبشأن قول الحرس الثوري إن المسار الآمن هو الذي تحدده إيران، أوضح ممبيني أن هذا الموقف يركز -في قراءته- على" مسؤولية إيران في تأمين الملاحة وإدارة حركة العبور البحري بفاعلية"، مؤكدا أن الهدف، من وجهة نظر طهران، ليس تقييد حركة السفن، بل رفع مستوى أمن خطوط الملاحة وتقليل المخاطر في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
لكنه أقر بأن هرمز لا يُنظر إليه في طهران على أنه ممر تجاري فحسب، بل بوصفه عنصرا من عناصر القوة الجيوسياسية والردع الإقليمي.
وقال إن أي ترتيبات طويلة الأمد في هذا المضيق من دون مشاركة إيران يمكن أن تضعف واحدة من أهم أدوات الردع لديها، خصوصا في مرحلة ما بعد الحرب.
أما الأكاديمي والكاتب العماني محمد بن عوض المشيخي، فيرى أن إعلان سلطنة عمان المسار المؤقت في مضيق هرمز" لن تكون له تداعيات تذكر"، معتبرا أن الخطوة جرت بالتنسيق مع إيران، وإن لم يكن ذلك بالضرورة عبر الحرس الثوري.
وقال المشيخي للجزيرة نت إن سلطنة عمان، بحكم الجوار وتقاسمها المضيق مع إيران، تحرص دائما على التنسيق مع طهران عبر مؤسساتها الرسمية، مثل وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن" عمان صاحبة القرار والكلمة الأولى في مياهها الإقليمية، ولا يمكن لإيران أن تتدخل في ذلك".
وأضاف أن ما صدر عن الحرس الثوري لا ينبغي التعامل معه بوصفه موقف إيران كلها، قائلا إن" الحرس الثوري ليس كل إيران"، وإن المؤسسات الرسمية الإيرانية هي التي تتعامل مع العالم وتدير التفاوض مع الولايات المتحدة وغيرها.
واعتبر المشيخي أن طهران استخدمت ورقة مضيق هرمز خلال الحرب والمفاوضات، لكنها تدرك في الوقت نفسه حدود السيادة العُمانية.
وقال إن عمان" وقفت مع إيران في أصعب الظروف" خلال الحرب، لكنها بعد انتهائها تملك الحق في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة داخل مياهها الإقليمية وبالتعاون مع المنظمات الدولية.
وأوضح أن السلطنة تأنت خلال الحرب، لأنها لم تكن تريد أن تتحمل وحدها مسؤولية إدارة المضيق أو أن تتحول إلى" شرطي المضيق"، لكنه أضاف أن انتهاء الحرب يفتح المجال أمام مسقط لاتخاذ إجراءات ملاحية تنظم المرور في الجزء الخاص بها من المضيق.
وتكشف المواقف المتباينة أن الخلاف على الممر المؤقت لا يتعلق فقط بمسار بحري جديد، بل بسؤال أوسع حول إدارة مضيق هرمز بعد الحرب.
فبينما ترى عُمان أن الخطوة إجراء سيادي وفني داخل مياهها الإقليمية يضمن حرية الملاحة ويخفف كلفة العبور، تنظر طهران إلى أي مسار لا يمر عبر التنسيق المباشر معها باعتباره مساسا بدورها في واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم.
وبين القراءتين، يبدو مضيق هرمز أمام معادلة جديدة: هل يبقى ورقة ضغط أمنية وتفاوضية بيد إيران، أم يتحول تدريجيا إلى ممر تنظمه ترتيبات إقليمية ودولية تقلص قدرة طهران على التحكم بمسارات العبور وكلفة المرور؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك