استوقفني بشدة، خلال حضوري الاحتفالية التي أقيمت بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسي، إطلاق اسم الإمام حسن العطار على الدفعة الثالثة لأئمة وزارة الأوقاف المتخرجة من الأكاديمية العسكرية.
فهذا الاختيار لم يكن مجرد تسمية رمزية، بل يحمل دلالات فكرية وتاريخية عميقة، تعكس إدراكاً لأهمية استدعاء رموز التنوير والتجديد في لحظة تحتاج فيها الأمة إلى استعادة جوهر الفكر الإسلامي المستنير.
فالإمام حسن العطار، شيخ الأزهر الأسبق، يعد أحد أبرز رواد النهضة الفكرية في مصر الحديثة، وأحد الداعين إلى الانفتاح على العلوم والمعارف ومواكبة متغيرات العصر، دون التفريط في الثوابت الدينية.
وهو ما يؤكد أن مشروع التنوير وتجديد الفكر ليس وافداً على المجتمع المصري، بل هو امتداد لمدرسة وطنية عريقة تعود إلى أكثر من قرنين، سعت إلى التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وإعمال العقل في فهم النصوص.
ومن هنا تتجدد أهمية الدعوات التي طرحها الرئيس عبدالفتاح السيسي بشأن تجديد الخطاب الديني، وهي دعوات تنطلق من احتياج مجتمعي حقيقي، هدفه تصحيح المفاهيم المغلوطة، وتنقية الموروث الفكري مما علق به عبر العصور من اجتهادات وتفسيرات بشرية، دون أي مساس بثوابت الدين أو أصوله الراسخة.
فقضية تجديد الخطاب الديني ليست قضية طارئة أو مرتبطة بظرف معين، بل هي من الملفات الفكرية المستمرة التي تفرض نفسها مع تغير الأزمنة وتطور المجتمعات، وقد أصبح من الضروري إعادة النظر في بعض الاجتهادات التراثية التي ارتبطت بظروف تاريخية مختلفة، بما يتوافق مع متطلبات العصر، ويحقق مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي ظهور عشرات الحسابات والقنوات التي يقدم أصحابها أنفسهم باعتبارهم دعاة أو متخصصين في الشؤون الدينية، رغم افتقاد الكثير منهم للعلم الشرعي الرصين أو التأهيل اللازم.
وأصبح السباق نحو تحقيق المشاهدات والتفاعل والتريندات يدفع بعض هؤلاء إلى إطلاق فتاوى شاذة، أو طرح تفسيرات مغلوطة، أقل ما يمكن أن يُقال عنها إنها تكشف عن جهل شديد وسطحية بالغة في تناول القضايا الدينية.
وكذلك إثارة قضايا خلافية بهدف جذب الانتباه وتحقيق مكاسب مادية أو شهرة إعلامية، دون مراعاة لما قد تسببه هذه الممارسات من تشويه لصورة الدين أو إرباك لعقول الشباب.
وللأسف الشديد، فإن بعض هؤلاء الأشخاص أصبحوا نجوماً ومشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي، وتُقبل عليهم فئات محدودة التعليم أو ضعيفة الوعي، وتصدق ما يطرحونه، وهو أمر في منتهى الخطورة.
ويجب أن نبدأ من الآن في التصدي لهذه الفوضى الخطيرة، وهذا العبث غير المسؤول، الذي يسيء إلى الدين والمجتمع معاً.
وتكمن الخطورة الحقيقية في أن منصات التواصل الاجتماعي تمتلك قدرة هائلة على الانتشار والتأثير، مما يجعل المعلومة الخاطئة تصل إلى ملايين المستخدمين خلال ساعات قليلة، بينما يحتاج تصحيحها إلى وقت وجهد كبيرين، ومع غياب الوعي الكافي لدى بعض المتلقين، تتحول الشائعات الدينية والأفكار المغلوطة إلى حقائق راسخة في أذهان البعض، وهو ما يفتح الباب أمام التطرف الفكري من جهة، أو الانسلاخ عن القيم الدينية الصحيحة من جهة أخرى.
ومن هنا تبرز أهمية تجديد الخطاب الديني، باعتباره مشروعاً متكاملاً يهدف إلى تقديم فهم صحيح ومتوازن للدين، يعتمد على العلم المنضبط ومراعاة متغيرات العصر، دون المساس بالثوابت أو الأصول الشرعية، فالتجديد لا يعني تغيير الدين، وإنما تجديد أساليب عرضه وشرح مقاصده وتصحيح المفاهيم التي التصقت به عبر سنوات طويلة.
كما أن مواجهة الفوضى الدينية على منصات التواصل تتطلب وجود آليات رقابية وقانونية واضحة، تفرق بين حرية الرأي والتعبير وبين نشر الأكاذيب والادعاءات الدينية المضللة… فكما توجد ضوابط لممارسة الطب والهندسة والقانون، ينبغي أن تكون هناك ضوابط تحكم الحديث في الشأن الديني العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بالفتاوى والأحكام الشرعية التي تؤثر في حياة الناس وسلوكهم.
ولا تقتصر المسؤولية على المؤسسات الدينية وحدها، بل تمتد إلى المؤسسات الإعلامية والثقافية والتعليمية، التي يقع على عاتقها تنفيذ خطة توعوية شاملة تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتعمل على تعزيز التفكير النقدي والوعي الديني الصحيح، وتقديم المحتوى الديني المعتدل بأساليب عصرية تتناسب مع لغة الأجيال الجديدة.
إن معركة تجديد الخطاب الديني اليوم هي، في جوهرها، معركة وعي، فالتحدي لم يعد يتمثل في نقص المعلومات، بل في كثرة المعلومات الخاطئة وسهولة انتشارها.
ومن ثم، فإن بناء خطاب ديني مستنير، مدعوم بإعلام واعٍ ورقابة فعالة، وتوعية مستمرة، أصبح ضرورة لحماية المجتمع من دعاة الجهل والتطرف، وترسيخ قيم الاعتدال والفهم الصحيح للدين.
ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية على العمل المشترك لصناعة وعي جديد، يرسخ قيم الاعتدال والتسامح والعلم، ويحصن المجتمع ضد محاولات العبث بعقول الناس واستغلال الدين لتحقيق الشهرة أو المكاسب الشخصية.
في النهاية، فإن استدعاء اسم الإمام حسن العطار في هذه اللحظة.
لا يجب أن يظل مجرد تكريم رمزي، بل ينبغي أن يكون رسالة واضحة بأن مصر، بتاريخها الديني والفكري العريق، قادرة على مواصلة مسيرة التجديد والتنوير، وصياغة خطاب ديني رشيد يحترم الثوابت، وينفتح على العصر، ويخاطب العقل والوجدان معاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك