بعد قرون منذ أن بدأ الإنسان مسيرته الحربية وسعيه لبناء الحضارات والإمبراطوريات، صار الإنسان يؤرخ للحروب بحقب طويلة سماها أجيال، فتلك حرب الجيل الأول ثم جيل تالٍ ثم حروب الجيل الرابع التي عشناها ودخلنا في عصر الجيل الخامس وهكذا.
خلال تلك الحروب التي يصعب حصر معاركها، كان هناك علماء عسكريون وسياسيون يقننون قواعد وأساليب الحروب، ومن هؤلاء كان من يسمون المنظرين العسكريين والاستراتيجيين الذي يحددون القواعد التي يدرسها طلاب المعاهد العسكرية ويسيرون عليها كقواعد إلى أن يأتي زمن تتغير فيه هذه القواعد ويحل غيرها محلها.
الإنسان العادي قد يفتن خلال الحروب بما تراه عيونه أكثر مما تصنعه العقول التي خططت ورسمت للحرب.
تتصدر المشهد صور الصواريخ تشق السماء، الطائرات تمطر المدن بالقنابل، الدبابات تسحق الأرض بجنازيرها، يظن المراقب أن القوة قالت كلمتها الأخيرة، وأن من امتلك السلاح الأكثر تدميرا كتب نهاية الصراع.
لكن التاريخ في صفحاته الأعمق، يروي قصة مختلفة، قصة لا يكون فيها الصاروخ سوى أداة، بينما تكون الإرادة الفاعل الحقيقي، لا يكون الدمار معيار النصر، بل القدرة على تحويل الألم إلى صبر، والخسارة إلى استنزاف، والوقت إلى حليف.
لهذا فإن كثيرا من الحروب انتهت بانتصار الطرف الذي خسر المدن، لا الطرف الذي دمرها، ربح الحرب من امتلك عزيمة البقاء، لا من امتلك التفوق الناري.
هذه الحقيقة ليست اكتشافا جديدا، إنما هي قاعدة كلاسيكية منذ أقدم قوانين الصراع الإنساني.
عندما كتب القائد الصيني القديم سون تزو مؤلفه الشهير" فن الحرب"، قرر أن أعلى مراتب الانتصار ليست في كثرة القتل، إنما في كسر إرادة الخصم وتحقيق الهدف السياسي بأقل كلفة ممكنة.
كان يدرك أن الجيوش لا تقاتل بالحديد وحده، بل بما يسكن النفوس من يقين، وأن الدولة التي تظن أن النيران وحدها تصنع النصر إنما تخلط بين الوسيلة والغاية.
مرت القرون لتؤكد صحة هذا القانون.
وعندما صاغ المنظر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز نظريته الشهيرة بأن" الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى"، لم يكن يقصد أن الحرب تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار، إنما عندما تتحقق الإرادة السياسية التي دفعت إليها.
إذا بقيت إرادة الخصم صلبة، وتعذر إخضاعها، فإن أعظم الانتصارات العسكرية تتحول إلى هزائم استراتيجية.
احتلال الأرض لا يعني امتلاكها، وتدمير المدن لا يعني السيطرة على مستقبلها، وكسب المعركة لا يعني الفوز بالحرب.
لذلك عرف الفكر العسكري الحديث تمييزا بالغ الأهمية بين النصر التكتيكي والنصر الاستراتيجي.
التكتيك قد يتيح للجيش أن يربح كل مواجهة ميدانية، وأن يدمر البنية التحتية، وأن يحقق تفوقا ساحقا في القوة النارية، لكن الاستراتيجية تهتم بزاوية أخرى، هل تغير السلوك السياسي للخصم؟ هل انهارت إرادته؟ هل أصبح يقبل بالشروط التي قامت الحرب من أجل فرضها؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن القوة العسكرية تكون قد بلغت حدودها الطبيعية، وبدأت الإرادة تمارس سلطانها.
التاريخ الحديث يقدم نماذج يصعب تجاوزها.
في حرب فيتنام امتلكت أمريكا أعظم ترسانة عسكرية عرفها العالم آنذاك، سيطرت في معظم المواجهات التقليدية، أسقطت من المتفجرات ما يفوق ما استعمل في الحرب العالمية الثانية على بعض الجبهات، ومع ذلك انتهت الحرب بانسحابها، لأن القيادة الفيتنامية نجحت في إدارة الزمن، وتحويل طول أمد الحرب إلى عنصر إنهاك لخصمها، حتى أصبحت الكلفة السياسية والاقتصادية والنفسية أعلى من أي مكسب عسكري يمكن تحقيقه.
كان السلاح الأمريكي أكثر تطورا، لكن الإرادة الفيتنامية كانت أطول نفسا.
تكرر المشهد في أفغانستان مرتين.
دخل الاتحاد السوفيتي بقوة عسكرية هائلة، سيطر على المدن الكبرى، لكنه وجد نفسه أمام مجتمع لا يقيس الحرب بمعيار الأسابيع ولا الأشهر، وإنما بمعيار الأجيال.
وبعد سنوات من الاستنزاف خرج دون أن يبلغ أهدافه السياسية.
بعد عقود أعادت أمريكا التجربة في ظروف مختلفة وتقنيات أكثر تطورا، لكن النتيجة الاستراتيجية كشفت مرة أخرى أن التفوق العسكري لا يكفي إذا بقي الخصم قادرا على الاستمرار في القتال وإعادة إنتاج دوافع المقاومة.
التاريخ الاستعماري بأكمله مدرسة لهذه القاعدة.
امتلكت الإمبراطوريات الأوروبية أحدث ما وصل إليه السلاح في عصرها، لكنها وجدت نفسها في النهاية تغادر مستعمرات كثيرة لأن كلفة الاحتفاظ بها أصبحت أكبر من جدوى السيطرة عليها.
لم تكن المشكلة في نقص القوة، بل في محدودية قدرة القوة على إخضاع إرادة الشعوب إلى ما لا نهاية.
أدركت مدارس التحليل الاستراتيجي هذه الحقيقة، لذلك تطور مفهوم مركز الثقل في الفكر العسكري من كونه موقعا جغرافيا أو تجمعا للقوات إلى كونه إرادة سياسية واجتماعية ونفسية.
تتحدث الدراسات الحديثة عن الصمود الوطني، التماسك المجتمعي، القدرة على تحمل الخسائر، والشرعية السياسية، باعتبارها عناصر لا تقل أهمية عن عدد الطائرات أو الصواريخ.
الجيش لا يقاتل في فراغ، إنما يقاتل باسم مجتمع، وإذا بقي ذلك المجتمع مقتنعا بهدفه، فإن الحرب تظل مفتوحة مهما بلغت الخسائر.
ظهرت في العقود الأخيرة فكرة أن الحروب الحديثة أصبحت معارك على الإدراك أكثر منها معارك على الأرض.
القوة النارية تستطيع أن تدمر الجسور والمطارات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنتزع من الناس قناعاتهم أو تبدل هويتهم أو تغير معنى الصراع في وعيهم.
أصبحت الحرب النفسية والإعلام والاقتصاد والوقت وإدارة الرأي العام، عناصر لا تقل خطورة عن المدافع والصواريخ.
هنا الفرق بين القوة والإرادة.
القوة مقدار مادي يمكن قياسه بالأرقام، أما الإرادة فهي قدرة معنوية على الاستمرار رغم الأرقام.
القوة تبلغ ذروتها ثم تبدأ في التآكل، أما الإرادة فتزداد صلابة كلما ازدادت المحنة.
لذلك فإن الدول والجيوش التي تبني استراتيجياتها على التفوق التقني وحده كثيرا ما تفاجأ بأن خصومها يقاتلون بمنطق مختلف، لا يسأل كم خسرنا؟ بل يسأل: هل ما زلنا قادرين على المواصلة؟إن الصاروخ يملك قدرة هائلة على تدمير الحجر، لكنه لا يستطيع وحده أن يحسم نتيجة الصراع.
قد تهدم المدن في أيام، بينما إرادة الشعوب تتطلب عقودا لكي تنكسر، وربما لا تنكسر أبدا.
ليست كل مدينة مهدمة دليلا على هزيمة أصحابها، ليست كل راية رفعت فوق أرض محتلة إعلانا عن نصر دائم.
كم من جيش دخل منتصرا بالسلاح وخرج مثقلا بالخيبة، كم من شعب دفع ثمنا باهظا لكنه احتفظ بإرادته حتى فرض حضوره في النهاية.
هكذا الإرادة إذا أحسن توجيهها وأديرت بعقل استراتيجي، تكون أقوى من الصاروخ، لأن الصاروخ يمكنه أن يغير شكل الأرض، أما الإرادة فتغير مسار التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك