يجد آلاف المرضى التونسيين، بداية من اليوم الأربعاء، أنفسهم مجبرين على دفع كامل ثمن أدويتهم بعد إعلان صيادلة تونس تعليق العمل بنظام" الطرف الدافع" للمستفيدين من الصندوق الوطني للتأمين على المرض، احتجاجًا على تراكم مستحقاتهم المالية وعدم التوصل إلى حلول مع السلطات.
ويمثل هذا القرار تصعيدًا جديدا في أزمة عمرها سنوات، ويكشف عن أن منظومة التأمين على المرض وصلت إلى مرحلة بات فيها العجز المالي يهدد استمرارية الخدمات الصحية، ويضع المرضى في مواجهة مباشرة مع أزمة التمويل العمومي.
واعتبر أعضاء المجلس الوطني لهيئة الصيادلة المنعقد، أمس الثلاثاء، في بيان له، أن" تراكم الإشكاليات المالية بين مهنيي القطاع الصحي الخاص والصندوق الوطني للتأمين على المرض بات يهدد الأمن الدوائي والصحي للمواطن".
وحذر أعضاء المجلس من خطورة الأزمة التي يشهدها القطاع الصحي الخاص في علاقته بصندوق التأمين على المرض، معتبرين أن التحذير يأتي على خلفية التصعيد الذي أعلنته الهياكل المهنية، وفي مقدمتها الهيئة الوطنية للنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة التي لوّحت بعدم التعامل مع منظومة التأمين على المرضى بداية من اليوم الأربعاء، إلى جانب دعوة النقابة التونسية للبيولوجيين الخواص إلى عقد جلسة عامة للنظر في أزمة استخلاص مستحقات المخابر.
وعمليًا، يعني تعليق العمل بنظام الطرف الدافع أن المؤمنين اجتماعيًا لن يتمكنوا من اقتناء أدويتهم بالاكتفاء بدفع الجزء غير المغطى، بل سيكون عليهم دفع القيمة الكاملة للدواء ثم انتظار استرجاع مستحقاتهم لاحقًا وفق الإجراءات المعمول بها.
ورغم أن هذا الإجراء قد يبدو إداريًا، فإن تداعياته الاجتماعية كبيرة، إذ إن شريحة واسعة من التونسيين، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة والمتقاعدين وذوي الدخل المحدود، لا تملك السيولة اللازمة لاقتناء أدوية قد تصل كلفتها إلى مئات الدنانير شهريًا.
ويحذر أطباء من أن بعض المرضى قد يضطرون إلى تأجيل العلاج أو تخفيض الجرعات أو الاستغناء عن بعض الأدوية بسبب العجز عن توفير ثمنها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة وارتفاع كلفة العلاج لاحقًا.
ويؤكد الصيادلة أن قرارهم لم يكن خيارًا أول، بل جاء بعد أشهر طويلة من المطالبة بصرف المستحقات المتبقية بذمة الصندوق، والتي أصبحت تثقل كاهل الصيدليات وصيادلة الجملة على حد سواء.
وقال عضو هيئة الصيادلة أيمن الخليفي إن" الصيادلة مطالبون بدفع ثمن الأدوية إلى المزودين والمخابر في آجال محددة، بينما تتأخر مستحقاتها القادمة من الصندوق، وهو ما خلق أزمة سيولة خانقة دفعت عددا من الصيدليات إلى الاقتراض أو استنزاف مدخراتها لمواصلة النشاط"، مؤكدا، في تصريح لـ" العربي الجديد"، أن" استمرار هذا الوضع يهدد استقرار شبكة توزيع الأدوية بأكملها، وليس فقط العلاقة بين الصيادلة والصندوق".
وأشارت هيئة الصيادلة في بلاغها إلى أن رؤساء النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة، والنقابة التونسية للبيولوجيين الخواص، والغرفة الوطنية لموزعي الأدوية بالجملة، اجتمعوا لبحث تداعيات الأزمة، حيث جرى التأكيد على أن التأخير المتواصل في صرف مستحقات المتدخلين في منظومة الدواء والخدمات البيولوجية أدى إلى اختناق مالي حاد.
وحذر رؤساء نقابات الهيئات المهنية من أن استمرار الوضع" قد يتسبب في تعطل توزيع الأدوية بالجملة، بما يهدد استمرارية السلسلة العلاجية ويؤثر على حق المرضى في النفاذ إلى العلاج".
ودعت الهياكل المهنية سلطة الإشراف وكافة الجهات المعنية إلى" التدخل العاجل لتحمل مسؤولياتها واتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان استمرارية المرفق الصحي وتفادي شلل القطاع".
ويرى مهنيو الصحة أن الأزمة الحالية تعكس غياب إصلاحات هيكلية لمنظومة التأمين الصحي، التي لم تعد مواردها تتماشى مع الارتفاع المستمر في نفقات العلاج والأدوية والتجهيزات الطبية، إضافة إلى تفاقم العجز المالي للصناديق الاجتماعية.
كما يدعو مقدمو الخدمات الصحية إلى تسوية الديون المتبادلة بين الدولة والصناديق الاجتماعية، باعتبار أن" استمرار هذا التشابك المالي ينعكس مباشرة على جودة الخدمات الصحية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك