بدأت جولة جديدة من محاكمة رجالات النظام الأسدي الساقط، وسط اضطراب واسع شهدته الشوارع في مدن ومناطق سورية كثيرة تدعو إلى عزل من ساندوا النظام السابق على اختلاف درجات مسؤولياتهم.
وجاءت المطالبات واسعة، وأرادت أن تطاول المحاسبة الجميع، وقد عبّر الشارع بوضوح عن استحالة التعامل مرة أخرى مع أي مجرم أو متواطئ، ولكن رد الفعل الرسمي يختلف من حيث المقاربة والمعالجة لهذه المشكلة العميقة.
فرغم الحالة الانفعالية والعاطفية التي تسود معظم المطالبات الشعبية، فضلت السلطات أن تمرّ كل حالات المحاسبة ضمن قنوات قانونية رسمية تحفظ فيها حقوق المتهمين مهما كانت درجة وضوح جرائمهم، بمن فيهم من وثّق جريمته وتفاخر بها وعرض وجهه في أثناء ارتكابه الأفعال البشعة، وقد يكون سلوك الحكم الجديد مبرّراً، فهو يريد أن يضبط الأمور ويرسخ حالة حقوقية وقانونية تصبغ سلوكياته كافة، وعلى الصعيد الخارجي يرغب في أن تكون صورته متوازنة ويقدّم نفسه حكماً رزيناً غير مندفع للانتقام، وفي الوقت نفسه، يعمل على تهدئة الغاضبين، قبل أن تتحوّل المطالبات إلى كتلة ثلجية جارفة قد تأخذ في طريقها بعض الأبرياء.
الوجه البارز الذي شوهد خلف القضبان هو وسيم الأسد، الذي نفض عن كتفيه كل اتهام، وقدم نفسه تاجراً مارس مهنته دون أية خلفية إجرامية.
ووسيم واحد من عشرات من أقرباء الأسد من الدرجتين الأولى والثانية، الذين شكلوا طبقة خاصة من المتنفذين، نشطت بشكل رئيسي في اللاذقية، ولم تستثنِ بعض المدن الرئيسية الأخرى، وقد تبرُز ضمن هذه الطبقة مجموعة منتقاة مارست نفوذاً بشعاً طاول الكثير من قطاعات النشاط في سورية، من فرض الإتاوات واحتكار السلع، إلى التشبيح المباشر على رجال الأعمال وحتى على صغار الملاكين والتجّار.
أما الاعتداء المباشر الجسدي، فقد مارسه هؤلاء من دون خوف من المساءلة، ولطالما تملص جميعهم من العقاب، مهما كان حجم الجريمة المرتكبة، ويشكل ظهور وسيم اليوم خلف القضبان بمعنييه، الحرفي والرمزي، بعض المواساة للضحايا الذين تضرّروا من هذه العصابة.
منذ ظهور حافظ الأسد على الساحة، كانت العائلة موضع اهتمام ومراعاة كبيرين، فالأسد الأول، سواء كان يخطط لوصوله إلى السلطة أو لعبت الظروف لمصلحته، اعتمد على أقربائه، والذين يحملون كنية الأسد على وجه الخصوص، وكان أولهم شقيقه رفعت الذي وقف إلى جانب حافظ في حركة 23 شباط (1966)، وكان رأس حربة في حركة 16 نوفمبر (1970)، ثم ترأس قوة عسكرية ناشئة، مهمّتها حماية المطارات، وما إن استقرّ الأسد في قصر الشعب، حتى تحوّلت هذه القوة التي سمّيت سرايا الدفاع إلى قوة عسكرية موازية، سيطرت على دمشق بشكل خانق، وتشكّّلت إلى جانبها قوة أخرى مشابهة أقل حجماً تحت اسم سرايا الصراع، تولى قيادتها عدنان الأسد، وهذه لعبت دورين: أمني بحماية النظام، وتشبيحي بفرض ما تراه مناسباً على التجار والصناعيين، فيما كان صغار رجال العائلة يعيثون تهريباً في أرجاء سورية التي منعت استيراد أي شيء، فنقلوا عبر الحدود الدخان والخمور، وحتى المخدرات.
ولمع اسما فواز الأسد ومنذر الأسد الذي دُعي شيخ الجبل، وأهل اللاذقية لديهم فكرة جيدة عنه.
تبخّر هؤلاء عند سقوط النظام، هربوا قبل وصول الثوار إلى دمشق، وقرأنا كيف غادر أبناء رفعت على عجل من طريق بيروت، ولكن من بينهم جميعاً سقط وسيم، وهو اسم شهير غنيٌّ عن التعريف، فقد كان يطلق الفيديوهات المسجلة لنفسه، وهو يمارس التشبيح الذي اعتاده.
قضيته واضحة ودامغة، وليست بحاجة إلى محاكمة طويلة وشهود ومرافعات نيابية، ولكن تحقيق العدالة لا يقتصر على الحكم، بل الاعتراف الواضح الجليّ من فم المجرم، وبتفاصيل كافية لكي نعرف جميعاً كيف كانت هذه العائلة تقبض على خناق سورية نصف قرن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك