كنا صغارا لما انهزم منتخب زائير (الكونغو) أمام يوغسلافيا بنتيجة 9 أهداف مقابل صفر في الدور الأول من مباريات كأس العالم لعام 1974.
وقد آلمتنا الهزيمة الثقيلة لأن زائير كانت الممثل الوحيد لقارتنا الإفريقية.
ولهذا كان فخرنا كبيرا عام 1978 لما تألق منتخب تونس في الأرجنتين بالفوز على المكسيك والتعادل مع ألمانيا الغربية، ثم كان الفخر أكبر عام 1982 لما انتصر منتخب الجزائر في إسبانيا على ألمانيا الغربية بهدفين لواحد.
كان موقف اللاعبين الألمان قبل المباراة استعلائيا متعجرفا على نحو يصعب اليوم تصديقه: قال قائلهم إننا سنسحق الجزائر أيا كان الحال، حتى لو لعبنا ببدلات السموكينغ الأنيقة ونحن ندخن السيجار، بينما قال لاعب آخر إننا سنُهدي الهدف السابع إلى زوجاتنا، أما الهدف الثامن فسيكون هدية لكلابنا! فإذا بالرد الجزائري يأتي صاعقا في أداء لا يزال هو الأبهر، عندي، والأطرب عربيا وإفريقيا في تاريخ المونديال كله.
إذ لم أر حتى اليوم منتخبا عربيا أو إفريقيا أبرع ولا أسرع من منتخب الأخضر بلومي ورابح ماجر ومصطفى دحلب.
وقد كان لاسم دحلب وقع سحري في أسماعنا لأنه كان نجم نجوم فريق باريس سان جرمان مثلما كان دومنيك روشتو نجم فريق سانت إيتيان.
كنا بأجمعنا، أولادا وبنات، متعاطفين مع فريق سانت إيتيان طيلة تصفيات كأس أوروبا للأندية البطلة لعام 1976.
وكانت أستاذتنا الفرنسية الطيبة «مادام ديموج» تخوض معنا في بداية كل حصة في تحليل المباريات وتسمع لآرائنا وتعليقاتنا، ثم ما تلبث أن تكبح جماحنا وتبدأ الدرس.
وقد فازت سانت إيتيان على أيندهوفن في نصف النهائي بعد الفوز على دينامو كييف في ربع النهائي.
كان مبلغ علمنا أن دينامو كييف فريق من الاتحاد السوفييتي وأن نجمه أوليغ بلوخين لاعب سوفييتي، فلم تكن أوكرانيا عندنا اسما مذكورا.
وما كنت أنا لأعلم بوجودها إلا بعد ذلك بعامين أو ثلاثة لما أخذت أدمن قراءة أدب ميخائيل نعيمة وعرفت أنه درس في بولتافا بأوكرانيا في بدايات القرن العشرين.
وقد كانت الحصة التي تلت انهزام سانت إيتيان أمام بايرن ميونيخ في النهائي استثنائية لأن مدام ديموج أطلقت فيها العنان لمشاعرها الوطنية ولمشاعرنا التضامنية مع فريق الحظ السيئ.
ربما يكون من إيجابيات هذا المونديال الترامبي أن جماهير العالم اكتشفت أمما لم تكن تسمع بها من قبل، مثل كوراساو والرأس الأخضرولكن منتخب الجزائر الذي هزم ألمانيا والشيلي في مونديال 1982 لم يكن سيئ الحظ، بل كان ضحية لـ»مباراة العار» التي تواطأ فيها الألمان مع النمساويين على نتيجة «محسوبة» لإقصاء الجزائر.
قال المعلق السويسري آنذاك إن المباراة تحولت إلى فضيحة، بينما امتنع المعلق النمساوي عن الكلام طيلة نصف الساعة الأخير من المباراة وحض المشاهدين على إطفاء شاشاتهم! وفي الأثناء ظل الجمهور الإسباني يهتف باسم الجزائر طيلة المباراة.
أما في كانساس سيتي، وبعد 44 سنة على «فضيحة خيخون»، فقد كانت الجزائر على قاب دقيقتين أو ثلاث من الانتصار، ولكن للكرة غرائب ولنوافل الوقت عجائب.
ولما تألق منتخب المغرب في مونديال 2022 خفقت له قلوب جميع العرب والأفارقة، ولم يعد أحد يتخيل إمكان عودة زمن الهزائم العربية والإفريقية المنكرة.
ولكن الهزائم التي مني بها منتخبا تونس وقطر الشهر الماضي بدت كأنها نكوص إلى زمن الكونغو (زائير 1974)، رغم أن أداء الكونغو ذاتها في هذا المونديال منعش ومشرّف.
ولكن هذه ليست أسوأ مظاهر مونديال 2026، بل إن الأسوأ قد تمثل فيما سمي بالـ»ترامب-يفيكيشن» التي أصابت المونديال والفيفا وكرة القدم ذاتها.
ويشير مصطلح «ترامبيفيكيشن» إلى لعنة تلويث الأشخاص والمؤسسات والممارسات بأساليب ورذائل مستمدة من شخصية ترامب وطرائقه الشاذة في إدارة الأمور بتضارب المصالح وربط العلاقات بعقد الصفقات.
ذلك أن المونديال قد فقد معناه الرياضي وأصالته الشعبية ولم تعد مشاهدته في متناول الجماهير لأن معظم مؤسسات التلفزة الوطنية لم تعد قادرة على شراء حقوق البث ذات الغلاء المشط.
فقد حول جاني إنفانتينو (رئيس الفيفا الترامبي الذي أغدق على ترامب «جائزة السلام»! ) هذا المونديال إلى مجرد وليمة بزنسية وغنيمة تلفزية للإعلانات المدرة للأرباح الخيالية.
وقد ظهرت أول مساوئ هذه اللعنة الترامبية في منع الحكم الصومالي عمر عرتن والإداريين الإيرانيين من دخول الولايات المتحدة، إضافة للتنكيل الشائن بالمنتخب الإيراني، بدون أن تحرك الفيفا ساكنا.
بقي أنه ربما يكون من إيجابيات هذا المونديال الترامبي أن جماهير العالم اكتشفت أمما لم تكن تسمع بها من قبل، مثل كوراساو والرأس الأخضر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك