كما اعتدنا سابقاً، يواصل كثيرٌ من الساسة والحكام الذين يعترفون بخروج إسرائيل على القوانين الدولية، وبأنها العقبة أمام تحقيق سلام حقيقي في المنطقة، التهرّب من مسؤولياتهم بمواجهة السياسات الإسرائيلية، أو اتخاذ إجراءات عقابية ضدها، خوفاً أو تهاوناً، ويلجؤون، بالتالي، غطاء لتقاعسهم، إلى المبالغة في ما يمكن أن تحمله الانتخابات الإسرائيلية من تغيير، رابطين الأمر كله بإسقاط نتنياهو وحكومته الفاشية.
ومن دون التقليل من أهمية إسقاط حلف نتنياهو – سموتريتش – بن غفير الكريه، لا بد من تذكر أن تغيير الأشخاص في مقاعد الحكومة الإسرائيلية لن يعني تغييراً جوهرياً في سياساتها.
ولتأكيد هذا، لا بد من فحص مواقف أقطاب المعارضة الصهيونية الإسرائيلية الذين يراهن عليهم كثيرون من القادة الغربيين.
نفتالي بينيت الذي تحالف مع ليبيد، وكان يتقدم صفوف المعارضة في الاستطلاعات، قبل أن يتراجع أمام إيزنكوت، قال بصريح العبارة إن خطته السياسية تتضمن ضم 60% من الضفة الغربية (ما تسمى بمناطق ج)، وحصر الحكم الذاتي الفلسطيني في مناطق أ وب، مع استمرار خضوعه للاحتلال والسيادة الإسرائيلية، وأنه لا مكان لدولة فلسطينية.
وهكذا يزاود الاثنان في تطرّفهما على نتنياهو الذي لم يتجرأ على إعلان ضم الضفة الغربية رغم أنه ينوي هذا.
أما إيزنكوت، زعيم قطب المعارضة الذي يواصل التقدم في الاستطلاعات، فقال أيضاً بصريح العبارة إنه لا مكان الآن لدولة فلسطينية، ودعا إلى استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية خصوصاً في منطقة غور الأردن.
ولا يدعو يائير غولان وحزب الديمقراطيين الذي يرأسه إلى إنهاء الاحتلال أو إزالة الاستيطان، ويربط أي ترتيبات سياسية مستقبلية بالإحتياجات الأمنية الإسرائيلية، والإسرائيلية فقط.
ويرفض قطب المعارضة الآخر أفيغدور ليبرمان العودة إلى حدود 1967، ما يعني ضمناً رفض إنهاء الاحتلال، ويريد تجريد المواطنين العرب من جنسيّتهم، ويؤيد بقاء معظم المستوطنات الإسرائيلية وضمها إلى إسرائيل.
ويرفض تقسيم القدس ويصر على ضمّها وبقائها تحت السيادة الإسرائيلية، ويدعو إلى تصعيد الهجمات العسكرية على قطاع غزّة، والقضاء الكامل على حركة حماس.
لم تعد المشكلة فقط في مواقف الأحزاب الإسرائيلية وسياستها، بل في مواقف غالبية المجتمع الإسرائيلي نفسه وانحداره نحو الأفكار والاتجاهات الفاشيةولا حاجة هنا إلى التذكير بمواقف نتنياهو، الذي أعلن نياته ضم كل الضفة الغربية وقطاع غزّة بالإضافة إلى القدس والجولان المحتل في خطابه في الأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول 2023، قبل" 7 أكتوبر"، وقد واصل إعلان هدف حياته، منع قيام دولة فلسطينية، وما زال يعمل مع حكومته على تنفيذ تطهير عرقي للقطاع.
أما سموتريتش فكشف النيات الحقيقية للصهيونية العميقة، عندما قال إن برنامج الحكومة المقبلة يجب أن يشمل ضم الضفة الغربية، والتطهير العرقي للفلسطينيين وإلغاء اتفاق أوسلو.
عندما يتحدث معظم الساسة الغربيين عن الحل والسلام، يتمحور الحديث عادة حول فكرة" حل الدولتين"، أي" إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، إلى جانب إسرائيل".
ولكن هذا يعني، أولاً، ضرورة موافقة إسرائيل على قيام دولة فلسطينية حقيقية، وليس مجرّد كيان حكم ذاتي ممسوخ بلا سيادة على أرض مقطّعة الأوصال.
وهو يعني بالتأكيد إنهاء الاحتلال للضفة الغربية وقطاع غزّة وإزالة المستعمرات والبؤر الاستيطانية من الأراضي المحتلة، والتي يصل عددها اليوم إلى حوالي 500، ما يعني أن تكون القدس المحتلة أيضاً عاصمة للدولة الفلسطينية، أي إنهاء ضمّها غير الشرعي.
وهو يعني أن الدولة الفلسطينية، حتى لو كانت منزوعة السلاح كما يدعو بعض القادة الغربيين، يجب أن تتمتع بالسيادة على الأرض والحدود والموارد الطبيعية والأجواء والمجال الكهرومغناطيسي، وأن يكون لها حدود حرّة ومستقلة مع العالم الخارجي.
وإذا فحصتَ مواقف الأحزاب الإسرائيلية الصهيونية، الحاكمة والمعارضة، فلن تجد واحداً منها، مستعدّاً للقبول بإنهاء الاحتلال بالكامل، أو بإزالة المستوطنات، أو بتقسيم القدس أو بمجرّد الحوار حول حقوق اللاجئين الفلسطينيين، ولن تجد حزباً واحداً منها من الديمقراطيين إلى إيزنكوت وليبرمان وليبيد ونفتالي بينيت يقبل بالسيادة الفلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزّة، بل ستكون ذريعة الأمن جاهزة في كل الظروف لتبرير رفض الحقوق الفلسطينية حتى على 22% من أرض فلسطين، مع كل ما يعنيه هذا من ظلم تاريخي للشعب الفلسطيني.
لا يمكن إلا تأكيد المتوقّع باستمرار السياسات العنصرية والاحتلالية ومشروع الاستعمار الاستيطانيالمعضلة، خصوصاً بعد حرب الإبادة الوحشية على قطاع غزّة وحرب الاستيطان الإرهابية على الضفة الغربية، لم تعد فقط في مواقف الأحزاب الإسرائيلية وسياستها، بل في مواقف غالبية المجتمع الإسرائيلي نفسه وانحداره نحو الأفكار والاتجاهات الفاشية، بالإضافة إلى تعاظم نفوذ قوتين خطيرتين، الصهيونية الدينية الفاشية المتطرّفة التي يمثلها بن غفير وسموتريتش، وتزاوجت مع التطرّف العنصري لحزب الليكود، بالإضافة إلى القاعدة الثانية للفاشية، وهم 850 ألف مستعمر مستوطن يحتلون أراضي الضفة الغربية.
بل كما أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز أكورد التابع للجامعة العبرية، لا يعتقد 76% من اليهود الإسرائيليين بوجود أبرياء في قطاع غزّة حتى لو كانوا أطفالاً.
وأي تقييم موضوعي للواقع والمعطيات السياسية لا يمكن إلا أن يؤكد المتوقّع باستمرار السياسات العنصرية والاحتلالية ومشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، بغض النظر عمّن سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية.
الاستراتيجية الوحيدة التي يمكن أن تغير الواقع، هي تغيير ميزان القوى مع إسرائيل، بجعل تكلفة استمرار الاحتلال والحروب والاضطهاد أكبر من أن تستطيع احتمالها.
وأهم عنصرين في هذه الاستراتيجية اليوم صمود الفلسطينيين وبقاؤهم على أرض وطنهم في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزّة والداخل الفلسطيني، وإفشال مؤامرات التهجير والترحيل والتطهير العرقي، وثانياً العمل الموحّد لتجنيد أوسع قدر من العقوبات والمقاطعة والعزلة التي بدأت المنظومة الإسرائيلية تئن منها.
من يريد أن يرى السلام العادل في الشرق الأوسط، وإنهاء عصر الحروب، عليه أن يلقي بثقله لدعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وفرض العقوبات على من يمنع حصول الشعب الفلسطيني على حرّيته، وليس الانخراط في دائرة جديدة من ترويج أوهام الحل الوسط مع التطرّف الصهيوني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك