شدَّتني صورة التقطها الزميل سعيد الغافري، مراسل «الوطن» في عبري، تم نشرها يوم الأحد الرابع عشر من يونيو الجاري، وهي لنخلة اكتنزت بعذوق رطب «الخنيزي»، المعروف بين المواطنين وبعض المقيمين بأنه ضمن أجود أنواع الرطب وأحلاها مذاقًا في سلطنة عُمان.
بما أن قراءة الصورة وفهم تفاصيلها تختلف باختلاف الخلفيَّة الثقافيَّة للناظر إليها وما يختزنه وجدانه من معانٍ ورموز، فقد خُيّل لي في بادئ الأمر، وللوهلة الأولى، بأنها لوحة فنيَّة متقنة التكوين لطبقٍ طائر ثنائي الألوان يسبح في فضاء الطبيعة، حيث تراصت حبات الرطب الحمراء فوق بعضها بعضًا في انتظام بديع، بينما تحفُّ بها الأغصان الخضراء التي تلازمها قبل أن تتحول إلى سعف باسق يلامس السماء.
في واقع الأمر، يكشف ذلك التناسق اللوني والشكلي عن إبداع الخالق ودقة صنعه، كما يكشف أيضًا عن قدرة عين المصوِّر على انتقاء اللمسات الجماليَّة وتصويرها، فأحسن التقاط لحظة مكتملة الجمال.
ولكن ـ وفي تقديري ـ أن ما يعظِّم مفردات هذه الصورة ويمنحها أبعادًا أرحب من مجرد الجمال البصري هو ذلك الحضور العميق للنخلة في الوعي الإنساني، وفي الثقافة العربيَّة والإسلاميَّة على وجه الخصوص؛ إذ إن النخلة ـ تلكم الشجرة المثمرة ـ تعني للكثيرين أنها رمز للعطاء.
فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في وصف بليغ يأخذ بالألباب، حين قال الله تعالى: (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ، رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا، كَذَلِكَ الْخُرُوجُ).
كما يمكننا أن نستشف الإبداع في هذا الوصف «نضيد»، الذي يرسم صورة الثمار متراكمةً متراصةً بعضها فوق بعض في مشهد يشد الانتباه، كما شدَّني عند النظر إلى تلك الصورة التي التقطها الزميل الغافري، فجاءت تجسيدًا بصريًّا لهذه الآية الكريمة التي تتُمثِّل مفرداتها في نخلة باسقة وطلع نضيد ورزق للعباد.
ومعروف لكافة الناس في سلطنة عُمان أن النخلة تكتسب مكانة مميزة في نطاق الزراعة والإنتاج وفي فضاء الهُويَّة والانتماء؛ حيث إنها ارتبطت بحياة العُمانيين منذ قرون طويلة، وكانت شاهدة على نشأة القرى واستقرار المُجتمعات حول الواحات والأفلاج، فعاش الإنسان من خيراتها، وواصل تطوير الاستفادة من أجزائها عبر مراحل تاريخيَّة متتابعة، فدخلت مخرجاتها ضمن الصناعات الحرفيَّة وغير الحرفيَّة، بل جزءًا مقدرًا ضمن الصادرات غير النفطيَّة.
فما زالت النخلة العُمانيَّة تواصل عطاءها، حاملة معها ثروة وراثيَّة وزراعيَّة فريدة؛ حيث تشير بعض التقارير المتخصصة إلى أن سلطنة عُمان بها أكثر من (250) صنفًا أصيلًا من أصناف «الرطب»، إلى جانب مجموعة واسعة ومتنوعة من أنواع «التمور» التي تحظى بإقبال كبير داخل البلاد وخارجها.
وبين هذه الأصناف تبرز أسماء ارتبطت بالجودة والتميُّز مثل الخنيزي والخلاص والفرض والنغال والقشوش وغيرها من منتجات النخيل التي تعكس ثراء البيئة العُمانيَّة وتنوعها.
فإن الاحتفاء بالنخلة ليس مجرد احتفاء بالماضي، بل هو استثمار في المستقبل أيضًا؛ إذ إن كل فسيلة يتم غرسها اليوم، سواء في إطار مشروع المليون نخلة الخالد في سلطنة عُمان أو غيرها، فهي امتداد لإرث حضاري عريق.
لذلك، كل جهد يتم بذله للعناية بالنخيل وتحسين إنتاجه وتطوير منتجاته هو إسهام في تعزيز الأمن الغذائي ودعم للاقتصاد الوطني وحفاظ على أحد أبرز رموز الشخصيَّة العُمانيَّة.
وعليه، ونحن نتأمل ذلك الطلع النضيد المتدلي من باسقات النخل العُماني، يجدر بنا أن نزيد حرصنا على العناية بهذه الشجرة المباركة عبر رعايتها وزراعتها وتسويق منتجاتها، والابتكار في تصنيع وتغليف تلك المنتجات من خلال الاهتمام بما يُعرف اقتصاديًّا بصناعات القيمة المضافة التي تتسع فيها عمليَّات الابتكار وتصنيع المواد الخام في أكثر من نوع من أنواع المنتجات.
لذلك، ينبغي الاحتفاء بالطلع النضيد لباسقات النخل العُماني؛ كون ثماره عالية الجودة ضمن مفردات الثقافة الماديَّة المتجددة الجديرة بالحفاظ عليها، لتبقى سلطنة عُمان أرض النخيل والعطاء والخير الوفير للأجيال الحاضرة والمقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك