ليس من السهل قراءة الاجتماع الوزاري الأميركي- الخليجي في المنامة الخميس الماضي محطّة بروتوكولية هدفها إعادة طمأنة العواصم الخليجية، بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، أو مجرّد تأكيد متجدّد لالتزام واشنطن بالدفاع عن أمن الخليج.
فمثل هذه الاجتماعات كانت تتكرّر منذ عقود، ولم تكن تحتاج إلى كل هذا الزخم السياسي والإعلامي، لو كان المقصود منها فقط إعادة تأكيد ما هو قائم أصلاً.
ما تغيّر اليوم أن المنطقة خرجت من حرب كبيرة، وأن المذكرة فتحت الباب أمام مرحلة انتقالية جديدة، لا تزال معالمها غير مكتملة، لكنها تتجاوز بكثير الملف النووي الإيراني أو وقف إطلاق النار، فاللحظة الراهنة هي لحظة إعادة تعريف الشرق الأوسط نفسه، وإعادة توزيع الأدوار بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، ومن ثم إعادة كتابة قواعد الأمن الإقليمي.
لهذا السبب، بدا البيان الوزاري الصادر عن الاجتماع أشبه بوثيقة سياسية ترسم ملامح النظام الإقليمي المقبل أكثر من كونه بياناً تقليدياً للتحالف الأميركي الخليجي، فهو يعيد تأكيد المظلة الأمنية الأميركية، ويحدّد طبيعة المصالح المشتركة، لكنه، في الوقت نفسه، يرسم شبكة العلاقات التي تريد واشنطن أن تحكم المنطقة خلال السنوات المقبلة؛ من هم الحلفاء؟ ومن هم الشركاء؟ وكيف تُدار المنافسة؟ وأين تقف إسرائيل؟ وما هو موقع إيران؟ وما حدود الدور التركي؟ وما هو الإطار الذي ينبغي أن تتحرك داخله بقية القوى الإقليمية؟هذه هي النقطة التي تفسّر الحساسية الإيرانية تجاه البيان، وردات الفعل التي أعقبته، فقد جاء الرد الإيراني على مستويين متوازيين: دبلوماسي عبر بيان وزارة الخارجية الذي رفض بصورة واضحة مضامين في البيان، وميداني عبر رسائل عسكرية بعث بها الحرس الثوري في مضيق هرمز، لم يكن المقصود منها إشعال مواجهة جديدة بقدر ما كانت رسالة سياسية تقول إن إيران لا تقبل أن تكون خارج ترتيبات الأمن الإقليمي المقبلة، وإن أي محاولةٍ لتصميم نظام أمني يتجاوزها أو يهمشها ستبقى عرضة للاهتزاز.
على الجهة المقابلة، تواجه أميركا، للمرّة الأولى، مراجعات خليجية بشأن جدوى النموذج الأمني الذي حكم المنطقة طوال العقود الماضية، فدول الخليج أنفقت مئات مليارات الدولارات على شراء منظومات السلاح الأميركية، واستضافت أكبر انتشار عسكري أميركي خارج الولايات المتحدة، ومع ذلك بقيت منشآتها الحيوية عرضة للتهديد، وبقي مضيق هرمز ورقة ضغط إيرانية، واستمرّت واشنطن في إدارة الصراع وفق أولوياتها الوطنية، لا وفق أولويات حلفائها دائماً.
لا تعني هذه الأسئلة أن الخليج يتجه إلى فك الارتباط مع الولايات المتحدة، لكنها تعني أن العلاقة نفسها تدخل مرحلة مراجعة.
فالمعادلة القديمة القائمة على شراء الأمن لم تعد تحظى باليقين نفسه الذي تمتّعت به طوال العقود الماضية، خصوصاً في ظل صعود قوى دولية أخرى، وتغير أولويات واشنطن العالمية، واتساع هامش الحركة الاستراتيجية للدول الخليجية.
ولعل ما يلفت الانتباه أن هذه المراجعات لم تعد تقتصر على النقاشات الخليجية، بل بدأت تجد صداها داخل دوائر التفكير الغربية أيضاً.
ففي مقاله في مجلة الشؤون الخارجية (Foreign Affairs) بعنوان “نظام جديد للخليج”، يجادل ديفيد روبرتس بأن أمن الخليج لا يمكن أن يبقى معتمداً بصورة دائمة على المظلة الأميركية، وأن المنطقة تحتاج إلى بناء قدرة دفاعية ذاتية، وترتيبات أمنية إقليمية جديدة تقوم على توازنات داخلية وشراكات متعدّدة، بدلاً من الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية.
والأهم في أطروحته أنه يربط أي نظام أمني مستدام بإشراك إيران في معادلة إقليمية جديدة، لا باستبعادها، معتبراً أن الأمن لا يُشترى من الخارج، بل يُبنى من الداخل.
يقود هذا وذاك إلى السؤال الأكثر أهمية: كيف يتصوّر الخليجيون أنفسهم النظام الأمني المقبل؟ هل سيبقى الاعتماد على المظلة الأميركية الركيزة الأساسية؟ أم أن المرحلة المقبلة ستشهد صياغة نظرية أمن خليجية جديدة أكثر استقلالاً؟ وهل يمكن لدول الخليج أن تتفق على تعريف موحّد لمصادر التهديد ولطبيعة العلاقات مع إيران وتركيا وإسرائيل؟ وهل ستبقى المنظومة الخليجية مغلقة، أم ستتجه إلى شراكات أمنية أوسع تشمل دولاً مثل الأردن ومصر، وربما باكستان، وفق وظائف وأدوار مختلفة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك