تخيلوا أن تحتشد مظاهرة ويرفع الناس شعارا يدعو إلى إعدام مثقف.
تخيلوا أن الرجل نفسه يتعرض بيته إلى اعتداء، وتنفجر بالقرب منه قنبلة.
تخيلوا أن تحتشد آراء عشرات الآلاف من الأشخاص في بلد واحد من أجل سجن ذلك الرجل.
يبدو المشهد مرعبا، ويزرع القلق في القلوب، لأن الأمر لا يتعلق بمجرم ولا بواحد من قطاع الطرق، ليس شخصا اختلس مالا أو أزهق روحا، بل الأمر يتعلق بكاتب، بفيلسوف، بواحد من الأسماء التي صنعت السيرة الفكرية للإنسان في النصف الأول من القرن العشرين، ونقصد بهذا جان بول سارتر (1905-1980).
ولكن كيف تحول سارتر، في واحدة من لحظات حياته، إلى الشخصية الأكثر تعرضا إلى هجمات متطرفة؟ كيف انقلب عليه الرأي العام، وهو الذي قاد مسيرة في الأنوار وفي تحرير العقل؟ السبب لا يعود إلى سلوكياته، أو أنه أجرم، بل وصل إلى ما وصل إليه نظرا إلى كتاباته، لأنه أبدى رأيا، تعرض إلى محاكمة شعبية لأنه كتب، وهي كتابات وآراء تصب في الدفاع عن الجزائر زمن الاستعمار، في الدفاع عن الجزائريين وعن حقهم في الكرامة والاستقلال.
تبنى كتابات في نقد الآلة الكولونيالية وفي تفكيك رؤاها، في فضح ممارساتها وفي نقد سياستها، في الاعتراض على التعذيب، وفي دعوة الجزائريين إلى حمل السلاح ضد الاستعمار.
لقد انخرط في الدفاع عن الجزائر في زمن كانت فيه البلاد تعد من الملفات الحساسة في الشأن الداخلي الفرنسي، كانت الجزائر تُعتبر فرنسية في السردية الاستعمارية، في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي.
في تلك الأثناء انحاز جان بول سارتر إلى المنطق، راهن على إنسانيته وعلى مبادئه، لم ينحز إلى لعبة المثقف الذي يمتثل للسلطة من أجل قضاء مصلحته، بل تقمص دوره في الدفاع عن الحق، انحاز إلى الجزائريين، إلى المضطهدين، بما يتعارض مع الخطاب السائد في بلده، بالتالي فقد جاهر بصوته ونشر مقالاته في مجلة «أزمنة معاصرة»، ورغم حملات الكراهية التي تعرض لها وكادت أن تصل إلى المساس بحياته، وجد من يقف إلى جانبه، وللمفارقة أن رئيس فرنسا بنفسه شارل ديغول من وقف إلى صفه، وأطلق جملته الشهيرة عام 1961: «نحن لا نسجن فولتير»، وقصد منها أن بلده لا تسجن مفكرا، لا تسجن كاتبا أو مثقفا لمجرد أنه عبّر عن رأي يتعارض مع رأيها، فقد شبه جان بول سارتر بفولتير.
صرح ديغول بأن الرأي يواجه بالرأي، أن الكلام يواجه بالحجة، لا بالسجن أو التخويف والترهيب.
لقد فضح سارتر التعذيب الذي مارسته السلطات الكولونيالية في الجزائر، كشف أفعالها وصاحب منظري الاستقلال، فتح لهم الباب في مجلته التي تعرضت إلى المنع أكثر من مرة.
بين 1956 وإلى غاية استقلال الجزائر في 1962، كرّس سارتر جهده من أجل المسألة الجزائرية، ورأى النار تندلع في شقته الواقعة في شارع بونابرت، من غير أن يتنازل عن موقفه، رأى الجموع وهي تتكالب عليه من غير أن يتراجع.
ألا يحق أن نعتبره من مناضلي حرب التحرير؟ لأنه شارك في توصيل صوتها إلى الرأي العام، ثم تعرض إلى سوء الكلام وإلى التخوين، لكنه لم يتعرض إلى الإلغاء من أعلى الهرم في السلطة، بل فضّل ديغول أن يصغي إليه، أن يتيح له الحق في الكلام وفي المعارضة الفكرية، لأن البلاد التي تقصي مثقفيها لا تستحق أن ترفع مرة أخرى شعارات الحرية.
انتصر ديغول لروح فرنسا ودافع عن مثقف، بما أتاح أن تهدا العاصفة وينجو سارتر من لهيب الغاضبين.
لم تعترض السلطة طريقه، بل دعمت صوته، لأن البلاد التي تتناغم فيها الأصوات كلها، ولا تصغي إلى من يختلف معها، لا يلائمها أن ترفع شعار الديمقراطية.
انقضت أربع سنوات على تلك الأزمة، ثم حصل جان بول سارتر على نوبل للأدب، رفض تسلمها لكنها ظلت باسمه، هكذا استعاد التاريخ مجراه وانتصر له، وأثبتت السلطة الفرنسية، أنها كانت على حق عندما دافعت عنه.
لنتخيل الوقائع من منظور عكسي.
في حال ساير ديغول الرأي المهيمن، ورضي بكلام الجموع وسجن سارتر.
كانت القضية ستتحول إلى فضيحة.
أن تسجن فرنسا كاتبا فذلك يتعارض مع قيمها، أن تسجنه لا لسبب سوى أنه تمسك بمبدأ الدفاع عن المضطهد، وأنه انضم إلى حرية الشعب الجزائري.
لذلك تصرف ديغول بمنطق حافظ على روح الجمهورية، في معارضة الجموع الناقمة والغاضبة من مثقف.
لأن الأغلبية لا تعني بالضرورة الحقيقة.
ولأن الدفاع عن كاتب أو مثقف يعني الدفاع عن روح الوطن.
كان بوسع رئيس فرنسا أن يغض الطرف ويمشي في مجرى الجموع، أن يحاكم سارتر باسم القانون، بحجة أنه تدخل في قضية تمس الأمن الداخلي، لكنه عارض نزواته ومال إلى العقل، الذي يتيح للمثقف الحق في التعبير وفي الاعتراض عن الجماعة الحاكمة.
فالسلطة عندما تصغي إلى من يتعارض معها فإنها تزداد قوة ومصداقية في أعين الناس.
من السهل أن ننتقم من كاتب، أن نتطاول عليه أو نشوه سمعته، فالكاتب أعزل، لا يملك أنيابا سياسية ولا حزبا يدافع عنه، لا يملك أنصارا لأنه لا يلوح بوعود كاذبة للآخرين، لا يمتلك سلاحا وليس مرتبطا بمصالح أجنبية، لا يمتلك عدا الضمير والكتابة والمبدأ، وفي بعض الأحيان تشعر السلطة بحرج ليس ممن يعارضها، بل ممن يتمسك بالمبدأ في تصحيح أخطائها.
لكن شارل ديغول أدرك أن الحشود تسيرها العاطفة، بينما الكاتب يتعقب أثر المستقبل، يريد أن يسير ببلده إلى الأمام لا أن يبقى محبوسا في الماضي.
لقد كان جان بول سارتر محظوظا أن وجد في مواجهته رئيس بلد يؤمن بالكلمة، لأن في أمكنة أخرى وإن تجرأ كاتب على فعلته فسوف ينتهي به الأمر خلف القضبان.
وبعد انقضاء كل هذه العقود، وبعد أن كاد سارتر أن يدفع حياته في الدفاع عن قضايا الحرية والكرامة والاستقلال، فإن اسمه صار خافتا في الجزائر، بالكاد نتذكره، بالكاد نؤمن بوقفته إلى جانب التاريخ الصواب.
لكنه علم الآخرين درسا، أن المثقف لم يُولد كي يرضي السلطة أو يسير في فلكها، بل وُلد كي يتمسك بعصا المبدأ، وإن انقلبت عليه الجموع، فلا بد للسلطة نفسها والقوانين أن تدافع عنه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك