تحتاج الشعوب، كما الأفراد، إلى النسيان، وإذا تعذّر فللغفران، وهو أكثر صعوبة، وإلى التسامح فالتصالح.
تدفن القطط فضلاتها في التراب، كذلك تفعل الحيوانات.
تبتعد في الخلاء وتفعلها، وبعد أن تهيل عليها التراب تبدو لناظرها حينذاك كأنها تتأمّل ما فعلت، أو تتخلّص من بقاياه في الذاكرة والوعي.
ومن المفارقة المؤلمة أن يفعل هذا قابيل أيضاً.
جاء الغراب ليعلّمه، وربما كانت شمس الله آنذاك ساطعة أكثر مما هي عليه في أزمنتنا هذه.
كان عليه أن يُخفي جثة أخيه، أن يدفن في الأرض ذكرى أول جريمة في تاريخها، منفى آدم وساحة شقاء البشرية، وإذ فعل أصبح ثمّة تاريخ، والأهم والأسوأ" لا وعي" تأسّس على الشعور بالذنب والإثم.
كل ما حدث بعد هذا مجرد تفاصيل واستطرادات أدبية واستعارات، فهل حدث أن توقف البشر تالياً عن القتل والتمدّد على أريكة فرويد للتطهّر والنسيان؟تهرب سابينا، بطلة" خفة الكائن التي لا تُحتمل" لميلان كونديرا من ذكرى إهانة أبيها على أيدي سلطات تشيكيا تحت الاحتلال السوفييتي، ولا تكفّ عن الهروب.
لكن إلى أين؟ هي لا تعرف.
إذا أحبت رجلاً لا تتعلّق به بل تتركه، حتى الطعام إذا أَلِفته انتقلت إلى سواه.
تنشئ حياتها على الخيانات، للوطن والعائلة والأفكار وحتى الرغبات والشهوات، كأنما على الكائن أن يتخفّف من كل ما يُثقله ويشدّه إلى أرض أو علاقة أو فكرة، كأن عليه أن يفرّغ حمولته كلها على باب البيت وهو يغادره، قبل أن يقرفص في الخلاء مثل القطط ثم يتغوّط ويهيل التراب، على ماذا؟ على أي شيء أو كل شيء.
ربما كانت سابينا تبحث عن النسيان، وهو متعذّر ووعر ومحكومٌ بأعقد مشاعر الإنسان، تلك التي تذهب به إلى قابيل جالساً أمام جثة هابيل: ماذا فعلت أيها الأحمق؟ ماذا عليك أن تفعل لتنسى؟ ربما لم يكن قابيل يعي ذلك.
اللاحقون عرفوا ذلك.
أنشأوا سردياتٍ لا تنتهي عن حيرة ذلك الأحمق العظيم الذي لولاه لما كان للإنسان تاريخ يكتب ويوثّق بما يحول دون النسيان، ولولا هذا لكانت فعلة قابيل شبيهة بما تفعله القطط حين تتغوّط: قليل من الشعور بالذنب يتبخّر بعد ثوان ليس أكثر.
يلتقي" س" في أحد المطارات بالضابط الذي حقّق معه حين كان طالباً.
كان" س" قد غادر بلاده وأقسم ألا يعود، مثل سابينا ميلان كونديرا.
كان يشعر بالمهانة طوال الوقت، وأنه ملاحقٌ حيثما ذهب، وفي عتمة دور السينما كان يبكي بصوت عال عندما يبدأ الأشرار باقتحام وكر العصابات الأخرى.
يقول لنفسه: لن يسمع بكاءك أحد هنا.
لكنه وهو يخرج من دار السينما كان يراه رجلاً طويلاً وأنيقاً أقسم أن يدفعه إلى الانتحار مهما طال الزمن.
في مقهى السوق الحرّة، تقدّم منه العجوز، واستأذنه بتهذيب شديد أن يشعل سيجارته، وعندما فعل استأذنه بتهذيبٍ مضاعف أن يجلس معه، وفعل" س" من دون أن ينظر إلى عينيه مرّة واحدة، لكنّ العجوز، طويل القامة بعض الشيء، الذي كان لا يكف عن السُّعال، كان يحدّق فيه طوال الوقت، ويتحيّن الفرصة للبدء بالحديث، كان العجوز يريد أن يتغوّط ليرتاح مثل القطط.
كان" س" يعرف ما يريد، ألا يُمكّنه من النسيان والتطهّر، هذا عقابه الأبدي.
بغريزته، كالحيوانات، عرفه" س"، وثمّة طعم الدم وهو يبتلع سنه التي كُسرت من الصفعات، والخاتم في اليد الذي كان يجرح الوجه، وتلك الرائحة، رائحة الفونيك في الحمّامات العامة، والحذاء الأسود وهو يُفرَك فوق صدغه الأيمن عندما وقع على الأرض.
قال العجوز: هل أعرفك؟ هزّ" س" راسه بالنفي.
ألستَ فلاناً؟ هز" س" رأسه بالنفي.
إذا كنتَ، فأود أن أشرح لك.
هزّ" س" رأسه بالرفض، وعندما سمع صوت النداء لرحلته وقف بهدوء وتعمّد أن يصافح العجوز قبل أن يدير له ظهره ويبتعد.
لقد حفر حفرة هنا، ليس في التراب، بل في الذاكرة، وتغوّط تلك الأيام، ثم أهال عليها التراب، لكنها لم تختف، وحده من كان يقفز من فوقها.
تحتاج الشعوب أيضاً إلى النسيان لتقفز من فوق حفرة شادي جميل وعاطف نجيب وبشّار الأسد وسواهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك