هذا كتاب للمهندس والكاتب جلال مقلد، أحد شباب الحركة الطلابية في أوائل السبعينيات وخلالها.
أحداثه عشتها كله، ولا يأتي تقريبا اسم من أعلام هذه الحركة، إلا وكان له في روحي مقام كبير.
الكتاب في الأصل صفحة على فيسبوك بعنوان «حبسة 73» قرر الكاتب أن يجمعها في كتاب ويضيف إليها.
الكتاب جزءان كبيران.
الأول بعنوان» رحلة في سجون جيل السبعينيات» في حوالي مئتي صفحة، والثاني بعنوان «ما بعد الإفراج» في حوالي مئة وثمانين صفحة».
على الغلاف الخلفي كلمات قصيرة رائعة عنه، لكل من الكتاب محمد المخزنجي وفتحي أمبابي ومحمود الدسوقي.
للكتاب أكثر من مقدمة قصيرة، كتبها كل من السيد نصر الدين السيد، الأستاذ الآن في جامعة كونكورديا في كندا، والمؤلف المهندس جلال مقلد، والكاتب والصحافي أسامة الرحيمي.
الكتاب صادر عن دار إضاءات في حوالي أربعمئة صفحة، وعنوانه «شتاء القضبان.
وربيع الترقب».
تبدأ في قراءة الكتاب فتجد نفسك وسط تاريخ حقا، لكن مع صور أدبية قصصية أيضا، ودراما تجسد لك الأحداث.
تبدأ بواقعة القبض عليه من المنزل في الإسكندرية، وكان طالبا في كلية الهندسة، في فجر التاسع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول عام 1972.
كانت تلك سنوات الغليان بعد أن أعلن السادات عام 1971 عاما للحسم ضد إسرائيل، ثم في العام التالي قال إنه عام الضباب، بسبب الحرب بين الهند وباكستان، فتعطل الحسم وانفجرت الحركة الطلابية في الجامعات كلها والنقابات.
مع القبض على الكاتب تجد صورا لما حدث من الضباط وبالأسماء.
الجيد منهم وغير الجيد في تفتيش البيت، وأخذه إلى مقر أمن الدولة في منطقة الفراعنة، وهو المقر الذي عبر عليه كل من كان له دور سياسي في الجامعة، وكنت منهم وكتبت عن ذلك كله.
كنت في كلية الآداب، ولم يكن نشاطنا يزيد عن مجلات حائط، وليس في عنفوان نشاط طلبة كلية الهندسة مثلا، لكنا جميعا عبرنا على المكان.
انتظرت أن يأتي اسم من قام بالتحقيق معي، لكن جاءت أسماء أخرى كثيرة.
أما أنا فلا أنسى اسمه عبد الهادي السيد، وكان رقيقا جدا في التحقيق، ولا أنسى إنه جاء إلى عملي في الترسانة البحرية في الإسكندرية في يناير/كانون الأول 1973 ليتم القبض عليْ، حيث كنت أعمل وأدرس في الكلية معا، لكن رئيس مجلس الإدارة منعه، وكان ضابطا من الجيش، ممن تعلموا أثناء الفترة الملكية.
خلال حديث جلال مقلد نعرف من تم القبض عليهم، وأسماء مثل طارق يوسف وتيمور الملواني وحسني عبد الرحيم من كلية الهندسة في الإسكندرية وأحمد عبد الله رزة من القاهرة وغيرهم.
كنت أقرأ وأعيش ما مضي فكل منهم يحتاج إلى كتاب.
بعد ذلك يتم نقله مع آخرين إلى سجن القلعة في القاهرة.
في كل سجن سيأتي وصف لبنائه وأقسامه، وكيف كانت تتم التحقيقات بتفاصيل رائعة.
ما حدث من الضباط والمخبرين ووكلاء النيابة في حالات امتناع المتهمين عن الحديث، لأنه لا يوجد محامٍ معهم.
الطعام وأشكاله.
كيف كان طعام السجون، والطعام الذي يأتيهم من الخارج، وكيف كانوا يتقاسمونه.
السجائر التي كانت بديلا ماديا، يعطونه للسجناء الجنائيين، للحصول على أشياء منهم مثل الشطرنج.
أسماء من غير الطلاب مثل الشاعر أحمد فؤاد نجم والشاعر فؤاد قاعود وحتى المحامي نبيل الهلالي، الذي كان معتقلا وقتها والصحافي سعد هجرس.
كيف تركوا سجن القلعة بعد حوالي شهر، وتم توزيعهم على سجون كالقناطر والاستئناف.
كيف كانوا في سجن القلعة ينادون من النوافذ، معلنين رفضهم لتحقيقات من دون محامين، وإضرابهم عن الطعام.
كيف سبب ذلك إرباكا للأمن ومحاولة القضاء عليه.
لم تكن حبسة 1973 هي الأولى للطلبة.
سبقها عام 1972.
وسبقتها مظاهرات الاحتجاج عام 1968 على أحكام قادة الطيران الذين تسببوا في هزيمة 1967 وكيف تم التعامل مع هذا كله.
يسجل أنواعا من البلاغات، التي تم تقديمها من مباحث أمن الدولة إلي النيابة في الطلاب في نهاية عام 1972 ومن قدموها من الضباط.
كيف كان من بينهم طالب في الثانوي العام، وكان ذلك حافزا للشاعر أحمد فؤاد نجم أن يكتب قصيدته» صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر» كثيرة الأغاني الفولكلورية والقصائد، تأتي في أيام الاعتقال لنجم وفؤاد قاعود ومحمد سيف وزين العابدين فؤاد وغيرهم.
في سجن القناطر تأتي ذكري محمود السعدني، الذي دخله مع غيره ممن انقلب عليهم السادات عام 1971 في ما سماه مراكز القوي، وما خلفته الحبسة في كتاب محمود السعدني «مذكرات الولد الشقي في السجن»، عنابر سجن القناطر بالتفصيل، والحوش الذي فيه ملاعب كرة، والمستشفى الصغير الملحق به.
كيف جوار السجن عزبة السجانة، وهي مكان بائس يقيم فيه عسكر وشاويشية السجن.
سجن النساء القريب.
أسماء الضباط والشاويشية لا تنتهي، والعلاقة مع الجنائيين، وكيف يعيش بعضهم في رغد.
يشغل الحديث عن أحمد فؤاد نجم مساحة طيبة، وكيف يكتب أشعاره ويخفي في « دكة اللباس»، القلم الجاف الذي سيكتب به شعره، على علب السجائر.
الحوارات بين المعتقلين والخلافات التي تنتهي بسرعة.
وهكذا أنت مع حياة كاملة بكل تجلياتها.
طبعا يحتل الإضراب عن الطعام مساحة كبيرة، خاصة حين لا تتحقق مطالب السياسيين.
كيف يتم فك الإضراب.
ردود الأفعال في الخارج على هذه الاعتقالات، ومنها البيان الشهير باسم توفيق الحكيم، الذي أصدره الأدباء تضامنا مع المعتقلين، وكيف فصلهم السادات من أعمالهم.
كيف بدأ عام 1973 بالقبض على حوالي أربعمئة من قادة الحركة الطلابية والنقابات المهنية والعمالية، الذين سماهم السادات «بالأفندية وكتَّاب العرائض والسخائم والرزالات»، القوائم التي تم فصل أصحابها، وتجريدهم من عضوية الحزب الوطني، التي هي مفتاح العمل، وأسماء لا تنسى مثل محسنة توفيق وأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل وسامي السلاموني وفريدة النقاش وحسين عبد الرازق ولطفي الخولي وصلاح عيسى وغيرهم.
الحياة العامة داخل السجن وكيف ينامون على الأرض والبطاطين القديمة، وماذا يأكلون.
جلسات المحاكمات والزيارات التي لا تخلو من الطرائف.
أحاديث رائعة عن لقائه بالكاتب محمد المخزنجي، وفنانين تشكيليين مثل السيد عبد المنعم دحروج، وعادل حنا جرجس، ورسوماتهم على حوائط الزنازين، أو تماثيل أبدعوها من قطع الصابون، واستطاعوا تهريبها إلى الخارج.
عشت صفحات وأيام مع كمال خليل صاحب الهتافات التي لا تُنسى، تنطلق من عربة الترحيلات، أو من العنبر، أو عند وداع من تم الإفراج عنه.
عشت ذلك مع كمال خليل حين تم القبض علينا عام 1985 لأننا كنا ضد التطبيع مع إسرائيل.
ما أشير إليه هنا غيض من فيض.
من أبرز ما فيه أيضا الحديث عن حركة الأمهات، أو ما أطلق عليها «الثورة السوداء» لأنهن كن يرتدين ملابس سوداء في مظاهراتهن من أجل أبنائهن، أو زيارتهن للمسؤولين أو للنقابات، ورجال الفكر ورموز المجتمع.
ومشاهد مختلفة من هذه التحركات.
نمشي مع حركات الإفراج.
من أُفرِج عنهم ومن استمروا.
هكذا لننتقل إلى الجزء الثاني بعنوان «ما بعد الإفراج» تاريخ وتجسيد لما جرى في مصر بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول، ومن أبرزه مظاهرات عام 1977.
تتكرر الأسماء وأسماء أخرى مثل الصحافية إكرام يوسف.
حديث عن التحالف مع السادات والإخوان المسلمين.
تقفز شخصيات مثل خيرت الشاطر الذي كان في هندسة الإسكندرية أثناء مظاهرات 1968 وكيف تغير قناعه وقناعته من الأناركية إلى الإخوان المسلمين، وتمشي معه حتى بعد ثورة يناير/كانون الثاني.
ما جرى بعد السادات، وظهور الفساد مع رجال لجنة سياسات مبارك مثل أحمد عز، وحديث عن كيف استولى على مصنع حديد الدخيلة بشكل غير قانوني، وغير ذلك مما كان ترقبا للربيع العربي.
تنتهي من الكتاب الذي أقام تاريخا حولك، يعرف من عاشه مثلي، ويندهش من لم يعشه من براعة الحكي وتصوير الأحداث.
الكتاب سيرة ذاتية حقا للكاتب، ولكنه أيضا سيرة وطن لم يفارقه الأمل.
نوافذ رائعة فتحها الكاتب من خلف القضبان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك