بعد ألف يوم من حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، يبدو قطاع غزة مثقلاً بأزماتٍ إنسانية متراكمة؛ مدنٌ مدمّرة وخيامٌ متهالكة، مئات آلاف النازحين، منظومة صحية تكافح للبقاء، تعليم واقتصاد متعثر، ومستقبل يلفّه الغموض، وسط حصار إسرائيلي يحرمهم الحق في العلاج والدواء والغذاء وإعادة الإعمار، وحتى في الحياة.
مع دخول العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يومه الألف، لا يبدو الرقم مجرد محطة زمنية، بل عنواناً لواحدة من أطول المآسي التي عاشها الفلسطينيون في تاريخهم الحديث وأقساها.
ألف يوم مضت بين القصف والنزوح والجوع والمرض، حتى تحوّلت الحياة اليومية إلى معركة من أجل البقاء، بينما تبدلت ملامح قطاع غزة بصورة غير مسبوقة، واختفت أحياء كاملة تحت الركام، وغابت مظاهر الحياة التي كانت تملأ المدن قبل حرب الإبادة الجماعية التي شنّتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عقب عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر.
وخلال أيام العدوان التي يُصادف بلوغها الألف، اليوم الجمعة، سُجّل حتى 29 يونيو/حزيران الماضي، استشهاد 73,066 فلسطينياً و173,514 مصاباً، إضافة إلى 9,500 مفقود لا يزالون تحت الأنقاض أو مجهولي المصير، وفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي.
وتجاوز عدد الشهداء الأطفال 21,500، فيما بلغ عدد النساء الشهيدات أكثر من 12,500، وشكّل الأطفال والنساء والمسنون أكثر من 55% من إجمالي الضحايا، كما استشهد 1,700 من أفراد الطواقم الطبية، و262 صحافياً، و145 من عناصر الدفاع المدني، في حين تعرضت أكثر من 39 ألف أسرة لمجازر، فيما أُبيدت أكثر من 2,700 أسرة بالكامل ومُسحت من السجل المدني.
وبلغ الدمار الشامل في قطاع غزة أكثر من 90%، فيما سيطر الاحتلال بالاجتياح والنار والتهجير على أكثر من 80% من مساحة القطاع، وتحوّلت آلاف المنازل إلى أكوام من الركام، فيما دُمّرت الشوارع والأسواق والمنشآت الاقتصادية والخدمات الأساسية، لتصبح إعادة الحياة إلى ما كانت عليه مهمة تبدو صعبة وبعيدة المنال.
يقول النازح أبو محمد نصر (47 عاماً)، الذي فقد منزله في مدينة غزة: " خرجنا من البيت معتقدين أننا سنعود بعد أيام، لكن الأيام تحولت إلى أشهر ثم سنوات، لم يبقَ من منزلنا سوى الحجارة، أما الذكريات وكل ما جمعناه طوال العمر فدُفن تحت الأنقاض".
ويضيف نصر لـ" العربي الجديد": " أكثر ما يؤلمني أن أطفالي لم يعد لديهم مكان يسمّونه بيتاً.
كلّما نمر بالقرب من الركام يسألونني متى سنعود، ولا أملك إجابة، الحرب لم تهدم الجدران فقط، بل هدمت شعورنا بالأمان".
ومع اتّساع رقعة الدمار، اضطرّت مئات آلاف الأسر إلى النزوح مرات متكررة، متنقلة بين المدارس ومراكز الإيواء والخيام، بحثاً عن مكان أكثر أمناً، لكن رحلة النزوح لم تنتهِ بالنسبة لغالبية السكان، إذ ما تزال عشرات آلاف العائلات تعيش بعيداً عن منازلها، فيما يُقيم آخرون داخل بيوت متضررة ومهددة بالانهيار، لعدم امتلاكهم أيّ بديل.
وبعد ألف يوم، لم يعد الفلسطيني يحلم باستعادة منزله كما كان، بل بات يتمنّى فقط سقفاً آمناً يحمي أسرته من الحر والبرد وشظايا القصف، في انتظار أن تتحوّل وعود إعادة الإعمار إلى واقع ينهي واحدة من أكبر موجات التشريد التي شهدها قطاع غزة.
ولم تتوقف معاناة الفلسطينيين عند حدّ خسارة منازلهم، بل بدأت مرحلة أشدّ قسوة داخل مخيمات النزوح، حيث تحوّلت الخيام إلى مساكن دائمة لعشرات آلاف العائلات التي تعيش منذ أشهر طويلة في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من مقوّمات الحياة، فالخيمة لا تقي من حرارة الصيف، ولا تحمي من برد الشتاء وأمطاره، كما أنّها لا توفر الأمان في ظل استمرار القصف وإطلاق النار، ولا تمنح سكانها الخصوصية أو الشعور بالاستقرار.
وتقول النازحة سعاد أبو شمالة (39 عاماً) التي تعيش مع ثمانية أفراد داخل خيمة صغيرة: " نبدأ يومنا بالبحث عن المياه والطعام، ونُنهيه ونحن نخشى أن نستيقظ على قصف جديد، في الصيف لا نستطيع البقاء داخل الخيمة من شدّة الحرارة، وفي الشتاء تغمرها مياه الأمطار".
وتضيف لـ" العربي الجديد": " لم يعد أطفالي يعرفون معنى البيت، صاروا يعتقدون أن الحياة الطبيعية هي النوم على الأرض والوقوف في طوابير المياه والمساعدات، بينما بات الخوف جزءاً من يومهم، حتى إنّهم يرتجفون مع أيّ صوت مرتفع".
ومع تكدس آلاف العائلات داخل المخيمات ومراكز الإيواء، تفاقمت الأوضاع البيئية بصورة خطيرة، إذ تنتشر أكوام النفايات، وتفيض برك مياه الصرف الصحي بين الخيام، بينما تملأ الحشرات والقوارض المكان، في ظل محدودية إمكانات البلديات وعجزها عن التعامل مع حجم الكارثة.
ويوضح النازح محمود عاشور (51 عاماً) لـ" العربي الجديد" أنّ أسرته لم تعد تخشى القصف وحده، بل تخاف من الأمراض أيضاً؛ الأطفال يعانون باستمرار من الطفح الجلدي والسعال والحمى، فيما أصبح الذباب والبعوض والفئران جزءاً من حياتهم اليومية.
ولا تقتصر أزمة عاشور على البيئة المحيطة، بل تمتد إلى أبسط تفاصيل الحياة، إذ يواجه أزمة خانقة في الحصول على المياه النظيفة، بعد تضرّر شبكات المياه ومحطات الضخ، ويقول إنّه يضطر لقطع مسافات طويلة للحصول على كميات محدودة لا تكفي احتياجات أسرته اليومية.
كما يعتمد الأهالي على إشعال الحطب والكرتون والبلاستيك للطهي، بسبب الانقطاع شبه الكامل لغاز الطهي والانقطاع التام للتيار الكهربائي، إلى جانب استمرار منع إدخال مستلزمات الطاقة البديلة، وهو ما يؤدي إلى تصاعد الأدخنة داخل الخيام، وزيادة الإصابات بالأمراض التنفسية، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن.
وبين نقص المياه، وانعدام الكهرباء، ورداءة ظروف الإيواء، يعيش النازحون واقعاً يزداد قسوة يوماً بعد آخر، فيما تتحول الخيمة التي كان يُفترض أن تكون ملاذاً مؤقتاً، إلى عنوان لمعاناة مستمرة، بانتظار نهاية حقيقية للحرب تتيح لهم العودة إلى حياة أكثر أمناً وكرامة.
واقعٌ أليمٌ ومخاوف متجدّدةويقول أسعد خلف (44 عاماً)، الذي كان يعمل في أحد المصانع قبل الحرب إنّ تأثير العدوان لم يقتصر على المنازل ومخيمات النزوح، بل امتد ليشلّ مختلف مناحي الحياة الاقتصادية، بعدما دُمّرت مئات المنشآت التجارية والصناعية والخدمية، وتوقفت عجلة الإنتاج بصورة شبه كاملة.
ويوضح لـ" العربي الجديد" أنّه فقد عمله ومصدر رزقه أسوة بغيره من عشرات آلاف العمال والموظفين، لتجد غالبية الأسر نفسها بلا عمل أو مورد رزق، وتعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية.
ويتابع خلف: " كنتُ ألبّي احتياجات أسرتي بكرامة، أما اليوم فأقضي ساعات أبحث عن أيّ فرصة عمل من دون جدوى، حتى عندما يتوفر عمل مؤقت، فإنّ الأجر لا يكفي لشراء الاحتياجات الأساسية بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار".
وباتت الأسواق تعاني نقصاً واضحاً في السلع الأساسية، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والاحتياجات اليومية بشكل هائل، ما دفع كثيراً من العائلات إلى اللجوء للسوق السوداء لتأمين احتياجاتها، رغم الأسعار التي تفوق قدرتها الشرائية.
وفي ظلّ هذا الواقع، أصبحت تكايا الطعام والمساعدات الإنسانية المصدر الرئيسي لغذاء معظم سكان القطاع، إلا أنها لا تلبي سوى جزء يسير من الاحتياجات، كما يشكو المواطنون من ضعف كمياتها وعدم انتظام دخولها، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية توزيعها.
وتقول النازحة أم يوسف السوسي (48 عاماً): " نقف ساعات طويلة في طوابير المساعدات، وأحياناً نعود إلى الخيمة من دون أن نحصل على شيء، صرنا نقلّل عدد الوجبات اليومية حتى تكفي المواد القليلة التي نحصل عليها، بينما يكتفي الكبار بالقليل، حتى لا ينام الأطفال جائعين".
وتقول سمية حامد (42 عاماً) لـ" العربي الجديد": " يستيقظ أطفالي مذعورين مع أيّ صوت مرتفع، ويعتقدون أن القصف عاد من جديد، لا يقوون على النوم بهدوء، وحتى أثناء اللعب تبدو عليهم علامات الخوف والقلق، الحرب لم تسرق بيوتنا فقط، بل سرقت طفولتهم أيضاً".
وتزداد معاناة أسرة سمية مع استمرار تعطل ملف إعادة الإعمار، في ظلّ منع إدخال مواد البناء وعدم وضوح آلية شاملة لإعادة بناء ما دمّرته الحرب، وتضيف سمية: " كل ليلة نخشى أن ينهار السقف فوق رؤوسنا، لكننا لا نملك مكاناً آخر نذهب إليه، نسمع كثيراً عن إعادة الإعمار، لكن الواقع لم يتغيّر، وما زلنا ننتظر أن نعيش حياة طبيعية من جديد".
وبالتوازي مع الأزمة المعيشية، يواصل القطاع الصحي انهياره، في ظلّ النقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية، وخروج عدد من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، فيما تعمل المرافق المتبقية بإمكانات محدودة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات.
وتزداد معاناة آلاف المرضى والجرحى مع استمرار إغلاق المعابر، إذ ينتظر أكثر من 21 ألف مريض وجريح السماح لهم بالسفر لاستكمال علاجهم خارج القطاع، بعدما أكدت تقاريرهم الطبية أنّ العلاج غير متوفر في غزة، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل العمل بآلية محدودة تسمح بخروج أعداد قليلة جداً من المرضى، وهو ما يفاقم المخاطر على أصحاب الحالات الحرجة.
ويقول الجريح محمد السرحي (35 عاماً): " كل التقارير الطبية تؤكد أنني بحاجة إلى العلاج خارج غزة، لكنّني ما زلت أنتظر منذ أشهر، الإصابة تزداد تعقيداً، وكل يوم تأخير يعني تراجعاً في فرص شفائي.
صرنا نشعر أنّ انتظار السفر معركة أخرى نخوضها بعد الحرب".
ويحذّر السرحي من أنّ استمرار نقص الأدوية ومنع السفر يهدّد حياته وحياة آلاف الجرحى والمرضى، ولا سيّما أصحاب الأمراض المزمنة، في وقت يواجه فيه القطاع الصحي تحديات كبيرة بسبب الإمكانيات المحدودة وإغلاق المعابر في وجه الأدوية والمستهلكات الطبية.
لم تتوقف آثار العدوان عند حدود الدمار المادي، بل امتدت إلى مستقبل جيل كامل حُرم من حقه الطبيعي في التعليم، فقد تعرضت مئات المدارس والجامعات للتدمير أو الأضرار، فيما تحولت مدارس أخرى إلى مراكز لإيواء النازحين، الأمر الذي تسبّب في تعطيل العملية التعليمية لفترات طويلة، وأجبر الطلاب على الدراسة في ظروف استثنائية تفتقر إلى أبسط الإمكانات.
ويقول الطالب أحمد عيسى (16 عاماً) إنّه لا يعيش الحياة الطبيعية للطلاب منذ بداية الحرب، ويضيف: " كنا نحلم بالنجاح ودخول الجامعة، لكننا اليوم نبحث عن مكان هادئ نقرأ فيه أو حتى كتاب لم تمزّقه الحرب".
ويضيف عيسى لـ" العربي الجديد": " أشعر أنّ مستقبلي يتبخّر يوماً بعد يوم، الحرب لم تدمّر المدارس فقط، بل سرقت منا سنوات من التعليم ومن الأحلام التي كنا نرسمها لأنفسنا".
فقد تركت حرب الإبادة آثاراً نفسية عميقة لدى الأطفال والنساء وكبار السن، بعدما فقد آلاف الفلسطينيين أفراداً من عائلاتهم أو منازلهم أو مصادر رزقهم، بينما لا يزال كثيرون في غزة يعيشون صدماتٍ متكررة نتيجة استمرار القصف والخوف الدائم من تجدّد العمليات العسكرية، وسط محاولات يومية للتأقلم مع جحيمٍ فرضته الحرب، ومساعٍ للتمسّك بالأمل، رغم قسوة الظروف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك