لا بأس، بقصد الخروج من إرهاقات اللحظة اللبنانية الراهنة، و»حوار الطرشان» الذي لا يُرتجى عنه فراق، بالرجوع قليلا الى الوراء… إلى عام 155 قبل الميلاد.
تنامت سطوة الجمهورية الرومانية يومها على الحوض المتوسط، وبخاصة بعد تقويضها لمملكة مقدونيا.
في ظل هذا التبدل الإقليمي والعالمي الشامل، بمقاييس ذلك الوقت، فرض مجلس الشيوخ الروماني غرامة مالية باهظة على المدينة – الدولة الأثينية عقابا لها على نهبها مدينة مجاورة لها، فما كان من أثينا الا أن جردت وفدا تفاوضياً من نوع خاص ليحاول تخفيف الغرامة المرهقة: سفارة من ثلاثة فلاسفة، من طوائف فلسفية ثلاث، شكاك، ورواقي، ومشائي.
انبهرت الطبقة الأرستوقراطية الرومانية من خطابات هذا التشكيل.
كارنياديس الشكوكي أقام الأسانيد لفضيلة العدالة ذات مساء، ونقضها في اليوم التالي.
أما ديوجين البابلي، الرواقي، فجسّد على العكس، عمق الارتباط بين القيم التي يحملها وبين سلوكه ووقاره كشخص، وعلّم الرومان أن الدقّة في التعبير تعكس الدقة في التفكير، وأن الأخلاق ليست عائقاً أمام السياسة، بل شرط استقرارها.
بالنسبة إلى مدينة كروما، وجدت نفسها بشكل متسارع، على رأس امبراطورية متوسطية شاملة، سيقدم الفيلسوف الرواقي النموذج الأكثر جاذبيا «للمواطن الكوني»، وستتحول الرواقية شيئا بعد شيء الى المذهب الفلسفي «شبه الرسمي» للدولة.
إنما في افتراق عنه، قدّم رأس المدرسة المشائية آنذاك، وعضو الوفد كريتولاوس زبدة مذهبه، من أن الفضيلة وحدها لا تكفي لنيل السعادة، فلا مناص من مزاوجتها مع الاحتياجات الطبيعية، وأدخل كريتولاوس هاجس استدامة النظام السياسي إلى عقول الرومان، حين دافع عن فكرة أن المدينة هي النسق الطبيعي للاجتماع البشري، وروما باستبدادها بالمدن المتوسطية واستتباعها تنافي الطبيعة.
المغلوب عسكريا وسياسيا، أثينا، استطاع بفلاسفة ثلاثة من مدارس متزاحمة ومتعارضة إحداث البلبلة الفكرية في أروقة مجلس شيوخ روما، بين محافظين خائفين على هوية رومانية محتفية بالبساطة والصلابة، وبين منبهرين بالثقافة الإغريقية، لغة وفلسفة وأدبا ومحاكاة لطرائق المعاش.
يفصلنا اثنان وعشرون قرناً عن هذه البادرة الديبلوماسية الأثينية إلى تسيير سفارة من ثلاثة فلاسفة إلى روما بهدف تحسين شروط التفاوض مع مجلس شيوخها وإبهار النخبة الحاكمة فيها، وبالنتيجة، نقل «العدوى اليونانية»، العدوى الفلسفية إلى الرومان.
لا وجه للشبه في كل هذا مع مصائر الديبلوماسية في عالم اليوم، ولو أنّ نموذج «الديبلوماسي – الفيلسوف» لم ينعدم في الأزمنة الحديثة.
أما الخلفية الفكرية، بل الفلسفية، للصراعات، فهذه كثيرا ما تطمس في دروس «فن التفاوض» أكثر من اللزوم.
قلما يحصل التفاوض على الأرضية القيمية نفسها، وأن لو أنه يمكن أن يحدث بين من يعرف أين مربط خيله في عالم الأفكار، وبين من يعتبر الأفكار مشغلة لا دخل لها بالواقع من قريب أو بعيد.
فالفيلسوف توماس ماتساريك مارس «ديبلوماسية الظل» في سني الحرب الكبرى لإقناع «الحلفاء» بأهمية تفكيك الإمبراطورية النمساوية الهنغارية وإنشاء دولة موحدة للتشيك والسلوفاك سرعان ما ترأسها.
هنري كيسنجر، بخلطة مختلفة، انطلق من أطروحة في فلسفة التاريخ جمع فيها بين نظرة هيغلية لعالم في حالة صراع قوى لا ينتهي إنما لا يخرج عن دائرة المعقولية، وبين إعادة استدعاء المستشار مترنيخ، مهندس أوروبا ما بعد انقضاء عهد الحروب النابليونية، بوصفه الرمز الشاخص لأولوية خلق نظام من التوازنات على نشدان العدالة.
لكن أن تبعث سفارة من السفراء للمفاوضات فهذا لم يعد في البال، فقد تراجع نسبيا زمن «الديبلوماسي – المتبحر»، ويذكر في هذا المجال مصطفى رشيد باشا، مهندس التنظيمات العثمانية، وهو من صاغ خط كولخانه الشريف 1839 بما تحمله من رؤية إصلاحية، تعاقدية، للسلطنة العثمانية، تخرجها من حكم الاعتباط، لصالح بلورة منظار شرعية مركبة وممأسسة.
قبل تدشين زمن الإصلاحات، كان مصطفى رشيد سفيرا للأستانة في كل من باريس ولندن.
يبتعد عنا زمانه، ولو لم ينعدم «السفراء – المثقفون»، لكن التنكوقراط فيهم غالب.
وفي السنوات الأخيرة، وتحديدا في متعلقات الشرق الأوسط، أخذت ديبلوماسية الأمنيين تحل بدل ديبلوماسية الديبلوماسيين أنفسهم، والأمنيون مؤهلون أكثر لإدارة النزاعات المزاجية، المحتبسة تارة، المتفجرة تارة، في حين يتطلب السير قدما في تحويل النزاعات، وصولا الى تجاوزها، نوع من الديبلوماسية أكثر قدرة على الذهاب الى حيث منازعة السرديات، وكيفية اجتناب أن لا يؤدي الاختلال في موازين القوى إلى فرض فوقي، تعسفي، لسردية، على أخرى، وعلى حساب كل هامش للتفاوض بين سرديات مختلفة.
حال لبنان في كل هذا هي كحال من أطال تجاهل ما يجول في المجتمع المواجه له، إسرائيل من أفكاركان شمعون بيريز يقول بأن «السلام هو أمر تصنعه مع عدوك»، لكن حتى هذه لم يعد مسلما بها في مفاوضات هذه الأيام.
ففي مسار المفاوضات المباشرة اللبناني الإسرائيلي مثلا يصير السلام بين حكومة لبنانية مشتكية من أنشطة حزب الله الذي له موطئ قدم في داخل هذه الحكومة وبين إسرائيل صاحبة التوجه الاجتثاثي لعسكر الحزب، من دون أن يكون معلوما أين كانت المشكلة بين لبنان وإسرائيل قبل ظهور حزب الله، وقبل مجيء منظمة التحرير.
هذا في وقت يكثر فيه ذكر أن مسار السلام بين البلدين «لا رجعة فيه» من الآن فصاعدا.
لكن، في مقابل صولات وجولات «الديبلوماسية الأمنية» تلفت مصادفة وجود «ديبلوماسي – فيلسوف» هو هذه المفاوضات بالتحديد، عنينا السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر، وهو رجل دين من قادة الحركة الاستيطانية في الضفة الغربية منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ليتر أمريكي في الأصل.
لم يهاجر الى إسرائيل إلا وعمره ثمانية عشر عاما، وكان بمثابة وزير خارجية مجلس مستوطني الضفة، حيث أقام في حي أدومات يشاري الاستيطاني في قلب مدينة الخليل.
ليتر، الذي سبق له أن أصدر عام 1993 كتابا تخوينيا لإسحق رابين ومستهجنا لاتفاق أوسلو له أطروحة هامة في الفلسفة السياسية، بعنوان «فلسفة جون لوك السياسية والكتاب المقدس العبري».
يلحظ يحيئل ليتر أن العهد الجديد شبه غائب من كتاب لوك «رسالتان في الحكومة المدنية» في مقابل كثرة الاستشهاد بالعهد القديم، ليبالغ في رد العقد الاجتماعي عند لوك الى «العهد» التوراتي، غير آخذ بالحسبان أن مدعاة اللجوء إلى الكتاب المقدس عند لوك ارتبط بسياق سجالي في مواجهة دعاة الحق الالهي المطلق للملوك.
لكن ليتر بالنتيجة، حوّل لوك إلى باعث ليبرالية عبرانية محافظة تحصينية للذات، وغير مضطرة فيها الدولة الى التعامل بالمثل مع سواها، وهو ينظر الى إسرائيل الحديثة على أنها تجسيد لهذا المنظار.
وبما أن ليبرالية لوك كانت سوغت مصادرة الأراضي ممن لا يحسن استثمارها، وجد الاستيطاني ليتر في هذا ضالته.
في حالة ليتر إذا، نحن حيال ديبلوماسي يدرك تماما على أي أرضية فكرية وأيديولوجية يقف.
ويعني ذلك أن التفاوض بين لبنان وإسرائيل لا ينعدم فيه التوازن الاستراتيجي فقط، بل هو انعدام توازن يتزاوج فيه الأمني بالفلسفي.
بالطبع، المؤسسة الإسرائيلية لا تختزل إلى فكر ليتر وظاهرته، لكنه يقدم تكثيفا أيديولوجيا غير عرضي لها.
التأويل «العبراني» لجون لوك على طريقة ليتر يقول لنا إنه ليس لإسرائيل «حدود خطية» من الآن فصاعدا، بل منطقة حدودية تخومية تزيد عن عشر مساحة لبنان.
في منطق لوك، الأرض التي لا تخضع لـ «التحسين» تظل فاقدة للسيادة الكاملة أو الشرعية.
في منطق ليتر، إذا كان لبنان لا يمارس سيادة أمنية وتنموية تستحيل هذه الأرض تخوماً مفتوحة للاقتطاع «التجريبي» أو للسيطرة الأمنية الدائمة.
وحال لبنان في كل هذا هي كحال من أطال تجاهل ما يجول في المجتمع المواجه له، إسرائيل من أفكار.
لعمرها، لم تشغل الفلسفة الإسرائيلية المعاصرة المثقفين اللبنانيين، خلافا لبعض نتاجات الأدب العبري.
لكن فكر يشعياهو ليبوفيتز مثلا، المتدين الذي ميز بين العلم الذي يفسر الكيف والدين المعني بـ»لماذا»، والذي أدان احتلال أراضي 1967 كونه يفسد روح الشعب اليهودي، والذي وجه سهام نقده ضد «وثنية الأرض» والذي عزم حتى إسحق رابين على حرمانه من جائزة الدولة حين نالها، وفكر يرمياهو يوفيل الباحث في الأنوار اليهودية أصلها وفصلها، والحنان ياكيرا وموشيه هاليبرتال وآخرين، بقيت بحكم «اللامبالى به» لبنانيا كما عربيا، الى أن جاءهم أقصى يمين الطيف الفلسفي في إسرائيل، ليتر، مفاوضاً يُملي وتجري تهجئة الحروف أو التفتيش عن رذاذات التباسات يمكن تأولها من بعده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك