في واحدة من أكثر التسريبات إثارة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن مخطط إسرائيلي لاستهداف شخصيات إيرانية بارزة تتصدر مسار التفاوض مع واشنطن، في مقدمتها وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
وتسلط هذه المعلومات الضوء على جانب خفي من الصراع الإقليمي، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على الضربات العسكرية، بل امتدت إلى معركة استخباراتية تهدف إلى إفشال أي فرصة للتقارب بين الولايات المتحدة وإيران، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار المنطقة بأكملها.
مخطط لاستهداف أبرز وجوه التفاوضبحسب المعلومات المتداولة، رأت إسرائيل أن المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران تمثل تهديدا مباشرا لاستراتيجيتها الأمنية، خاصة أنها قد تفتح الباب أمام تخفيف العقوبات على إيران وإعادة دمجها تدريجيا في الاقتصاد الدولي، لذلك ركزت الخطط على شخصيات تعتبرها تل أبيب ركائز أساسية في أي اتفاق مرتقب، وفي مقدمتها عباس عراقجي، أحد أبرز مهندسي الاتفاق النووي السابق، ومحمد باقر قاليباف الذي يجمع بين النفوذ السياسي والخبرة العسكرية داخل مؤسسات الدولة الإيرانية.
ووفقًا للتقارير، كان الهدف يتمثل في توجيه ضربة لمسار التفاوض نفسه، وإيصال رسالة بأن أي تقارب أمريكي إيراني سيظل عرضة للإفشال.
جاءت هذه الخطط في سياق الحرب التي اندلعت في فبراير ٢٠٢٦، عندما تعرضت إيران لضربات واسعة استهدفت قياداتها السياسية والعسكرية، ومنذ ذلك الحين، اتجهت إسرائيل إلى سياسة تقوم على استهداف الشخصيات المؤثرة داخل النظام الإيراني، معتبرة أن إضعاف القيادة يمثل وسيلة أكثر فاعلية من المواجهة العسكرية التقليدية.
وتشير التقارير إلى أن عددا من المسؤولين الإيرانيين الذين لعبوا أدوارا في الاتصالات مع واشنطن كانوا ضمن قائمة الأهداف خلال الأشهر الماضية، وهو ما يعكس طبيعة الصراع الذي بات يجمع بين العمليات العسكرية والعمل الاستخباراتي في آن واحد، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي.
واشنطن تتحرك لمنع التصعيدفي المقابل، أظهرت التقارير أن الإدارة الأمريكية لم تؤيد هذا التوجه، بل مارست ضغوطا على إسرائيل للحيلولة دون تنفيذ عمليات الاغتيال.
ورأت واشنطن أن استهداف المفاوضين الإيرانيين في هذا التوقيت كفيل بنسف المحادثات بالكامل، وإغلاق الباب أمام أي تسوية سياسية يمكن أن تخفف من كلفة الحرب وتحد من المخاطر التي تهدد الملاحة الدولية وأمن الطاقة، خصوصا في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
ويكشف هذا الموقف عن تباين واضح بين رؤية الإدارة الأمريكية الساعية إلى احتواء الأزمة، والرؤية الإسرائيلية التي تفضل استمرار الضغط على طهران حتى لو أدى ذلك إلى توسيع دائرة الصراع، وفقا لصحيفة فاينانشال تايمز.
ماذا لو نفذ المخطط الإسرائيلي؟يرى المراقبون أن تنفيذ مثل هذه العمليات كان سيقود على الأرجح إلى مواجهة إقليمية أوسع، إذ كانت إيران ستعتبر اغتيال كبار مسؤوليها السياسيين عملا حربيا مباشرا يستوجب الرد.
كما كان من شأن ذلك أن ينسف جهود الوسطاء الدوليين، وفي مقدمتهم باكستان وقطر، ويقوض فرص تثبيت أي وقف لإطلاق النار أو استئناف المفاوضات، كذلك كان سيضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة، بين التزامها بأمن إسرائيل ورغبتها في تجنب الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، وفقا لصحيفة الجارديان البريطانية.
تكشف هذه التطورات أن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب لا يقتصر على تفاصيل المفاوضات، بل يمتد إلى الرؤية الاستراتيجية لمستقبل المنطقة، ففي حين ترى الولايات المتحدة أن التوصل إلى اتفاق قد يحقق قدرًا من الاستقرار ويحد من التصعيد، تنظر إسرائيل إلى أي تفاهم مع إيران باعتباره مكسبًا استراتيجيًا لخصمها الأول، وترى أن استمرار الضغوط السياسية والعسكرية هو الخيار الأكثر أمنًا بالنسبة لها.
التداعيات على العلاقات الأمريكية الإسرائيليةكما أعادت هذه التسريبات فتح باب النقاش بشأن طبيعة العلاقة بين الحليفين التقليديين، فاستمرار إسرائيل في اتباع سياسات قد تتعارض مع المسار الذي تتبناه واشنطن يثير تساؤلات داخل الأوساط السياسية الأمريكية حول حدود التنسيق بين الجانبين، خاصة في ظل الضغوط المالية والعسكرية التي فرضتها الحرب، وارتفاع كلفتها على الإدارة الأمريكية.
وحذرت التقارير من أن أي تصعيد غير محسوب قد يدفع واشنطن إلى إعادة تقييم بعض جوانب تعاونها مع تل أبيب إذا أصبح ذلك ضروريا لحماية مصالحها الأوسع في المنطقة، كما يرجح موقع بوليتيكو.
في المقابل، يرجح خبراء أن تستثمر إيران هذه المعلومات لتعزيز موقفها السياسي داخليا وخارجيا، عبر التأكيد أن إسرائيل تعمل على إفشال أي مسار تفاوضي مهما كانت الضمانات الدولية.
كما قد تمنح هذه التسريبات زخما للتيار المتشدد داخل النظام الإيراني، الذي لطالما حذر من أن تل أبيب لن تسمح بأي اتفاق مع الولايات المتحدة، وهو ما قد يزيد من تعقيد فرص التوصل إلى تفاهم دائم بين الطرفين، وفقا لموقع ميدل إيست آي.
تكشف هذه التسريبات أن الصراع بين إسرائيل وإيران دخل مرحلة أكثر تعقيدا، تتداخل فيها العمليات العسكرية مع الاغتيالات والحروب الاستخباراتية والمعارك الدبلوماسية.
وبينما تواصل واشنطن البحث عن مخرج سياسي يخفف من تداعيات الحرب، تبدو إسرائيل مصرة على منع أي اتفاق يمنح إيران فرصة لاستعادة قوتها، وهكذا يبقى مستقبل المفاوضات معلقا بين رهانات التسوية من جهة، وحسابات القوة والردع من جهة أخرى، في مشهد مرشح لمزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك