لا تودّع إيران المرشد السابق علي خامنئي في مدينة واحدة، بل عبر مسار يمتد أسبوعا كاملا، يبدأ من طهران بوصفها مركز الدولة، ويمر بقم حيث ثِقل الحوزة، ثم بالنجف وكربلاء في العراق حيث الذاكرة الشيعية العابرة للحدود، قبل أن ينتهي في مشهد، مسقط رأسه وموضع مرقد الإمام الرضا.
ووفق جدول المراسم المعتمد، تبدأ الفعاليات غدا الجمعة 3 يوليو/تموز بوداع رسمي للوفود والتمثيل الرسمي للدول، قبل أن يُفتَح الوداع الشعبي مع الجثمان يومي السبت والأحد في مصلى الإمام الخميني بطهران.
ثم تشهد العاصمة مراسم التشييع الرئيسية الاثنين، على أن ينتقل الجثمان الثلاثاء إلى قم، والأربعاء إلى النجف وكربلاء، وصولا إلى مشهد الخميس 9 يوليو/تموز، حيث تقام مراسم التشييع والدفن في مرقد الإمام الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة الاثني عشرية.
ولا تكمن دلالة الجنازة في امتدادها الزمني فقط، بل في خريطتها أيضا.
فالمسار المعلن يجمع بين رموز الدولة والحوزة والمراقد الشيعية، ويجعل من مراسم الوداع أول مشهد عام لمرحلة ما بعد خامنئي، حيث ستُقرأ الحشود وترتيبات المدن وحضور الوفود بوصفها مؤشرات على قدرة النظام على إدارة لحظة الانتقال.
في اليوم الأول، تحضر الدولة قبل الشارع.
فقد خُصصت مراسم الجمعة للوفود الرسمية والتمثيل الدبلوماسي للدول، في إشارة إلى أن طهران تريد تقديم جنازة خامنئي بوصفها حدثا رسميا يتجاوز الإطار الداخلي.
وتمنح هذه البداية بعدا بروتوكوليا للجنازة، إذ تتيح للدول الحليفة والصديقة أو ذات العلاقات السياسية مع إيران تسجيل حضورها في لحظة انتقال حساسة.
كما تسمح للجمهورية الإسلامية بإظهار أن غياب خامنئي لا يعني فراغا في إدارة الدولة أو في تمثيلها الخارجي.
ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن اللجنة المنظمة أن ممثلين عن أكثر من 90 دولة أعلنوا استعدادهم للمشاركة في مراسم التشييع، إلى جانب شخصيات دينية ومذهبية وعلمية من دول مختلفة.
بعد الوداع الرسمي، تنتقل المراسم إلى طورها الشعبي في طهران، حيث يستقبل مصلى الإمام الخميني الجثمان يومي السبت والأحد.
واختيار هذا المكان لا يرتبط فقط بقدرته على استقبال حشود كبيرة، بل أيضا بما يحمله من رمزية سياسية ودينية داخل الجمهورية الإسلامية.
فمصلى الإمام الخميني من أبرز فضاءات التجمع الرسمية في العاصمة، وقد ارتبط بالمناسبات الكبرى والاحتفالات السياسية والدينية.
ومن خلاله، تسعى الدولة إلى تنظيم لحظة الحزن الجماعي ضمن فضاء يمكن ضبطه أمنيا وإداريا، مع ربط الوداع باسم مؤسس الجمهورية الإسلامية.
أما مراسم التشييع في طهران يوم الاثنين، فتحمل وظيفة أوسع من الوداع الشعبي.
فالعاصمة هي مقر القيادة والحكومة والبرلمان والقضاء والحرس الثوري والجيش والسفارات، ولذلك فإن خروج الجنازة منها يمنح المشهد بعدا سياسيا واضحا، يقول إن مؤسسات النظام حاضرة، والحشود حاضرة في مركز القرار.
وتشير الترتيبات المعلنة في الإعلام الإيراني إلى أن طهران ستكون محطة الوداع الأطول، إذ تمتد فيها المراسم 4 أيام: يوم للوفود الرسمية، ويومان للوداع مع الجثمان في مصلى الإمام الخميني، ثم يوم للتشييع العام في شوارع العاصمة من شرقها إلى غربها.
ونقلت وكالة فارس عن معاون وزير الداخلية للشؤون الأمنية والانتظامية أن مراسم الوداع ستقام على مدار الساعة، وأن تشييع طهران سيمر عبر ممر شرقي غربي في العاصمة مع توقع مشاركة أعداد كبيرة من داخل إيران وخارجها.
في اليوم الخامس من المراسم، ينتقل الجثمان إلى قم، المدينة التي تمثل مركز الحوزة العلمية في إيران، وأحد أهم مصادر الشرعية الدينية للنظام.
ومرور جنازة خامنئي بها يحمل دلالة خاصة، لأن موقع المرشد في الجمهورية الإسلامية يجمع بين القيادة السياسية والمرجعية الدينية للنظام.
تُعتبر قم في هذا المسار محطة تزكية رمزية، فالمدينة التي احتضنت جزءا مركزيا من تكوين النخبة الدينية والسياسية في إيران تمنح الجنازة طابعا حوزويا، وتربط وداع خامنئي بالمؤسسة الدينية التي شكّلت إحدى ركائز الجمهورية الإسلامية منذ قيامها.
وتساعد محطة قم أيضا على تفسير سبب عدم اختيارها مكانا للدفن، فالمدينة حاضرة في الجنازة بوصفها مركز الشرعية الدينية والعلمية، لكنها ليست بالضرورة المكان الأكثر قدرة على تحويل قبر خامنئي إلى مزار شعبي واسع ودائم، كما هي حال مشهد.
النجف وكربلاء.
خارج الحدودتبلغ الجنازة ذروتها العابرة للحدود يوم الأربعاء 8 يوليو/تموز، مع مراسم التشييع في النجف وكربلاء.
وتكتسب هذه المحطة دلالة خاصة في البرنامج الإيراني المعلن، لأنها تنقل الجنازة من إطارها الوطني الإيراني إلى الفضاء الشيعي العابر للحدود.
فالنجف ليست مدينة عراقية عادية في الحسابات الدينية، بل أحد أهم مراكز الحوزة الشيعية تاريخيا ومقر مرجعية دينية عابرة للحدود، كما أن خامنئي قضى سنوات من شبابه في حوزات النجف.
أما كربلاء، فتحتل موقعا مركزيا في الذاكرة الشيعية المرتبطة بعاشوراء ومقتل الإمام الحسين.
ولذلك فإن تنظيم مراسم تشييع في هاتين المدينتين يضيف إلى الجنازة معنى يتجاوز السياسة الإيرانية الداخلية.
وتمنح هذه المحطة، وفق القراءة الرمزية للمسار، بعدا إقليميا للجنازة، إذ تربط وداع خامنئي بمدينتين مركزيتين في الوجدان الشيعي، وبشبكة العلاقات الدينية والسياسية التي نسجتها طهران في العراق والمنطقة.
يبقى السؤال الأبرز في خريطة الجنازة: لماذا اختيرت مشهد للدفن، لا قم ذات الرمزية الحوزوية الكبرى؟الجواب يرتبط بتمايز الرمزين، إذ تمثل قم الحوزة والمؤسسة الدينية، أما مشهد فتمثل القداسة الشعبية والزيارة الجماهيرية.
وهي أيضا مسقط رأس خامنئي، وفيها مرقد الإمام الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة الإمامية وأحد أهم المزارات الدينية في إيران.
وبذلك يجمع الدفن في مشهد بين السيرة الشخصية والرمزية المذهبية.
فهو يعيد خامنئي إلى المدينة التي وُلد فيها، ويضع قبره في محيط ديني يرتاده ملايين الزوار، بما يحوّله إلى جزء من جغرافيا الزيارة داخل إيران، لا إلى موقع سياسي أو حوزوي مغلق.
ويختلف هذا الاختيار عن تجربة مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، الذي ارتبط ضريحه جنوب طهران بالذاكرة السياسية المؤسسة للنظام.
أما مشهد، فتمنح خامنئي رمزية أخرى: زعيم يدفن في مدينة دينية كبرى، داخل فضاء يرتبط بالإمام الرضا وبالوجدان الشعبي الشيعي الإيراني وغير الإيراني.
مع امتداد مراسم الوداع والتشييع على مدى 7 أيام، تتحول المدن التي يشملها المسار إلى محطات أمنية ولوجستية كبرى، من طهران إلى قم، ثم النجف وكربلاء، وصولا إلى مشهد.
ولا تقتصر الاستعدادات على مراسم الدفن في مرقد الإمام الرضا، بل تشمل تنظيم حركة الحشود والوفود والمواكب، وتأمين مسارات الجثمان، وتوفير الخدمات الطبية والإسعافية، وإدارة النقل والطرق المحيطة بمواقع التشييع.
وتبدو طهران المحطة الأكثر تعقيدا من الناحية التنظيمية، لأنها تستضيف الوداع الرسمي للوفود وممثلي الدول، ثم مراسم الوداع مع الجثمان في مصلى الإمام الخميني، قبل التشييع الرئيسي في العاصمة.
وقد نقلت فارس عن مسؤولين في وزارة الكهرباء بطهران أن 545 مجموعة عملياتية وُضعت في حالة استعداد لتأمين الكهرباء خلال مراسم التشييع، وأن أعمالا متعلقة بشبكات الإنارة والتغذية الكهربائية في المصلى ومسارات التشييع أُنجزت لهذا الغرض.
أما قم، فتحتاج إلى ترتيبات مرتبطة بمشاركة رجال الدين وطلاب الحوزة والزوار، في حين تكتسب محطة النجف وكربلاء خصوصية إضافية بسبب انتقال المراسم إلى خارج إيران وارتباطها بالتنسيق مع السلطات العراقية والعتبات الدينية هناك.
وفي مشهد، تتركز الاستعدادات على محيط مرقد الإمام الرضا والطرق المؤدية إليه، باعتبارها المحطة الأخيرة التي ستشهد التشييع والدفن.
كما يُنتظر أن يكون للعتبة الرضوية، المؤسسة المشرفة على المرقد، دور مركزي في تنظيم الجوانب الدينية والبروتوكولية للمراسم الختامية.
لا تنتهي دلالات الجنازة عند الدفن في مشهد، فالمسار الممتد على 7 أيام يبدو، في جانب منه، أول اختبار علني لمرحلة ما بعد علي خامنئي.
حجم الحشود، وطريقة تنظيمها، وحضور الوفود، ومشاركة الحوزة، ومحطة العراق، وموقع القيادة الجديدة في مراسم الوداع، كلها عناصر ستُقرأ بوصفها مؤشرات على تماسك النظام وقدرته على إدارة انتقال السلطة.
ومن هنا، فإن جنازة خامنئي لا تُقرأ فقط بوصفها نهاية عهد، بل كبداية مشهد سياسي جديد، تحاول فيه الجمهورية الإسلامية تحويل لحظة الغياب إلى استعراض للاستمرارية، وربط الوداع بين الدولة والحوزة والشارع والفضاء الشيعي الأوسع، قبل أن يستقر الجثمان في مشهد، حيث أرادت طهران أن تكون الخاتمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك