كان على المدرب المغربي أن يرث حلمًا لا يشبه الأحلام القديمة.
فالمغرب، بعد إنجازه التاريخي في قطر، لم يعد منتخبًا يبحث عن المفاجأة، بل صار منتخبًا تُنتظر منه الإجابة:هل كان ما حدث بداية طريق جديد، أم لحظة نادرة يصعب تكرارها؟في هذا السؤال تحديدًا، بدأت حكاية وهبي مع أسود الأطلس قبل مونديال 2026.
مدرب جاء من عالم التكوين، لا من ضجيج النجومية.
صنع اسمه في الفئات السنية، ورافق جيلًا صغيرًا حتى كبر، ثم وجد نفسه أمام المهمة الأصعب: نقل لغة المدرسة والهدوء والتطوير إلى بطولة لا ترحم الانتظار.
حلم ثقيل لا يبدأ من الصفرلم يكن وهبي مطالبًا ببناء منتخب من العدم.
تلك ربما كانت الصعوبة الأولى.
فالمدرب الذي يأتي بعد إخفاق طويل يستطيع أن يطلب الوقت، وأن يرفع شعار إعادة البناء، وأن يخفف سقف التوقعات.
أما وهبي، فقد جاء بعد مرحلة وضعت المغرب في مكانة مختلفة داخل كرة القدم العالمية.
منذ مونديال قطر، تغيّرت نظرة العالم إلى أسود الأطلس.
لم تعد الصورة مرتبطة بمنتخب عربي أو إفريقي جيد فقط، بل بمنتخب قادر على إقصاء الكبار، والوقوف في نصف النهائي، وفرض احترامه على جمهور لم يكن يضع المغرب ضمن حسابات المربع الأخير.
لذلك، لم يرث وهبي مقعدًا فنيًا فقط.
ورث ذاكرة كاملة.
ورث لحظة بونو أمام إسبانيا، وصلابة أمرابط، وانطلاقات حكيمي، وفرحة المدرجات المغربية والعربية.
ورث أيضًا السؤال الذي يلاحق كل منتخب يصنع إنجازًا غير مسبوق: ماذا بعد؟مدرب التكوين في بطولة الكبارقبل أن يصبح اسمًا حاضرًا في نقاش المنتخب الأول، ارتبط محمد وهبي بالعمل الهادئ في الفئات العمرية.
هناك، بعيدًا عن ضغط النتائج اليومية، تتشكل عين المدرب بطريقة مختلفة: لا يرى اللاعب بوصفه جاهزًا فقط، بل مشروعًا قابلًا للتطوير.
لا يتعامل مع المباراة كحدث معزول، بل كمرحلة في مسار أطول.
هذه الخلفية جعلت تعيينه يحمل رسالة واضحة.
المغرب لم يكن يبحث عن مدرب يدير مجموعة أسماء فقط، بل عن رجل يعرف كيف تُصنع الأجيال، وكيف يمكن وصل المنتخب الأول بعمق المشروع الكروي في البلاد.
في مسيرة وهبي، بدت الفئات السنية أكثر من محطة عابرة.
كانت مختبرًا لأفكاره: الانضباط، الجرأة، قراءة التفاصيل الصغيرة، ومنح اللاعب الشاب إحساسًا بأنه ليس بديلًا اضطراريًا، بل جزء من هوية المنتخب.
من هنا، يمكن فهم حضوره مع المغرب في مونديال 2026.
فهو لا يتعامل مع الجيل الجديد كزينة على أطراف القائمة، بل كجزء من الرهان.
يملك المغرب أسماء خبيرة ووجوهًا صنعت إنجاز قطر، لكنه يملك أيضًا طبقة صاعدة من اللاعبين الذين يحتاجون إلى مدرب يثق بهم قبل أن يطلب منهم صناعة الفارق.
ظهر جزء من شخصية وهبي سريعًا في اختياراته.
لم يتعامل مع قائمة المغرب بوصفها نسخة محفوظة من مونديال قطر، ولم يذهب في المقابل إلى قطيعة كاملة مع الجيل الذي صنع التاريخ.
حاول أن يمسك العصا من الوسط: خبرة تمنح المنتخب توازنه، ووجوه جديدة تمنحه هواءً مختلفًا.
هذه المنطقة هي الأصعب.
لأن الإبقاء على الأسماء الكبيرة قد يُقرأ كخوف من التغيير، بينما الدفع بالشباب قد يُقرأ كمغامرة غير مضمونة في بطولة لا تحتمل التجارب.
كان على وهبي أن يقول عمليًا إن المغرب لا يبدأ من الصفر، لكنه لا يعيش في الماضي أيضًا.
لذلك، بدت قائمته قبل البطولة رسالة مزدوجة.
هناك وفاء لعمود المنتخب الذي يعرف ضغط المونديال، وهناك محاولة لفتح الباب أمام لاعبين يمثلون المرحلة المقبلة.
لم يكن السؤال: من يستحق التكريم على ما فعله سابقًا؟ بل: من يستطيع خدمة الحلم الآن؟هذه الفكرة هي التي تمنح تجربة وهبي معناها.
المدرب الذي جاء من التكوين لا يستطيع أن يرى اللاعب الشاب كترف.
لكنه، في الوقت نفسه، يعرف أن كأس العالم ليست بطولة وعود.
إنها اختبار قاسٍ للحاضر.
المغرب وطموح تجاوز الإنجازفي دور المجموعات، ظهر المغرب بصورة المنتخب الذي يعرف أنه لم يعد ضيفًا خفيفًا على البطولة.
التعادل أمام البرازيل، ثم الفوز على اسكتلندا، وبعدها الانتصار الصعب على هايتي، وضع أسود الأطلس في دور الـ32، حتى لو جاء العبور من المركز الثاني خلف البرازيل بفارق التفاصيل.
لم تكن الحكاية مثالية، وهذا مهم في قراءة وهبي.
فقد أظهر المغرب قدرة على التسجيل والعودة والضغط، لكنه كشف أيضًا لحظات تحتاج إلى ضبط أكبر، خصوصًا حين تتحول المباراة إلى مساحات وانتقالات.
المدرب نفسه يعرف أن الأدوار الإقصائية لا تكافئ النوايا، بل تكافئ الفريق الذي يقلل أخطاءه إلى الحد الأدنى.
في هذه المرحلة، يصبح دور المدرب أكبر من اختيار التشكيلة.
عليه أن يدير المزاج.
أن يمنع الثقة من التحول إلى اطمئنان زائد.
أن يذكّر لاعبيه بأن المغرب بات يُحترم أكثر، لذلك ستُقرأ نقاط قوته بشكل أفضل من الخصوم.
لم يعد أحد يتعامل مع أسود الأطلس كقصة مفاجئة.
وهذا يجعل الطريق أصعب.
وهنا تحديدًا تظهر شخصية وهبي: مدرب لا يرفع صوته كثيرًا، لكنه يكرر فكرة الالتزام.
لا يريد أن يبيع الوهم، لكنه لا يهرب من الطموح.
في منطقه، المغرب لا يذهب إلى كأس العالم كي يعيش على ذكرى قطر، بل كي يثبت أن تلك الذاكرة كانت بداية مرحلة.
ليست كل القيادات صاخبة.
بعض المدربين يبنون سلطتهم بطريقة مختلفة: بالوضوح، وبالعلاقة اليومية مع اللاعبين، وبالقدرة على تحويل الضغط إلى خطة.
هذا ما يحاول وهبي تقديمه مع المغرب.
قد لا يملك وهبي، حتى الآن، تاريخًا طويلًا في قيادة منتخب أول خلال البطولات الكبرى.
لكنه يملك شيئًا آخر: إحساس المدرب الذي يرى المشروع من جذوره.
يعرف أن اللاعب لا يولد جاهزًا للملعب الكبير، وأن المنتخب لا يكبر في شهر واحد، وأن ما يحدث في كأس العالم هو نتيجة سنوات طويلة من الاختيار والتكوين والرعاية.
من هنا، لا تبدو قصته مجرد قصة مدرب جاء قبل المونديال.
إنها قصة انتقال كرة المغرب نفسها من مرحلة الإعجاب بالإنجاز إلى محاولة تثبيته.
كان وليد الركراكي وجه اللحظة التاريخية في قطر.
أما محمد وهبي، فيُطلب منه الآن أن يثبت أن المغرب لا يحتاج إلى المعجزة دائمًا كي يبقى بين الكبار.
هذا حمل ثقيل، وربما قاسٍ على مدرب جاء في توقيت ضيق.
لكنه أيضًا فرصة نادرة.
فإذا استطاع وهبي أن يقود المغرب بعيدًا في نسخة 2026، فلن يبقى في الذاكرة بوصفه الرجل الذي ورث حلم غيره، بل كمدرب صنع فصلًا جديدًا من الحكاية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك