انتهت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة في فبراير من هذا العام، أو هكذا بدا المشهد في الفضاء الإقليمي لموقع الحرب، تلك الحرب التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران ومن خلفه إسرائيل اختلفت ذرائعها، ومن ثم نتائجها العسكرية والسياسية على نحو تجاوز كل التوقعات المحتملة بمنطق السياسة، أو الحرب.
وبقدر ما أحدثته في المنطقة بآثارها الاقتصادية العالمية في أكثر المناطق حساسية في نطاقها الجيوستراتيجي، لم تكن لتخلو من تناقضات، كشفت عنها طبيعة الحرب نفسها.
وكان للهجوم المضاد الذي شنته إيران مستهدفة مقار وقواعد أمريكية في دول الخليج وطالت صواريخها الباليستية عواصمها، في رد فعل انتقامي، أدى إلى توتر حاد في المنطقة، وهدد بحرب شاملة كادت أن تدفع المنطقة ثمنها الفادح.
ومن الطبيعي أن يفرض فارق القوة منطقه، ولكن من غير الطبيعي أن تفشل هذه القوة ذاتها في تحقيق ما خطط لاستخدامها، ذلك أن النظام الإيراني لم ينهر رغم اغتيال زعيمه المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من قادة نظامه وعلمائه في أكبر ضربة تتلقاها الدولة المارقة بالوصف الأمريكي التقليدي.
وكان إغراق المنطقة بتلك القوة الأمريكية الصاعقة، قد دفع إلى تحرك ملفات تخشى أنظمة في المنطقة فتحها خوفا من تحولات غير متوقعة تنتج عن حرب، لم تتضح معالمها بعد.
ولكن أن تنتهي الحرب إلى تفاوض مثل كل الحروب، ويعلن ترامب انتصاره من طرف واحد بتدمير البرنامج النووي الإيراني، فتلك مغالطة لا تصمد أمام أدنى التحليلات العسكرية والآثار التي ترتبت على الاقتصاد الأمريكي والعالم.
وتعدد الوساطات الدولية لإنهاء الحرب من دول عدة (قطر، باكستان) على نحو غير مسبوق في تاريخ النزاعات التي تفجرها أمريكا في مناطق العالم، ومع ذلك فإن في الاستجابة دلالتها الرمزية، إن لم تكن الاستراتيجية بالأمر الواقع.
وبعد أن صمت دوي الانفجارات، وخبا لهيبها، توصل الطرفان بالوساطة والضغط والأهم بالاستنزاف، إلى مذكرة تفاهم وقعت افتراضيا بين الطرفين، عرفت بمذكرة التفاهم وما تحويه المذكرة تنطبق عليه آلية التفاهمات، من إلزام وإن بدا أن سياسة ترامب غير مستقرة، كما شهد العالم تنصله وتهديده الدائم بالتخلي عن الكثير من التحالفات والاتفاقيات الدولية، بما فيها العلاقة التقليدية مع حليفه الأوروبي في الناتو.
وتأتي هذه المفاوضات بعد سلسلة من جولات التفاوض والوساطات الدولية، تحت الغطاء العسكري للحرب بين إيقاف للنار مؤقت، ثم مواصلة الضربات ثم تأتي أخيرا «مذكرة التفاهم» لتنهي العمليات العسكرية على كل الجبهات، بما فيها لبنان حسبما ورد في نص المذكرة وغيرها من تعهدات مشكوك في تنفيذها.
واللافت أن سبق التنسيق لهذه الجولات الماراثونية من التفاوض في عواصم عربية، في كل من الدوحة ومسقط إلى أن وقعت ما بين قصر فرساي في باريس من قبل الطرف الأمريكي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان منتصف الشهر الماضي.
فيما استبعدت إسرائيل الطرف الثالث والمشارك بقوة في الحرب والذي قاد الهجمات الجوية بعيدة المدى على إيران في مجال جوي مفتوح ومخترق.
فموقع إسرائيل التابع من وراء السياسة الأمريكية من المنطقة، يخرجها من أي وزن تتزعمه على فداحة ما ترتكبه من انتهاكات تطال سيادة الدول الجوية في تحديها السافر لشرعية القانون الدولي.
أن تنتهي الحرب إلى تفاوض مثل كل الحروب، ويعلن ترامب انتصاره من طرف واحد بتدمير البرنامج النووي الإيراني، فتلك مغالطة لا تصمد أمام أدنى التحليلات العسكرية والآثار التي ترتبت على الاقتصاد الأمريكي والعالمومع كل ما احتوته مذكرة التفاهم بين الطرفين تبقى الاختلافات القائمة على التناقضات ما بين ممارسة النفوذ الاستراتيجي في موقع إيران في مضيق هرمز، الذي أصبحت أهميته ربما أكثر من برنامجها النووي.
وإيران تدرك أن نقطة القوة والضعف في هذا المضيق بالغ الأهمية للعالم ودول المنطقة حلفاء الولايات المتحدة.
وأن عملية إدارته أو التحكم بالمرور من إغلاق وفتح، شأن إيراني بحكم طبيعة الواقع الجغرافي والتاريخي (الخليج الفارسي) على نحو ما تستخدمه إيران كسلاح في المفاوضات والحرب على السواء.
وينظر المراقبون إلى أن جولة التفاوض، أو استجابة الولايات المتحدة إلى الجلوس مع الإيرانيين، لوقف حرب لم تحقق أهدافها ذلك أن النتائج قد تشير إلى تنازل أرغمت عليه الولايات المتحدة بواقع كارثية النتائج التي أدت إليها حرب دفعت بها سياسات ترامب، ومن ورائه فريق متشدد في سياسة الإدارة الأمريكية تجاه إيران.
وإذا كانت الولايات المتحدة تهدف إلى محاصرة إيران في سياق ما يجري من تفاوض، خاصة فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم، الذي أشير إليه بأن تلزم إيران ببرنامجها النووي الحالي؛ فإن التشدد الإيراني السابق وما بعد الحرب سيجعل إيران تحقق ما لم تحققه بفعل العقوبات في الإبقاء على برامجها النووية المعلنة والمراقبة بواسطة هيئة الطاقة الذرية، أو تلك التي تجري في مواقع سرية.
إن مذكرة التفاهم ببنودها الأربعة عشر شكلت في جزء منها نتائج مرغوبة، لكل الأطراف فمن جانب أخرجت الإدارة الأمريكية من مأزق استراتيجي وقعت فيها، من دون أن تمتلك القدرة الكافية على تبرير نتائجه، وأوقفت حربا كادت أن تؤدي إلى وقائع غير واضحة المعالم في المنطقة، فإن المحصلة أنقذت كما تشير التقارير الإدارة الأمريكية من موقف أقل ما يوصف بالهزيمة يذكر بحرب فيتنام.
وكما كتب نتيت سوانسون مدير مشروع استراتيجية إيران في المجلس الأطلسي في مجلة «فورن افريز» الأمريكية بان إيران كسبت الحرب، لكنها قد تخسر السلام وأن الاتفاقية (مذكرة التفاهم) الموقعة بين البلدين قد أجلت بعض القرارات بما فيها القيود على البرنامج النووي الإيراني.
وليس هذا وحده ما يشكل ثغرات في الاتفاق، قد تهدد بإلغائه أو التنصل من بنوده، ويبقى بالتالي عرضة لتقلبات سياسة ترامب في تعامله مع هذا الملف.
قد لا يضع هذا الاتفاق حدا لنفوذ الجمهورية الإسلامية في المنطقة، وإن كان سيحد من توغلها المذهبي في دول المنطقة، بعد أن تضررت بنيتها العسكرية والمدنية.
ولم يغفل الاتفاق الإشارة إلى لبنان، التي وردت ضمن النصوص ثلاث مرات كبلد يشمله وقف العمليات العسكرية وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته.
ولأن لبنان بتمكن ذراع حزب الله الإيراني ومشاركته في الرد العسكري على الحرب ضد إسرائيل وعلاقاته المتوترة مع الدولة اللبنانية، وما يمثله من تهديد مباشر لشمال إسرائيل يدخل في المعادلة الاستراتيجية لآفاق هذا الاتفاق بما يضمن سلامة إسرائيل، وإن لم يشر إليه الاتفاق بشكل مباشر؛ وهذا بالضرورة مفهوم في تقاليد العلاقة التي تربط بين أمريكا وإسرائيل.
عقيدة النظام الإيراني بقيت على ما هي عليه منذ انطلاق ثورتها في 1979، وهو الموقف الذي شكل حائط صد أمام محاولات «إسقاط النظام» الهدف الاستراتيجي للحرب من الطرف الأمريكي.
وقد يكون في ما تحصل عليه إيران بعد تنفيذ الاتفاق من إعادة إعمار وإنهاء العقوبات المفروضة وغيرها، مما يبدو مكاسب محققة على المدى الطويل، إلا أن الأهم في نظر القيادة الإيرانية بقاء نظامها بكل ما يحمل من تحديات داخلية، وما يعنيه على الخريطة الإقليمية لدول تجاورها على خطوط دينية ومطامع لا تخفى من قبل إيران، كثيرا ما تعقد الموقف في العلاقات ومستقبل هذه العلاقات.
فأيا كان تفسير بنود هذا الاتفاق على ضوء الوقائع التي خلفتها الحرب، أو تلك التي ستنتج عن بنود اتفاق يشوبه القصور القانوني، بما يعني مدى التزام الطرفين أو الطرف الأقوى في المضي قدما تجاه تنفيذه، وفق منطوق النصوص لا النوايا البراغماتية المؤجلة التي تراهن على كسب الوقت أكثر من التزام النصوص.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك