أثار كلام الرئيس السوري، أحمد الشرع، عن استعداد بلاده للحوار مع اللبنانيين، بمن فيهم حزب الله، ودعوته اللبنانيين إلى الحوار فيما بينهم لحل مشكلاتهم، خصوصاً منها مشكلة سلاح هذا الحزب، ارتياحاً كبيراً في أوساط اللبنانيين، وكذلك السوريين المتخوّفين من عودة بلادهم إلى التورّط في الشأن اللبناني.
وسبب الارتياح أن الدعوة هذه جاءت لتؤكد أن القوات السورية لن تتدخل عسكرياً في لبنان لمساعدة السلطة اللبنانية في نزع سلاح الحزب، بعد الدعوات المتكرّرة من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للشرع من أجل فعل هذا.
ويعرف كثيرون أن تدخّلاً من هذا النوع سوف يفتح الباب على نزاعٍ وصراعاتٍ، ربما تفوق بخطورتها وتداعياتها الصراعات التي تلت تدخّل سورية في لبنان سنة 1975، بطلب من السلطة اللبنانية وبتوجيه من الدول العربية يومها، ولكن وفي هذه اللحظة التي تشهد انقساماً مجتمعياً سورياً غير مسبوق، يحتاج السوريون إلى حوارٍ، لا يعيره المسؤولون أي اهتمام، وهو ما أثار حسرة السوريين التوّاقين للحوار بعد توجيه الشرع نصيحته إلى اللبنانيين.
ربما أراد الشرع في دعوته تلك، في لقاء مع إحدى القنوات التلفزيونية العربية، أخيراً، تجنّب الوقوع في ورطة سبق أن وقع نظام حافظ الأسد فيها، ثم أورثها إلى ابنه بشّار الذي أحسن التورط فيها بجدارة من لا يتقن المراجعات واتخاذ القرارات المصيرية ويرفضها، بدافعٍ من العنجهية واحتقار الناصحين والإيغال أكثر في سياسة إخضاع الضعفاء.
ومن المتوقع أن يكون الشرع وأركان حكمه على دراية كبيرة بمخاطر تدخُّلٍ من هذا النوع، ليس على لبنان وحده، بل على سورية والمنطقة، وعلى سلطته ذاتها.
ومن المتوقع أيضاً أنه ملمٌّ بحجم الورطة التي يريد الرئيس الأميركي أن يدخل سورية ولبنان فيها، فتتوالد عنها مشكلات وأزمات تستمرّ سنوات، وتشغل الدول العربية الأخرى فيها، وتلهيها عن حل مشكلاتها الخاصة.
من المتوقع أنّ الشرع ملمٌّ بحجم الورطة التي يريد الرئيس الأميركي أن يدخل سورية ولبنان فيهاوتأتي هذه الدعوة إلى الحوار وسط حاجة سورية ذاتها إلى حوار من هذا النوع، نادى به كثيرون، لكنهم لم يسمعوا ردّاً يرقى لمستوى التحدّيات الماثلة والموجبة للحوار.
ومن المعروف أنه بعد سقوط النظام، ناشدت قوى سياسية وشخصيات عامة ومثقفون وصحافيون، السلطة الجديدة أن ترعى عقد مؤتمر للحوار بين السوريين، يتبعه تبنّي مشروع للمصالحة الوطنية، لضرورة هذه المسألة الملحّة، خصوصاً بعد الحرب التي شنها بشّار الأسد على الشعب السوري، وبعد سنوات من ديكتاتورية حافظ الأسد وابنه بشار.
هذا الحكم الذي ضرب البنى المجتمعية، وأحدث شروخاً في نسيج البلاد الاجتماعي، وكرّس الطائفية والتوجس من الآخر المختلف دينياً أو سياسياً أو فكرياً وتخوينه.
لكن استجابة السلطة أتت لتخيب الآمال، حين عقدت مؤتمراً عاجلاً استمر يوماً، ناقش جميع المسائل التي طُرحت بسرعة هائلة، وهي التي تحتاج إلى أسابيع وشهور لتستوفي حقها من التمحيص والتقييم، فانتهى المؤتمر من دون أن تصدر عنه قرارات ملزمة.
حصل هذا بينما كانت الآمال معلّقة على أن يخرج مؤتمر الحوار بالدعوة إلى عقد مؤتمر وطني دائم الالتئام، يستمر أسابيع وأشهراً، ويضم جميع أطياف الشعب السوري، وممثلين عن قواه السياسية والمجتمعية، ويستضيف خبراء ومفكرين من خارج البلاد، لمعالجة الإرث الهائل من المشاكل والأزمات التي أورثها نظام الأسد للسوريين، ويخفّف التوتر المجتمعي ويؤسّس لمصالحة وطنية.
وعلى الرغم من أن توصيات المؤتمر، في 25 فبراير/ شباط 2025، تضمّنت بنديْن، ينصّان على" تحقيق العدالة الانتقالية"، وعلى" ترسيخ التعايش السلمي بين جميع مكونات الشعب السوري، ونبذ كل أشكال العنف والتحريض والانتقام بما يعزز الاستقرار المجتمعي والسلم الأهلي"، فإن ذلك لم يتحقق.
فبعد أيام من انعقاده، وإثر إشكالات أمنية، حصلت مجازر الساحل التي راح ضحيتها مئات المدنيين، ثم تبعتها بعد أشهر مجازر السويداء الدموية، التي جاءت نتيجة انتشار خطاب الكراهية والتحريض الطائفي واستمراره، أي عكس ما كان مرجوّاً من الحوار.
وفي هذه الأيام، ونتيجة لغياب حوار كهذا، يستمر التوتّر الأمني الذي يعد مانعاً لأي سبيل من السبل المؤدية إلى تعافي البلاد، كما يستمر التوتر الطائفي والمناطقي قائماً في البلاد، ويزداد الانقسام المجتمعي داخلها، وتتوالى حوادث خطف النساء والقتل على أساس طائفي، ما يمكن أن يجعل اندلاع حرب أهلية طائفية ومناطقية قائماً ودائم الاحتمال.
نتيجة لغياب الحوار، يستمر التوتّر الأمني الذي يعد مانعاً لأي سبيل من السبل المؤدية إلى تعافي البلادويذكّرنا هذا الأمر بالأزمة التي مرّت بها سورية أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين ساد التوتر والصراع الدامي الذي وضع البلاد على حافة الانفجار الأمني غير محسوب النتائج، بعد الصدامات المسلحة بين فصيل" الطليعة المقاتلة" الإسلامي المسلح ونظام حافظ الأسد.
يومها تقدّم أحد الأحزاب اليسارية المعارضة للأسد بمشروع للمصالحة الوطنية الشاملة، تأخذ في اعتبارها التوصل إلى حلٍّ سياسي شامل لمنع تطور الصراع الدموي أكثر.
ومقدّمات ذلك الحل حدّدها المشروع بإطلاق الحريات الديمقراطية، عبر إلغاء حالة الطوارئ، والسماح بالتعدّدية الحزبية، وإطلاق سراح سجناء الرأي، وتقديم المدانين للمحاكم، والتخلص من عقلية الاستئثار بالسلطة، ومواجهة الفساد، وعزل التطرف، عبر الحوار مع أبناء الشعب السوري وممثليهم من أجل الوقوف على احتياجاتهم وتحقيق مطالبهم.
غير أن سلطة الأسد تصرّفت على عكس المتوقّع، فأقدمت على اعتقال أمين عام الحزب رياض الترك، وكثيرين من قيادييه وأعضائه، واتّهمتهم بالتحالف مع الإخوان المسلمين.
ثم قرّرت مواجهة الأزمة عبر الحلول الأمنية والمجازر، فأبقت البلاد على حافة الانفجار والتوتر الدائمين، إلى أن تجدّد الصراع الدموي، بعد رفض بشّار الأسد الدعوات إلى الحوار والحل السلمي للصراع الذي ظهر بعد ثورة السوريين سنة 2011، والتي قابلها بالقتل والتدمير وتهجير السكان والمجازر المتنقلة.
الحوار يعني الاعتراف بالآخر، كما يعني اعتراف السلطة بارتكابها أخطاء، يمكن تفاديها عبر المشورة والانصات للرأي الآخر المختلف.
ويعني القبول بمبدأ التشاركية في الحكم، بعد تبيان مخاطر الإقصاء والتفرّد بالحكم على سير البلاد نحو التطور.
والحوار ينتهجه القوي، ولكنه عادة ما لا يميل إلى مشاركة الضعيف بالقرار، ولكن حين يكون الضعيف هو الغالبية العظمى من الشعب، يصبح سلوك طريق الحوار سبيلاً لتعاون طرفي المعادلة على استغلال قدراتهما وتحقيق مصالحهما.
أما في سورية فهذا المبدأ لا يلقى قبولاً لدى السلطة، كما أنها لا ترى فيه ضرورة، في حين ترى ضرورة أن يسلكه آخرون خارج البلاد، وتسلكه هي مع آخرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك