فـي استخدام الناشئة للفضاء الرقمي؟في عالم أصبحت فيه التقنيَّة جزءًا من حركته وإطارًا أساسًا لمنطلقاته، وفرضت على الإنسان سياساتٍ وتوجُّهاتٍ جديدة تستوجب منه التعامل معها بمرونة والتفاعل مع معطياتها بوعي ومهنيَّة، فإن تحقيق التوازن والاعتدال في العلاقة بين الفرد والتقنيَّة يقتضي أن يوظفها لصالح حياته ومستقبله، وأن يكون في الوقت نفسه واعيًا بطريقة تعامله مع محتواها، حريصًا على اكتشاف ما تحمله من رصيد إيجابي يمكن أن يسهم في بناء مستقبله.
لذلك، فإن القول بإمكانيَّة المنع أو التقييد القسري للناشئة في استخدامها لم يعد أمرًا ممكنًا، لما قد يترتب عليه من آثار سلبيَّة في فكر جيل التقنيَّة والعالم الافتراضي، ونظرته إلى مفهوم التقنيَّة في واقعه المعاش.
وعليه، فإن عمليَّة التقنين التي ينبغي أن تتجه إليها الجهود في تعامل المراهق مع هذه المنصَّات يجب أن تقوم على فهم حقيقي لما يفكر فيه، وما يحتاج إلى تعلُّمه، ونوعيَّة الطموحات التي يحملها، والتوقُّعات التي ينظر من خلالها إلى النتائج المستقبليَّة.
ويتحقق ذلك من خلال تعزيز معادلة التوازن بين الطموحات والاحتياجات الفعليَّة وتعدد البدائل المتاحة، بما يضمن مساحات أكبر من الاقتراب من المراهق وفهم البيئات التي يعيشها والمعطيات التي يتعامل معها، وجوانب التفكير التي يحملها تجاه مستقبله، وحالات القلق والاضطراب التي قد يعيشها.
كما أن طبيعة التحوُّل المطلوب والأدوات المستخدمة في تعامل الناشئة مع التقنيَّة تختلف باختلاف طبيعة الفرد وسِمات شخصيَّته ومستوى تأثره بالمحيط من حوله؛ ولذلك قد لا تنجح الإجراءات والقواعد ذاتها مع جميع الأفراد حتى وإن كانوا من الفئة العمريَّة نفسها، كما يختلف تقبُّل التوجيهات والآليَّات من فرد إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى، وبين الذكور والإناث.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعداد المراهق لتحمُّل مسؤوليَّات الحياة، وتعويده على الاستفادة المُثلى من هذه المنصَّات، بما يضمن قدرته على التأثير فيها وتوجيه استخدامها لخدمة تقدُّمه العلمي والدراسي وتفاعله الواعي مع العالم الرقمي.
ويتطلب ذلك بناء قناعات راسخة لديه حول التقنيَّة، بحيث يصبح قادرًا على تشخيص واقعها وفهم متطلباتها وتجنب مساوئها وإدراك مخاطرها على قيمه الشخصيَّة وقناعاته وأولويَّاته، أو على منظومة القيم والمبادئ والأخلاقيَّات التي يؤمن بها.
كما يُعزِّز لديه الثقة بالنفس، ويرسِّخ مهارات الاختيار والانتقاء، ويعوّده على البحث عن الأفضل من خلال اعتماد المصادر الموثوقة، بما يسهم في بناء علاقة واعية مع هذه المنصَّات، قائمة على إنسانيَّة الهدف وصدق المبدأ وقوَّة المنهج.
وعليه، نعتقد أن بناء تصوُّر إيجابي وواعٍ لدى الناشئة حول التقنيَّة يستدعي قدرة محاضن التربية ومؤسَّسات التعليم والإعداد على تَبنِّي استراتيجيَّات تعليم وتعلُّم وأدوات توجيه وتثقيف تتناغم مع تطلُّعات الناشئة وتوقُّعاتهم، وتستجيب للتحولات المتسارعة في عالمهم، مع تعزيز مسارات الضبط والتقنين وحُسن التوجيه، وربط ذلك بمنظومة المبادئ والأخلاقيَّات والقيم التي تصنع سياجًا ذاتيًا وعمقًا فكريًّا ومسارًا واضحًا في حياة الأبناء.
كما أن هذه المسؤوليَّة منوطة بمحاضن التربية ومؤسَّسات التعليم من جهة، وبالحوار الأبوي والأسري والتواصل المُجتمعي من جهة أخرى، الأمر الذي يتطلب إعادة صياغة الخِطاب التربوي والتعليمي والمؤسَّسي بما يُعزِّز الثقة في قرارات الأبناء ويشركهم في صناعتها.
وفي هذا الشأن، جاءت التوجيهات السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ خلال ترؤُّسه اجتماع مجلس الوزراء الموقَّر بتاريخ الـ(15) من يونيو 2026م، لتؤكد أهميَّة هذا التوجُّه الوطني، حيث جاء في البيان الصادر عن مجلس الوزراء: «.
وفي ضوء الانتشار السريع لوسائل التواصل الرقميَّة واستخدامها من قبل شريحة واسعة من الأطفال، وجَّه جلالته ـ أبقاه الله ـ الجهات المعنيَّة بتقييم الموضوع من جوانبه المختلفة وتشخيصه، وإعداد الضوابط والآليَّات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لتلك الوسائل، بما يساعد الأُسر في إرشاد أبنائها والتحكم في كيفيَّة الاستخدام الأمثل لها، وذلك بالاستفادة من التجارب الدوليَّة الرائدة في هذا المجال».
وتعكس التوجيهات السَّامية لجلالة السُّلطان المُعظَّم بُعدًا استراتيجيًّا عميقًا في قراءة الواقع واستشراف المستقبل، وتضع الطفل العُماني في صدارة الاهتمام الوطني باعتباره غاية التنمية ووسيلتها، وأحد أهم مرتكزات بناء عُمان المستقبل.
كما تُمثِّل قيمة مضافة ليس فقط في معالجتها لظاهرة اجتماعيَّة آخذة في الاتساع، بل أيضًا فيما تحمله من رسائل وطنيَّة تؤسِّس لمرحلة جديدة من العمل المؤسَّسي المتكامل في التعامل مع مخاطر التقنيَّة وآثارها على الأطفال والمراهقين دون سن الثامنة عشرة، بوصف هذه المرحلة العمريَّة الأكثر حساسيَّة في بناء الشخصيَّة وتشكيل الهُويَّة وترسيخ القيم وتكوين الاتجاهات الفكريَّة والسلوكيَّة والنفسيَّة.
وترجمةً للتوجيهات السَّامية على أرض الواقع، استجابت منظومات الدولة ومؤسَّساتها لتوجيهات حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ بشأن تقييم الموضوع من جوانبه المختلفة وتشخيصه، وإعداد الضوابط والآليَّات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الرقميَّة، بما يساعد الأسر على إرشاد أبنائها وتحقيق الاستخدام الأمثل لها، والاستفادة من التجارب الدوليَّة الرائدة في هذا المجال.
وتعمل هذه المؤسَّسات اليوم بروح الفريق الحكومي الواحد، وبمشاركة فاعلة من مؤسَّسات المُجتمع المَدني والمواطنين والخبراء والكفاءات الوطنيَّة والكتَّاب والباحثين والمهتمين والمتخصصين، على تَبنِّي البرامج التوعويَّة والمبادرات النوعيَّة، ومنها حملة «تبصير» الهادفة إلى رفع مستوى الوعي بالاستخدام الأمثل لوسائل التواصل الاجتماعي وتعزيز الممارسات الرقميَّة الآمنة والمسؤولة.
وتسهم هذه الجهود في رسم صورة واضحة للعمل الوطني الموجَّه نحو تعزيز الاستخدام الآمن للتقنيَّة لدى الأطفال والناشئة، وإعادة إنتاج المحتوى الرقمي وضبطه وتعظيم أثره الإيجابي.
كما تستهدف توجيه الاستخدام الرقمي ليكون أداة لبناء القدرات، وتقوية الشخصيَّة، وصناعة القدوات الإيجابيَّة، وتمكين الناشئة من الاختيار الواعي والممارسة المسؤولة، بما يضمن توظيف التقنيَّة توظيفًا آمنًا وفاعلًا وبنَّاءً في حياتهم الحاضرة ومستقبلهم القادم.
ومع التسليم بأن التقنيَّة أصبحت جزءًا أصيلًا من حياة الإنسان المعاصر، فإن الرهان الحقيقي اليوم لم يَعُدْ قائمًا على المنع أو التضييق بقدر ما هو قائم على بناء الوعي، وتعزيز حسِّ المسؤوليَّة، وتنمية القدرة على الاختيار الرشيد، بما يضمن تحقيق الاستخدام الآمن والهادف لوسائل التواصل الرقميَّة.
ذلك أن بناء سياج ذاتي في شخصيَّة الناشئة، وتقريب المفاهيم لديهم، وتصحيح المغلوط منها، وتعميق روح النقد والاختيار، تستدعي جهدًا مشتركًا يتبناه المُجتمع وتؤصله المؤسَّسات ويُعزِّزه الخِطاب الإعلامي والتعليمي، لبناء قواعد عمل مشتركة تقترب أكثر من الأبناء عبر الحوار والتواصل المباشر معهم، والتفاعل مع ما يطرحونه من أفكار وقضايا شخصيَّة وأُسريَّة واجتماعيَّة، أو ما يواجهونه من مواقف يوميَّة تُشكِّل هاجسًا أو مصدر قلق لهم.
كما ينبغي استثمار وجودهم في هذه المنصَّات بالشكل الذي يضمن استفادتهم منها في بناء القدرات، واغتنام فرص المبادرات، والاستزادة من المعرفة، والبحث العلمي، واستثمار المواهب، وإيجاد الشراكات الاقتصاديَّة، وتوسيع آفاق الاطلاع، وتعلُّم اللغات والمهارات الجديدة.
وفي الوقت نفسه، يجب مساعدتهم على تنظيم أوقات الاستخدام، بعيدًا عن أوقات العبادات واللقاءات العائليَّة وساعات الليل المتأخرة، مع تشجيعهم على استخدام هذه المنصَّات في أماكن مفتوحة، وحرص الوالدين على تخصيص جزء من وقتهما للبحث والتصفح المشترك مع الأبناء؛ لأن وضوح أدوات العمل يسهم في بناء جسور الحوار والثقة والتواصل.
وفي المقابل، فإن الجهد الوطني المتكامل في مواجهة الابتزاز الإلكتروني، وما يرتبط به من استراتيجيَّات وطنيَّة تستهدف بناء ثقافة وقائيَّة لدى الناشئة حول مفهومه وأدواته وأساليبه، وإيجاد قنوات وطنيَّة فاعلة للإبلاغ عن الحالات والتعامل معها، وما يقوم به الفريق الوطني المختص من برامج توعويَّة وزيارات للمدارس والمؤسَّسات التعليميَّة، يسهم في ترسيخ الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه المنصَّات، ويُعزِّز وعي الأبناء بالتشريعات والقوانين الوطنيَّة المنظمة لها.
كما أن واقع منصَّات التواصل الاجتماعي اليوم يحمل فرصًا أوسع لممارسات إيجابيَّة أكثر تأثيرًا مما كان عليه في السابق؛ إذ لم تَعُدْ هذه المنصَّات مجرد أدوات للتسلية أو الدردشة أو الهروب من المشكلات، بل أصبحت فضاءات للحوار وتبادل المعرفة وصناعة الرأي، ومنصَّات تفاعليَّة تتناغم مع تطلُّعات الشباب وتتفاعل مع أولويَّاتهم وقضاياهم المختلفة.
أخيرًا، فإننا بحاجة اليوم إلى بناء مساحة أكبر من الثقة، وترسيخ لُغة حواريَّة تتناغم مع الناشئة بمختلف فئاتهم، بما يتيح الكشف عن كثير من القضايا التي تشغل تفكيرهم أو تؤثر في تواصلهم مع الآخرين.
كما أننا بحاجة إلى تعزيز حميميَّة التواصل داخل الأسرة والمؤسَّسة التعليميَّة والمُجتمع، بما يدفع الأبناء إلى الإفصاح عن تجاربهم وتساؤلاتهم وتحدِّياتهم بكل شفافيَّة.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستنجح مؤسَّسات التعليم، والوالدان، والإخوة، ومختلف مؤسَّسات المُجتمع في بناء قواعد عمل مشتركة تضبط مسارات هذا التفاعل، وتُعزِّز صناعة الوعي بمنصَّات التواصل الاجتماعي وآليَّات عملها، بما يحقق الاستخدام الآمن والواعي والمسؤول لها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك