لا أظن أن قارئاً قد يصادف ما يدهشه في تعريف دائرة المعارف البريطانية - أو غيرها من المصادر الغربية - لعصر النهضة: حقبة في الحضارة الأوروبية أعقبت العصور الوسطى، وشهدت استكشاف قارات جديدة وحلول النظام الكوبرنيقي محل النظام البطلمي في الفلك، وانحدار نظام الإقطاع، ونمو التجارة واختراع أو تطبيق ابتكارات من قبيل الورق والطباعة والبارود.
فكثير من هذا يألفه حتى القارئ العام، وكثير منه متكرر في سياقات كثيرة.
لكن هل كان عصر النهضة حقاً حقبة في" الحضارة الأوروبية" حصراً؟ هل هو مشروع أوروبي خالص؟ أم ينبغي النظر إليه باعتباره حلقة من حلقات الحضارة الإنسانية عامة؟وفي حين أن هذه النظرة إلى عصر النهضة، وإلى مختلف الحضارات، باعتبارها أطواراً في رحلة الإنسان الطويلة منذ ما قبل التاريخ، مغرية للبعض، وبديهية لآخرين، ومرفوضة وممقوتة من فريق ثالث، فإنها بحاجة إلى أدلة تثبتها.
ولعل هذا ما فعله المؤرخ الألماني بيرند روك، أستاذ التاريخ في جامعة" زيورخ" في سفره الضخم" العالم عند أول ضوء: تاريخ جديد لعصر النهضة"، الذي صدرت ترجمته الإنجليزية أخيراً بقلم باتريك بيكر عن مطبعة جامعة" برينستن" في قرابة 1200 صفحة.
تتساءل" كيركوس رفيو" في استعراضها للكتاب، " لماذا ترسخت النهضة في إيطاليا دون الصين؟ "، وتعد السفر الضخم كله، والرحلة الطويلة التي قام بها المؤرخ الألماني محاولة للإجابة عن هذا السؤال، " ابتداء بالبداية الأولى لما نطلق عليه الغرب".
إذ يعزو روك ظهور عصر النهضة في أوروبا دون غيرها إلى بضعة شروط، منها" شرط لازم لتطور المجتمع في ’القسم اللاتيني من أوروبا‘ الذي ظهرت فيه النهضة"، وذلك الشرط هو التنافس بين كثير من الدول الصغيرة الذي سمح بصعود الطبقة الوسطى وحشد الثقافة والعلوم لخوض المنافسة وتمويل العلماء والمخترعين.
وثمة شرط آخر هو القرب من العالم العربي الذي حافظ على كثير من التراث الإغريقي الذي قامت عليه النهضة، إذ يكتب روك أنه ’بغير الفكر الإغريقي ما كانت لتقوم للنهضة والحداثة الأوروبية قائمة.
فالفكر الإغريقي هو الذي ولد من جديد وأدى إلى إبداعات جديدة".
وللنهضة في ما يبدو شرط آخر له علاقة بالدين، " فعلى رغم أن النهضة بدأت في إيطاليا حين كانت للبابوية سلطة عظيمة، وحين كان المهرطقون لا يزالون يعاقبون بالحرق، يلاحظ روك أنه تم ’احتواء‘ الدين، وأن ’الدنيا‘ باتت موضع الاهتمام، بما سمح بصعود العلوم الحديثة".
ويتنقل روك في فضاءات زمانية وجغرافية واسعة فيكتب عن أوائل الغزوات الألمانية لروما، قائلاً إن" نهب الثقافات الرفيعة كان دائماً أشد إغراء من تنظيف الغابات"، ويكتب عن دور المسارات التجارية في التبادل الثقافي، وعن ليوناردو دافنشي بوصفه رجل النهضة الحق" والمزيج الغريب من العبقري والمثالي والمجرب".
أما سؤال الصين، وربما أي مكان آخر في العالم، فالإجابة في ضوء كتاب روك هي أنه" في المدى البعيد، تكون الدول الديمقراطية الليبرالية لا الدول الاستبدادية هي التي تشجع النجاح العملي والتكنولوجي والاقتصادي".
ومع أن أحداً عاقلاً لن يعرض نفسه لشبهة الاصطفاف مع الاستبداد، لكن لا عاقل أيضاً يقبل بالتعامي عن شرط آخر كان ذا أثر كبير في تحقيق التقدم والنجاح" العملي والتكنولوجي والاقتصادي"، وهو النهب والسلب وكل ما كان في صلب المشروع الإمبريالي والكولونيالي الغربي.
في استعراضه الثري للكتاب [" كومنولث مجازين" - 16 يونيو (حزيران) 2026] يبدأ توم فيردي من البداية" دأب المؤرخون على تحديد ميلاد عصر النهضة بمدية فلورنسا في القرن الـ14، ثم ينتهي عصر الإبداع الفني المبهر هذا بعد ثلاثة قرون ليبدأ عصر الإصلاح الديني الذي انحرف عن الإنسانية والتنوير، ومضى قدماً، بينما تخلف عن الركب أمثال جاليلو.
لكن هل يمكن لدراسة عصر أنتج دافنشي والمطبعة والبروتستنتية ونشوء العلم الحديث أن تقتصر على مئات قليلة من السنين؟ هذا ما يستبعده بيرند روك، فيتعقب في دراسته الهائلة لعصر النهضة، جذوره حتى منتصف الألفية السادسة قبل الميلاد، حينما وصلت إلى أوروبا بعض مبتكرات الشرق الأوسط من قبيل الزراعة والعجلة.
ويصر روك على أنه لا بد من فهم عصر النهضة بمثل فهم طائر الفينيق الذي ينهض من رفاته، أي في ضوء رحلة ذلك الطائر الإعجازي عبر الأزمنة والمسافات، من اليونان القديم إلى شرق آسيا وبيزنطة والهند والعالم العربي، قبل أن يحط وسط أبراج أجراس الكنائس الشاهقة في فلورنسا.
ووفقاً لهذه الرؤية ذات الطول الاستثنائي للتاريخ، تكون الدول الحديثة هي النتاج النهائي للنهضة و’محض شرط سابق.
ومن ثم محض طور في عملية طويلة‘ على طريق ’التحديث العالمي‘".
يتوقع توم فيردي ألا يبالي أحد بهذا الطرح، لاعتبار أن من جملة البديهيات أن يعد التاريخ الإنساني كله سلسلة من الأحداث والتطورات والارتباط بين الماضي والحاضر، لكنه يلفت النظر إلى أن تركيز روك ينصب على السبب لا على الكيفية.
" فما السبب في أن الغرب كان أشد نجاحاً - من النواحي الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية - من ثقافات أخرى في العالم خلال ما عرف بـ’نهوض أوروبا‘ الذي تزامن مع النهضة وكان (بحسب زعم روك) نتاجاً لها؟ ".
" استباقاً للنقاد المحتملين، يعترف روك بـ’جرائم الكولونيالية والإمبريالية‘ باعتبارها تفسيراً لتفوق الغرب، مشيراً في تمهيد الكتاب إلى أنه لا ’ينشد التراتيل‘ في تمجيد أهوال أيٍّ من المشروعين.
ويقترح تنويعة كبرى من الأسباب الأخرى (غير المتوقعة بالقدر نفسه) لظهور النهضة وما رافقها من نهوض الغرب بوصفه قوة عالمية.
وتبدأ هذه الأسباب بالجغرافيا والمناخ.
ففي غياب الصحارى القاسية أو السلاسل الجبلية المنيعة (ففي سلاسل الألب والبرانس ممرات تيسر العبور) فضلاً عن شبكة الأنهار القابلة للملاحة، كانت أوروبا مفتوحة للتجارة والسفر وتنقل الأفكار.
ويسر اعتدال الشتاء ودفء الصيف وجفافه زراعة محاصيل البحر المتوسط الصحية وتربية الماشية وتوفير الحياة اليسيرة نسبياً، في الأقل بمناطق جنوب القارة".
" أدى الرخاء إلى نشأة الدولة - المدينة في القرون الوسطى، وهي كيان أكثر إقداماً واستقلالية من الناحية السياسية مقارنة بإمبراطوريات الماضي المترهلة المترامية الأطراف.
بات التعليم مصب اهتمام الطبقة المدينية الناشئة التي كانت تتطلع إلى الكنيسة بحثاً عن إجابات لأسئلتها.
وخلافاً للاعتقاد الشائع، لم تكن مسيحية القرون الوسطى معارضة للبحث والتقدم العلميين.
بل شجعت الكنيسة مناخ الجدل الممتد الجذور إلى المحاورات الأفلاطونية والأرسطية التي حفظها ونقلها العلماء والفلاسفة العرب.
ويمكن أن نرد غرام عصر النهضة بكلاسيكيات الأدب الإغريقي والروماني إلى بلاط الإمبراطور الروماني المقدس شارلمان (حكم بين عامي 768 – 814 ميلادية) الذي كان يرى أن ’نسخ الكتب خير من زراعة الكروم‘".
" خرجت تلك النصوص من غرف النساخين إلى المجال العام في نحو عام 1440 بفضل اختراع المطبعة.
فقد كانت هذه التكنولوجيا الجديدة إلهاماً بما قد يمكن اعتباره أول ثورة إعلامية في العالم، إذ أمدت ’أوروبا اللاتينية بإمكانات تواصل لم تكن موجودة (أو لم تكن مستعملة) في أي ثقافة أخرى‘".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وفرت هذه العناصر مجتمعة، وعناصر أخرى، أرضاً خصبة لعصر النهضة" بقدرته على تغيير العالم".
وباجتماع المشهد الإنساني الحي، والرعاة الأثرياء، والصلات بالمراكز الفنية الأخرى في أوروبا، والعقليات الرياضية، أصبحت فلورنسا رأس حربة الحركة.
فقد كانت هذه مدينة شاعر القرن الـ14 بيترارك (المعروف على نطاق كبير بـ" أبي عصر النهضة" )، الذي قال إن الرب أعطانا عقولنا لتستعمل حتى أقصى طاقاتها في تمجيده.
وبتطبيق هذا، كانت النتائج عجائب للناظرين، من قبيل أشهر سمات المدينة المعمارية وهي قبة كاتدرائية فلورنسا التي صممها أحد أبناء المدينة وهو فيليبو برونليسكي (1377- 1446)، وبكونه عبقرية فنية ورياضية فقد كان برونليسكي يجسد فخر العصر الإنساني، وهو أول شخص معروف يحظى ببراءة اختراع - وهي في حد ذاتها اختراع فلورنسي - لتصميماته.
" وسواء كانت محمية ببراءات اختراع أم لا، فسرعان ما انتقلت الأفكار إلى شمال ألمانيا، وهناك في مدينة مينز الصغيرة، وضع صبي الصائغ السابق يوهانس غوتنبرغ أقدام الإنسانية على طريق عصر المعلومات بتلاعبه بتكنولوجيا انتقلت من الصين غرباً حتى وصلت إلى أوروبا، وهي تقنية الحروف المتحركة المطبوعة بالحبر على الورق.
وفي حين أن الصينيين كانوا يفضلون الطباعة بالقوالب، أدرك غوتنبرغ أن بوسعه إنتاج كم من الأعمال المطبوعة أكبر وأسرع مما كان يتخيله الصينيون إذا استعمل اختراعه المستوحى من مكابس الزيتون (والحق أن تجربة غوتنبرغ كانت أقل مشقة، إذ إن الأبجدية اللاتينية أقل حروفاً من الصينية بكثير)".
وبتوافر الكتب المطبوعة نشأت وفرة من القراء، وكان كثر منهم من كبار السن، فـ" أدى ذلك إلى زيادة الطلب على النظارات.
وأدى صقل المهارات في ورش صناع النظارات إلى إدخال تحسينات على تصنيع العدسات، بما ساعد أمثال كوبرنيكوس وكيبلر - اللذين أسسا علم الفلك الحديث - على النظر بعمق في الكون عبر تلسكوبات متزايدة التطور.
ومن ملاحظات كيبلر لدوران الكواكب حول الشمس بدقة رياضية اقتنع - على حد ما سيقول أينشتين بعد قرون - بأن الإله لا يلعب النرد".
" على النقيض من فن إيطاليا البليغ، قدمت البروتستنتية لعصر النهضة إسهامات أكثر رصانة.
فقد كان غضب الرب على خطيئة الكسل هو التفسير الوحيد المنطقي لقسوة الشتاء التي اعترت شمال أوروبا من 1560 إلى 1630، أي الفترة المعروفة بالعصر الجليدي الصغير.
وكان العلاج الأكيد هو الكدح في العمل.
وبعدما كان ’العمل الإنساني‘ يعد ’النتيجة المؤسفة للخطيئة الأصلية‘ إذا به قد ’بات فضيلة مدنية‘.
في الوقت نفسه ألقى مارتن لوثر اللوم في كثير من بلايا الإنسانية على سلطة رجال الدين وثرائهم.
وأصر على أنه ’لا بد من الفصل بين الحياة الروحية والحياة الدنيوية في كل مجال‘ فساعد هذا في إرساء الأساس المفاهيمي للفصل بين الكنيسة والدولة".
" أما الجانب العكسي لهذا كله فتمثل في ’المجازر الجنونية المتبادلة‘ في الحروب الدينية العاصفة التي أعقبت ذلك.
ففي عصر اشتهر بتمجيد عقل الإنسان وروحه، لم يشهد موضع في الأرض مثل ما شهدته أوروبا من محاكمات الساحرات وإعدامهن (حيث تشير التقديرات المتحفظة إلى إعدام ما بين 50 و60 ألفاً).
ففي عام 1486 الذي كتب فيه الفيلسوف الإيطالي بيكو ديلا ميراندولو كتاب (خطاب في كرامة الإنسان)، محتفياً فيه بقدرة الإنسان غير المحدودة على المعرفة، نشر الراهب الدومينيكاني هينرش كرامر دليله لصيد الساحرات بعنوان (مطرقة الساحرات)، وهو يمثل ’بانوراما مرعبة عبر مئات الصفحات المليئة بالخوف المذعور من الشيطان، وبالسادية، وبالهوس بكراهية النساء‘، فبدا من الواضح أن أركاناً كثيرة لا تزال تنتظر أن تنيرها النهضة".
يذهب استعراض" سان فرانسيسكو رفيو" إلى أن اتساع نطاق كتاب روك سلاح ذو حدين، فالغنى الشديد بالتفاصيل مبهر للقارئ في رحلته عبر شبكات التجارة، وسياسات قصور الحكم والصراعات الدينية والابتكارات العلمية، وكثير من القصص الجانبية الكاشفة والمعينة على تأسيس نسيج الكتاب، لكن ضخامة العمل نفسه" تجعل بعض حججه تبدو غير مكتملة، وبعض خيوطه وإن تكن مثيرة تبدو هامشية بالنسبة إلى الفرضية الأساسية، وفي بعض الأوقات قد تكون الكثافة الشديدة مربكة للقارئ".
ولم يغفل توم فيردي في مقاله عن هذه المآخذ، إذ يكتب أن" روك يمنح القراء كثيراً ليتفكروا فيه، وقد يجد القراء هذا الكتاب أقل رهبة إن هم نظروا إلى فصوله باعتبارها بحوثاً مستقلة بدلاً من الاضطرار إلى ارتقاء ذلك المرتفع الشاق المؤلف من 1200 صفحة.
وهذا لأن كل قسم أقرب إلى الاكتفاء الذاتي، فمنها ما هو مخصص لإسهامات العصر الكلاسيكي، ومنها المخصص للفلسفة العربية في القرون الوسطى، ومنها ما هو لعصر الاستكشافات، إلى آخر ذلك.
وبفضل السمة الموسوعية فإن (العالم عند أول ضوء) يعد من الكتب التي يمكن أن يفتحها القارئ كيفما اتفق ويبدأ القراءة فلا يفقد الخيط العام في الكتاب".
في النهاية يتساءل فيردي عن شروط النهضة كما طرحها روك، وعن" تفسير ’طول أمد النجاح في الغرب‘ بـ’البيانات الاقتصادية، والقوة التكنولوجية الابتكارية، والتقدم العلمي‘".
يكتب أن هذا النجاح" نشأ من عملية حيوية طويلة من الاكتشاف والهضم والابتكار والسطو الصريح على الملكية الفكرية، فما يخلص إليه روك هو أنه ’ما لثقافة أن تزهر وتزدهر دونما تلاقح متبادل‘ وذلك صحيح يقيناً.
غير أنه في تاريخ بهذا الحجم الكبير، يبدو من قبيل انعدام المسؤولية أن يصرف المؤلف نظره عن ’جرائم الكولونيالية والإمبريالية‘ في معرض النقاش".
أما استعراض" سان فرانسيسكو ريفيو" فيرى أن" العالم عند أول ضوء" ينجح في إعادة تأطير النهضة لا باعتبارها انبعاثاً ثقافياً وحسب، وإنما باعتبارها صوغاً للحداثة نفسها، وهو كتاب يتحدى كثيراً من الحدود المفروضة تقليدياً في ما يتعلق بالتقسيم الزمني والجغرافي والقيمي بما يجعله قراءة لازمة للباحثين والمتخصصين، أما القارئ العام فله في الكتاب مكافآت وتحديات.
العنوان: The World at First Light: A New History of the Renaissance.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك