حين عدت إلى جامعة محمد الخامس.
قبل أكثر من ثلاثة عقود، وتحديداً في صيف عام 1994، كنت أغادر الرباط باتجاه دمشق.
لم تكن رحلة عادية بين مدينتين، بل انتقالاً بين مرحلتين من العمر، وبين فضاءين سيصنعان لاحقاً كثيراً من تكويني الفكري والإنساني.
كنت قد أنهيت دراستي الجامعية في القسم الأدبي بجامعة محمد الخامس، وحصلت على شهادة البكالوريوس في اللغة والأدب، ثم شددت الرحال إلى عاصمة الشرق الأوسط دمشق، أحمل في حقيبتي كتباً قليلة، وفي قلبي حنيناً كبيراً إلى مدارج تلك الجامعة، وإلى زملاء وأساتذة تعلمت على أيديهم أولى أبجديات التفكير في الأدب، ثم في الفكر، ثم في السياسة.
كنت أظن أن السنوات ستفعل فعلها، وأن المدن الجديدة ستطغى على المدن الأولى، لكنني اكتشفت أن الجامعات تشبه الأمهات؛ قد تغادرها، لكنها لا تغادر ذاكرتك أبداً.
ولذلك، حين عدت بعد أكثر من ثلاثين عاماً إلى كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس ـ أكدال، على مرأى حجر من مدرجات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مشاركاً في الندوة الوطنية التي نظمتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، بشراكة مع مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والجمعية المغربية للعلوم السياسية، شعرت أنني لا أعود إلى قاعة أكاديمية فحسب، بل أعود إلى جزء من سيرتي الشخصية.
كان عنوان الندوة: " في طبيعة ومعنى اللحظة الدولية الراهنة"، وهو عنوان يلامس سؤالاً يشغل العالم كله، لكنه بالنسبة إلينا نحن العرب ليس سؤالاً أكاديمياً مجرداً، بل سؤال وجود ومصير.
فنحن لسنا مراقبين لما يجري في العالم، وإنما نقف في قلب الزلزال، وتدور أغلب الحروب والصراعات الكبرى فوق أرضنا، أو على حدودها، أو بأدوات من داخلها.
في الورقة التي قدمتها، حاولت أن أميز بين الحدث والتحول.
فليس كل حدث كبير تحولاً تاريخياً، لكن التحولات هي الاتجاهات العميقة التي تعيد تشكيل النظام الدولي والسياسات العالمية لعقود مقبلة.
وانطلاقاً من هذا الفهم، رأيت أن العالم، ولا سيما المنطقة العربية، يعيش منذ نهاية القرن العشرين، وتسارعاً منذ العقد الأخير، سلسلة من التحولات البنيوية التي لا يمكن قراءتها منفصلة عن بعضها.
توقفت أولاً عند تراجع القطبية الأحادية، وصعود الصين وعودة روسيا لاعباً دولياً، مع ما رافق ذلك من اهتزازات في بنية النظام الدولي، وإن ظل النفوذ الأمريكي حاسماً، خصوصاً في منطقتنا العربية.
ثم ناقشت صعود الشعبوية واليمين المتطرف في الغرب، وما ترتب عنه من تصاعد العنصرية، والتضييق على الجاليات العربية والإسلامية، وإعادة تعريف المصالح الغربية على نحو أكثر أنانية وخشونة.
لكن التحول الأخطر، في تقديري، كان ذلك الذي أصاب العالم العربي نفسه.
فمنذ الثورات العربية عامي 2010 و2011، شهدنا اصطفافاً غربياً وإقليمياً مع قوى الثورة المضادة، تحت عناوين الاستقرار ومحاربة الإرهاب، بينما كانت النتيجة الفعلية إعادة إنتاج الاستبداد، وتوسيع دوائر الفساد، ومحاصرة التجارب الديمقراطية الوليدة، وإغلاق المجال العام أمام القوى المجتمعية.
أما فلسطين، فقد كانت في قلب الورقة، لأنها في الحقيقة أصبحت في قلب التحولات الدولية نفسها.
فحرب الإبادة على غزة لم تكن مجرد عدوان جديد على الفلسطينيين، وإنما كشفت انهيار كثير من المنظومات الأخلاقية والقانونية التي ادعى الغرب لعقود أنه حارسها.
كما كشفت في المقابل يقظة غير مسبوقة داخل المجتمعات الغربية، حيث أخذت الجامعات، والنخب الثقافية، والحركات الشبابية، تعيد النظر في السردية الصهيونية، وتتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني ضد استعمار استيطاني وفصل عنصري.
وتناولت كذلك التحولات التكنولوجية الكبرى، وعلى رأسها ثورة الذكاء الاصطناعي، باعتبارها ساحة جديدة للصراع بين الدول الكبرى، لكنها في الوقت نفسه تفرض على العرب تحديات غير مسبوقة في مجالات المعرفة والإعلام والسيادة الرقمية.
وخلصت إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يحدث في العالم؟ بل: أين موقع العرب من هذه التحولات؟ وهل سيبقون مجرد ساحات للصراع بين الآخرين، أم يتحولون إلى فاعلين في صناعة مستقبلهم؟لم تكن الندوة مجرد مناسبة للحديث، بل كانت مناسبة للإصغاء أيضاً.
ففي الجلسات التي أدارها ونظمها ثلة من الأساتذة والباحثين، استمعت إلى قراءات عميقة ومتكاملة حول النظام الدولي الجديد، وموقع المغرب في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، والعلاقات المغربية الأوروبية، وتحولات السياسة الخارجية المغربية، وهو ما جعل اللقاء أقرب إلى ورشة فكرية جماعية لفهم عالم يتغير بسرعة تفوق قدرتنا على اللحاق به.
وكان مما زاد هذا اللقاء قيمة أنني تشرفت بالمشاركة إلى جانب أسماء أكاديمية وفكرية وازنة، في مقدمتها الأستاذ الدكتور سعيد الصديقي، والأستاذ الدكتور إسماعيل حمودي، والأستاذ الدكتور علي كريمي، والأستاذ الدكتور عبد الحميد بن خطاب، والأستاذ الدكتور مصطفى السحيمي، والأستاذ الدكتور رضا الفيلالي حوز، والأستاذ الدكتور إسماعيل قطرب، والأستاذ الدكتور نور الدين الإدريسي، وتحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد الله ساعف، أحد أبرز أعلام الفكر السياسي المغربي والعربي.
خرجت من الجامعة وأنا أشعر بأن الزمن لا يمضي دائماً إلى الأمام.
أحياناً يعود بك إلى البدايات، لا لتعيشها من جديد، وإنما لتدرك أن بعض الأمكنة لا تنتهي صلاحيتها في القلب.
جامعة محمد الخامس كانت بالنسبة إليّ أكثر من مؤسسة تعليمية؛ كانت أول نافذة أطللت منها على الأدب، ثم على الفكر، ثم على السياسة.
وبعد أكثر من ثلاثين عاماً، أدركت أنها ما تزال تفتح النافذة نفسها، ولكن على عالم أكثر اضطراباً.
وأكثر حاجة إلى الفكر.
وأنا أغادر جامعة محمد الخامس، لم يكن يغادرني إحساس آخر لا يقل أهمية عن النقاشات الفكرية التي شهدتها قاعاتها؛ وهو أن المغرب، رغم ما يحيط بالمنطقة من عواصف وحروب واستقطابات حادة، يواصل إدارة شؤونه الداخلية بكثير من الحكمة والاتزان وعمق الدولة وعراقة المجتمع.
ففي الوقت الذي تتقاذف فيه المنطقة أسئلة المصير، يحتضن المغرب حوارات فكرية رصينة، ونقاشات سياسية وطنية هادئة وعقلانية، يستعد من خلالها لاستحقاقاته الديمقراطية المقبلة، وفي مقدمتها الانتخابات التشريعية، بما يعكس حيوية مؤسساته وقدرة نخبه على إدارة الاختلاف داخل إطار الاستقرار.
وعلى الضفة الأخرى من الحياة، كان المغاربة، كما عهدتهم دائماً، يلتفون حول منتخبهم الوطني لكرة القدم في مشواره نحو كأس العالم، لا باعتبار كرة القدم مجرد لعبة، بل باعتبارها لحظة وطنية جامعة، يلتقي فيها الاعتزاز بالهوية مع الثقة بالنفس، ويعبّر فيها شعب عريق عن طموحه المشروع إلى مكانة تليق بتاريخ المغرب وحضارته وحضوره المتجدد بين الأمم.
ولعلها واحدة من أجمل مفارقات هذا البلد؛ أن يجمع، في اللحظة نفسها، بين هدوء الفكر، وحيوية السياسة، ودفء الانتماء، فيظل قادراً على صناعة الأمل، حتى في زمن يبدو فيه العالم أقل اطمئناناً وأكثر اضطرابا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك