المناسبة تتزامن مع تحولات قد تكون جوهرية في مسار هذه الدولة، بين محاولة الرئيس ترامب إعادة كتابة تاريخ البلاد، وبين إعادة تموضع أمريكا في الخريطة الجيوسياسية العالمية.
لندن ـ «القدس العربي»: تعيش الولايات المتحدة، السبت من هذا الأسبوع، يومها الوطني الذي يصادف الذكرى الـ250 لتأسيسها، ولم يكن أحد يتوقع أنها ستتحول إلى إحدى أعظم القوى في التاريخ.
غير أن هذه المناسبة تتزامن مع تحولات قد تكون جوهرية في مسار هذه الدولة، بين محاولة الرئيس الحالي دونالد ترامب إعادة كتابة تاريخ البلاد، وبين إعادة تموضع الولايات المتحدة في الخريطة الجيوسياسية العالمية.
فيما يتعلق بالمجال الخارجي الذي يثير اهتمام العالم، يؤكد المؤرخون أنه لو عاد الآباء المؤسسون إلى الحياة، فسيقفون مشدوهين، بدون شك، أمام النفوذ العالمي الذي أصبحت تتمتع به الولايات المتحدة، في حين كانت بريطانيا وفرنسا في تلك الحقبة تهيمنان على معظم أنحاء العالم.
وكان أول رئيس للبلاد، جورج واشنطن، يؤكد في رؤيته الدبلوماسية البراغماتية أن: «سياستنا الحقيقية هي الابتعاد عن أي تحالف دائم مع أي جزء من العالم الخارجي، حتى لا ننجر إلى الصراعات المزمنة بين الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى».
إلا أن هذا التصور لم يدم طويلاً، فقد بدأت الولايات المتحدة التدخل في عدد من مناطق العالم، وكانت أولى هذه التدخلات حربها ضد ليبيا في مطلع القرن التاسع عشر، ثم تبني عقيدة مونرو سنة 1823 التي اعتبرت أمريكا اللاتينية الحديقة الخلفية للولايات المتحدة.
وبدأ المنعطف الحقيقي مع الحرب العالمية الأولى، عندما تدخلت لإنقاذ أوروبا من الهيمنة الألمانية، ثم عادت للتدخل في الحرب العالمية الثانية لمواجهة النازية، قبل أن تقود المعسكر الغربي خلال الحرب الباردة في مواجهة الاتحاد السوفييتي.
ووفق دراسة لمركز فليتشر للدراسات الاستراتيجية بجامعة تافتس، نفذت الولايات المتحدة، منذ تأسيسها، أكثر من 500 تدخل خارجي، وقع 60 في المئة منها بعد سنة 1950.
ويبقى المثير أن عدد التدخلات ارتفع بشكل لافت بعد انتهاء الحرب الباردة، التي جسدها فرانسيس فوكوياما في أطروحته «نهاية التاريخ».
ففي الوقت الذي كان الجميع ينتظر نهاية الحروب، وقع نحو 35 في المئة من مجموع العمليات العسكرية والتدخلات المسلحة الأمريكية منذ سنة 1950 بعد نهاية الحرب الباردة.
ومن أبرز عناوين هذه التدخلات الحرب في أفغانستان والعراق بعد هجمات 11 سبتمبر، ثم الحرب الحالية ضد إيران.
حمل ترامب تصورا جديدا، وإن كان يستلهم الماضي، للسياسة الخارجية الأمريكية بعد مرور 250 عامًا على تأسيس البلاد، ويتجلى في شعار العودة إلى الانعزالية على نهج الآباء المؤسسين، لكنه وجد نفسه متورطًا في أزمات وصراعات، من فنزويلا إلى إيران.
وفي الوقت ذاته، يسعى إلى تطبيق هذا الشعار من خلال الانسحاب التدريجي من حلف شمال الأطلسي، وإعادة إحياء عقيدة مونرو بمنع أي قوة كبرى من ترسيخ وجودها في القارة الأمريكية.
غير أن هذه الاستراتيجية، في عمقها، لا ترتبط بالانعزالية كما تصورها جورج واشنطن، بقدر ما تعكس إعادة تموضع الولايات المتحدة استعدادا لمواجهة الصين، المرشحة لأن تصبح القوة العالمية الأولى.
كما تقوم هذه السياسة على تغليب المصالح على المبادئ، وهو ما جسدته وثيقة الأمن القومي الأمريكي الصادرة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، التي تشدد على أولوية المصالح الأمريكية، وعلى الاعتماد على شركاء وحلفاء ظرفيين وفق مقتضيات المصلحة.
ويلخص المؤرخ ستيفان ويرثايم هذه التطورات في أن الولايات المتحدة تدخل الذكرى الـ250 وهي تواجه نهاية مرحلة الهيمنة المطلقة التي أعقبت الحرب الباردة.
ويعتبر أن التحدي لم يعد كيفية قيادة العالم، بل كيفية التكيف مع نظام دولي متعدد الأقطاب، تتقدم فيه الصين بوصفها المنافس الاستراتيجي الأول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك