ويشير البرنامج إلى أن العلاقة بين السينما المصرية والقضية الفلسطينية استمرت لثمانية عقود، موثقا تدرجها من مجرد خلفية رومانسية في بعض الأعمال إلى قضية وجودية تعكس تحولات مصر السياسية والاجتماعية ذاتها.
واستهلت حلقة (28 يونيو/حزيران 2026) من برنامج" غاليريتا" على منصة الجزيرة 360 -وهذا رابطها– تناولها للموضوع بمشهد من فيلم" ناجي العلي" (عام 1992)، حيث جسد الممثل محمود الجندي لحظة انهيار كاملة لشاب مصري فقد صوابه وسط خراب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، متسائلا بسخرية عن الجيوش العربية التي لن تأتي.
ووثق المشهد تحول اللحظة إلى رقصة مجنونة وهستيريا على أنغام أغنية" ع هدير البوسطة" للتعبير عن انفصام تام عن واقع الدمار، وهو ما رأى فيه البعض تلخيصا لرحلة الدراما المصرية برمتها.
وأظهرت الحلقة أن البدايات سبقت النكبة عام 1948 ذاتها، وتحديداً في فيلم" الطريق المستقيم" (عام 1943) للمخرج اليهودي المصري توجو مزراحي، إذ تظهر لافتة تشير إلى أن فلسطين على بعد 114 كيلومتراً فقط، في مشهد عابر كشف عن وضعها كدولة جارة حينئذ.
ولكن بعد النكبة، تغير كل شيء على الشاشة، لكن ليس بالطريقة المتوقعة، إذ سيطر قالب رومانسي موحد على نحو 5 أفلام، جمعت بين ضابط مصري شجاع وفتاة فلسطينية جميلة، لينتهي الأمر بالزواج والعودة إلى مصر.
ورأى نقاد أن هذا التبسيط الدرامي حول القضية من مسار سياسي معقد إلى واجب أخلاقي وفروسية، كما جنب صناع الأفلام الخوض في كواليس السياسة الدولية الشائكة في تلك الفترة.
ومع قيام ثورة الضباط الأحرار عام 1952، وضعت مصر نفسها في طليعة المشروع القومي العربي، وأصبحت فلسطين القضية المركزية التي تعكس مشروعية النظام الجديد.
واستعرضت الحلقة فيلم" أرض السلام" (عام 1957)، إذ جسد الممثل عمر الشريف دور الفدائي المصري، وفاتن حمامة دور الفتاة الفلسطينية التي تخبئ الفدائيين وتنقل الرسائل، في محاولة لكسر النمط السائد عبر مشاهد مقاومة وتجسيد للعدو.
غير أن الباحثة كلير باغي، في دراستها عن تمثيل فلسطين في السينما المصرية، ترى أن هذه الأفلام لم تكن عن فلسطين حقاً، بل كانت عن مصر ذاتها، فالضابط المصري هو البطل الفاعل الذي يحرر بشجاعة، بينما ظهرت فلسطين شخصية أنثوية سلبية تحتاج إلى إنقاذ، في إسقاط رمزي لمشروعية نظام الضباط الأحرار.
وفي هذا السياق، جاء فيلم" الناصر صلاح الدين" ليوسف شاهين عام 1963، بمشاركة 20 ألف جندي مصري، ليقدم صلاح الدين الأيوبي رمزا واضحا للزعيم جمال عبد الناصر ومشروعه القومي في تحرير القدس وتوحيد العرب.
ولكن صدمة هزيمة عام 1967 (النكسة)، كانت زلزالا وجوديا عنيفا كسر صورة البطل الذي لا يُهزم التي بنتها السينما على مدى 15 عاماً، كما توضح الحلقة، وأدخل صناعة الفن في أزمة حقيقية حول ما يمكن قوله بعد أن أصبحت سيناء نفسها بحاجة إلى تحرير.
وفي تباين واضح مع المرحلة السابقة، بدأت تظهر أفلام جريئة تنتقد النظام ذاته، مثل" ثرثرة فوق النيل" و" العصفور" ليوسف شاهين الذي غاص في أسباب الهزيمة وجذورها.
ورغم غياب القضية الفلسطينية في ظل هذا الانشغال بتقييم أسباب الخسارة، فإنها عادت إلى الشاشة مجددا من دمشق عام 1972 عبر فيلم" المخدوعون" للمخرج المصري توفيق صالح، المأخوذ عن رواية" رجال في الشمس" للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني.
وبعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 واتفاقية كامب ديفيد عام 1979، وجدت السينما المصرية نفسها في موقف حرج جديد، كيف يمكنها أن تتناول قضية فلسطين كقضية تحرر وطني ودولتها موقعة اتفاق سلام مع المحتل؟ومن هنا، توضح الحلقة تحول الإنتاج إلى أفلام حربية ومسلسلات جاسوسية مثل" الطريق إلى إيلات" و" رأفت الهجان"، التي ركزت على العمليات البطولية المصرية في اختراق العمق الإسرائيلي، مؤكدة التفوق المصري الاستخباراتي والنفسي، بينما غاب الفلسطيني دراميا نظرا لتحول القضية إلى ملف أمن قومي.
وفي المقابل، ظهر فيلم" ناجي العلي" عام 1992 للمخرج عاطف الطيب، ليقدم للمرة الأولى بطلا فلسطينيا حقيقيا ومعقدا ينتقد الاحتلال والأنظمة العربية والقيادة الفلسطينية نفسها، قبل أن يُمنع من العرض في مصر طيلة 22 عاماً، في حادثة اعتُبرت رسالة واضحة بأن فلسطين خط أحمر، وأن الشخصية الفلسطينية الناقمة ممنوع الاقتراب منها.
ومع حلول الألفية الثالثة، بدأت مرحلة جديدة اتسمت بلغة سينمائية أقرب لجيل الشباب، ودامجة للدراما الإنسانية بالكوميديا، تزامنا مع عودة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وتشير الحلقة إلى ظهور أفلام مثل" السفارة في العمارة" بطولة عادل إمام، الذي جسد رفضاً شعبياً للتطبيع عبر قصة جار إسرائيلي يقلب حياة جاره المصري جحيما.
وتلفت الحلقة إلى أن مسلسل" أصحاب الأرض" في رمضان عام 2026، شكل حدثا استثنائيا غير المعادلة، حيث جسدت منة شلبي دور طبيبة مصرية تسافر إلى غزة، وتتقاطع حياتها مع رجل فلسطيني يحاول إنقاذ ابن أخيه من تحت الأنقاض.
ورغم تجنب المسلسل الحديث المباشر عن المقاومة أو أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، فإنه استطاع فعل ما ترددت فيه السينما المصرية لعقود؛ بإرجاعه الحكاية لأصحابها، وتصوير الفلسطيني فاعلا تاريخيا وبطلا إنسانيا له أحلامه وهزائمه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك