لم يعد نجاح الطالب يقاس بعدد الدرجات التي يحققها في الاختبارات أو بقدرته على حفظ المعلومات واسترجاعها، بل أصبح مرتبطاً بامتلاكه منظومة متكاملة من المهارات التي تساعده على إدارة حياته، والتكيف مع المتغيرات، والتعامل مع التقنيات الحديثة، وبناء علاقات صحية، واتخاذ قرارات واعية.
ومن هذا المنطلق، جاءت منظومة «مهارات من أجل الحياة» التي أطلقتها هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي، بتوجيهات سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، لتشكل تحولاً نوعياً في فلسفة التعليم، عبر دمج المهارات الحياتية في جميع المراحل الدراسية، بدءاً من مرحلة ما قبل الروضة وحتى التخرج وما بعده، بما ينسجم مع استراتيجية التعليم في دبي 2033 والميثاق الوطني للتعليم.
ويرى تربويون أن المنظومة لا تضيف مادة دراسية جديدة، بل تعيد صياغة تجربة الطالب داخل المدرسة بالكامل، بحيث تصبح كل حصة دراسية، وكل نشاط، وكل موقف يومي فرصة لبناء شخصية أكثر توازناً، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل، ولا تقتصر أهمية المنظومة على إدراج مهارات جديدة ضمن التجربة التعليمية، بل تمتد إلى إحداث تغييرات جوهرية في بيئة التعلم داخل المدارس، بدءاً من أساليب التدريس، مروراً بدور الأسرة والمعلم، وصولاً إلى إعداد الطلبة للحياة الجامعية وسوق العمل.
وأكدوا أن تطبيق المنظومة سيقود إلى سبعة تحولات رئيسة تشمل تطوير الممارسات داخل الفصل الدراسي، وتعزيز الشراكة مع الأسرة، وبناء شخصية الطالب، وتوسيع الإرشاد الأكاديمي والمهني، وترسيخ ثقافة الحياة الرقمية الآمنة، والاهتمام بالصحة النفسية، إلى جانب غرس ثقافة الاستدامة والمسؤولية المجتمعية، بما يجعل المدرسة بيئة متكاملة لإعداد الإنسان، وليس مجرد مؤسسة لنقل المعرفة.
ترى انيتا سنج مديرة مدرسة غلوبال انديان انترناشونال في دبي، أن أكبر تغيير ستشهده المدارس سيكون داخل غرفة الصف، مؤكدة أن دور المعلم سيتجاوز شرح المنهج إلى بناء المهارات الشخصية والاجتماعية للطلبة.
وقالت: «سنشهد تحولاً من سؤال الطالب: ماذا حفظت؟ إلى سؤال أكثر أهمية وهو: ماذا تعلمت؟ وكيف ستستخدم ما تعلمته في حياتك؟ وهذه هي الفلسفة التي تقوم عليها المنظومة الجديدة».
وأضافت أن الأنشطة الصفية ستصبح أكثر اعتماداً على الحوار، والتعلم بالمشروعات، والعمل الجماعي، والمحاكاة، وحل المشكلات الواقعية، بدلاً من الاقتصار على الشرح التقليدي.
من جانبها، أكدت الخبيرة التربوية نورة المهيري، أن المنظومة أعادت للأسرة مكانتها الطبيعية كشريك رئيس في العملية التعليمية.
وقالت: «لا يمكن أن نتحدث عن طالب منظم إذا لم يتعلم التنظيم داخل منزله، ولا عن مسؤولية مالية إذا لم يمارسها مع أسرته، ولا عن احترام الوقت إذا لم يره سلوكاً يومياً أمامه».
وأضافت أن نجاح المنظومة يتطلب انتقال العلاقة بين المدرسة والأسرة من متابعة الدرجات إلى متابعة نمو شخصية الطالب وسلوكياته اليومية.
وأشارت إلى أن أولياء الأمور سيكونون مطالبين بالمشاركة في غرس العادات الصحية، وتنظيم الوقت، وتعزيز الاستقلالية.
وأكدت التربوية مريم الكعبي أن المنظومة تمثل انتقالاً من تعليم المناهج إلى بناء الإنسان، وتتحول المدرسة تدريجياً إلى بيئة تصنع الشخصية، وليس فقط مؤسسة تمنح الشهادات.
وقالت: «لسنوات طويلة كان الاهتمام موجهاً إلى ماذا يعرف الطالب، أما اليوم فأصبح السؤال: من هو هذا الطالب؟ وهل يستطيع مواجهة الحياة بثقة ومرونة؟ ».
أما الدكتور ماهر حطاب، المدير العام لمدارس الأهلية الخيرية، فيرى أن المنظومة ستغير مفهوم الإرشاد المهني داخل المدارس، موضحاً أن الإرشاد لم يعد يقتصر على تعريف الطالب بالتخصصات الجامعية، بل أصبح رحلة تبدأ منذ السنوات الأولى لاكتشاف الميول والقدرات، وربطها بالمهارات التي يحتاجها المستقبل.
ويرى التربوي محمود فرغل المتخصص رقمياً، أن المنظومة جاءت في توقيت يشهد تسارعاً غير مسبوق في استخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن العالم الرقمي أصبح هو البيئة التي يعيش فيها الطلبة يومياً، ولذلك لم يعد مقبولاً أن نعلمهم استخدام الأجهزة فقط، بل يجب أن نعلمهم كيف يفكرون داخل هذا العالم، لافتاً إلى أن المنظومة تركز على تنمية التفكير النقدي، والتمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، وحماية الخصوصية، والاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي.
وترى الخبيرة النفسية أمل الحمادي أن أكثر ما يميز المنظومة هو وضع الصحة النفسية في قلب العملية التعليمية، ولفتت إلى أن الطالب الذي يشعر بالأمان والثقة والانتماء يتعلم بصورة أفضل، ويبدع أكثر، ويستطيع التعامل مع الضغوط دون أن يفقد توازنه.
وأضافت أن المرونة النفسية أصبحت من أهم مهارات القرن الحادي والعشرين، لأنها تساعد الطلبة على تجاوز الإخفاقات، والتعامل مع القلق، والتكيف مع التغيرات، موضحة أن إدراج التمكين الذاتي وتنظيم الانفعالات ضمن المنظومة سيخفض كثيراً من المشكلات السلوكية داخل المدارس، ويعزز العلاقات الإيجابية بين الطلبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك