إيلاف من لندن: طرح آندي بورنهام، المرشح الأوفر حظاً لخلافة كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية، رؤية سياسية تقوم على نقل أوسع للصلاحيات من لندن إلى المناطق، متعهداً بإحداث «أكبر إعادة توازن للسلطة شهدتها البلاد»، في أول خطاب شامل له منذ عودته إلى مجلس العموم واستعداده لقيادة حزب العمال والحكومة.
وفي خطاب ألقاه الاثنين في متحف تاريخ الشعب في مانشستر، قدّم بورنهام ما سمّاه «النموذج المانشستري» بوصفه أساساً لإعادة بناء الاقتصاد البريطاني من خارج مركزية ويستمنستر ووايتهول، معتبراً أن المملكة المتحدة لم تعد قادرة على إدارة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية من العاصمة وحدها.
وأعلن بورنهام عزمه إنشاء مقر حكومي جديد في مانشستر يحمل اسم «داونينغ ستريت رقم 10 للشمال»، ليكون، بحسب رؤيته، مركزاً رمزياً وعملياً لحكومة أكثر قرباً من المناطق والمدن، في بلد يشتكي منذ سنوات من اتساع الفجوة بين لندن وبقية المملكة.
ويقوم طرح بورنهام على منح رؤساء البلديات والسلطات المحلية صلاحيات أوسع في الاستثمار، والنقل، والإسكان، وتنمية المدن، مع ربط اللامركزية بهدف اقتصادي أوسع: تحفيز النمو، وإعادة التصنيع، ومعالجة ركود الدخول الحقيقية الذي أثقل قطاعات واسعة من البريطانيين.
وحاول الزعيم العمالي المرتقب طمأنة الأسواق والناخبين في الوقت نفسه، مؤكداً التزامه القواعد المالية الحالية التي تبناها حزب العمال في برنامجه الانتخابي، وفي مقدمها عدم تمويل الإنفاق اليومي عبر الاقتراض، وعدم رفع ضرائب الدخل والتأمينات الوطنية وضريبة القيمة المضافة على العاملين.
ويأتي خطاب بورنهام بعد استقالة ستارمر في 22 حزيران (يونيو)، وبقاء رئيس الحكومة المستقيل في منصبه إلى حين اختيار خليفته.
وبحسب الجدول المطروح داخل حزب العمال، يمكن أن يتولى بورنهام رئاسة الحكومة خلال تموز (يوليو)، خصوصاً أنه المرشح الوحيد المعلن حتى الآن لخلافة ستارمر.
لكن الزخم السياسي الذي رافق الخطاب لا يخفي أسئلة ثقيلة.
فبعض نواب حزب العمال يشككون في إمكانية تعميم تجربة مانشستر على سائر أنحاء بريطانيا، حيث تختلف احتياجات الشمال عن الجنوب، وعن ميدلاندز والمدن الساحلية والمناطق التي تعاني الفقر خارج الصورة التقليدية للصراع بين لندن والشمال.
كما أن وزارة الخزانة البريطانية، وفق الانتقادات المتكررة، تميل إلى تمويل المشاريع القادرة على تحقيق عوائد سريعة، وهو ما يمنح الأفضلية للمناطق الأكثر ثراءً واتصالاً.
وهذا ما جعل بورنهام، خلال سنواته في رئاسة بلدية مانشستر الكبرى، من أبرز منتقدي طريقة توزيع الاستثمار العام في بريطانيا.
في المقابل، ترى المعارضة المحافظة أن نقل الصلاحيات ليس حلاً سحرياً.
واعتبرت زعيمة المحافظين كيمي بادينوخ أن منح سلطات إضافية لمسؤولين محليين لا يضمن بالضرورة إدارة أفضل، بل قد ينقل المشكلات من المركز إلى الأطراف ويزيد تعقيد عمل الحكومة.
ويواجه بورنهام أيضاً سؤال الشرعية السياسية.
فخصومه يرون أن إصلاحات بهذا الحجم لم تكن مطروحة بهذه الصيغة في البرنامج الانتخابي الذي فاز به حزب العمال في انتخابات 2024، ولذلك بدأت أحزاب اليمين بالدعوة إلى انتخابات مبكرة قبل تنفيذ تغييرات واسعة في بنية الحكم.
غير أن بورنهام يرد بأن مشروعه ينسجم مع روحية برنامج العمال، خصوصاً وعده بتحقيق النمو وإعادة توزيع الفرص.
وهو يراهن على أن اللامركزية لم تعد ترفاً دستورياً، بل شرطاً اقتصادياً لإعادة تشغيل بلد أنهكته سنوات من ضعف الإنتاجية، وتآكل الخدمات، وتراجع الثقة بالحكومة المركزية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك