غزة ـ «القدس العربي»: في دليل جديد يثبت عدم جدية دولة الاحتلال الإسرائيلي في استمرار اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والعمل على تخريبه وإعادة الأمور إلى المربع الأول، شهد الأسبوع الماضي تطورات خطيرة جدا، تمثلت في وضع شروط جديدة على ورقة «مجلس السلام» التي هدفت إلى الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق، إضافة إلى خطوات عملية على الأرض، اشتملت على توسيع حدود «الخط الأصفر» بسلب أراضي جديدة من قطاع غزة، ضمن خطط السيطرة العسكرية.
وعلى وقع هجمات دموية خطيرة نفذتها قوات الاحتلال، استخدمت فيها الطائرات المسيرة، واستهدفت العديد من المناطق المدنية بينها عربات وشوارع ومنازل وخيام نازحين، أدت إلى ارتقاء الكثير من الضحايا بينهم أطفال، صعدت قوات الاحتلال أيضا عمليات نسف المناطق الواقعة خلف «الخط الأصفر»، ضمن مخطط يرمي إلى جعل تلك المناطق غير قابلة للحياة مطلقا، في إطار خطط التهجير القسري للسكان.
وفي دلالة على زيادة هذه الهجمات، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، رصد 3465خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ، ما أدى إلى ارتقاء الـ 1045 شهيدا و3380 مصاباً، إلى جانب اعتقال 113 مواطنا، وذلك حتى بداية الأسبوع الماضي.
ومع مرور 1000 يوم على الحرب، أصدر المكتب تقريرا مفصلا أكد فيه أن الخسائر الأولية لكافة القطاعات بلغت 80 مليار دولار، وأن الحرب خلفت حتى هذا اليوم دمار طال 90 في المئة، من القطاع، بعدما ألقى 223.
000 طن من المتفجرات، فيما بلغ عدد الشهداء 73.
066، فيما هناك 9.
500 مفقود، ومن ضمن العدد الكلي للضحايا 21500 طفل، و12500 امرأة، و262 شهيدا صحافيا، فيما هناك 173.
514 جريح، في حين أصبحت نحو 80 في المئة من مساحة القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية.
وذكر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، في دراسة جديدة أصدرها بعد مرور 1000 يوم على حرب الإبادة، أن المعطيات تشير إلى أن الحرب تجاوزت نطاقها العسكري لتتحول إلى أزمة إنسانية شاملة مست الإنسان والبنية التحتية ومقومات الحياة، وأن المؤشرات لا تعكس فقط حجم الدمار المادي، بل تكشف أيضاً عن انهيار شبه شامل في منظومة التنمية البشرية، حيث تشير التقديرات إلى أن مستويات التنمية في غزة قد تراجعت بما يعادل عقوداً طويلة من التقدم الإنساني (تقديرات تصل إلى أكثر من 70 عاماً من التراجع في مؤشرات التنمية البشرية).
هذه التطورات الميدانية الخطيرة بعدما تجاوزت حرب الإبادة يومها الـ 1000 ترافقت مع قيام جيش الاحتلال بتوسيع نطاق «الخط الأصفر» من الجهة الشمالية الشرقية لوسط قطاع غزة، وهي خطوة تأتي ضمن خطط حكومة اليمين الرامية لإحكام السيطرة على أغلب مناطق القطاع، في إطار الضغط الميداني، لتمرير خطط عسكرية مسبقا.
وتستند خطة جيش الاحتلال لتوسيع تلك المنطقة إلى ما أعلنه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مؤخرا، بأن هناك خططا لتوسيع «الخط الأصفر» من 60 في المئة ليصل إلى 70 في المئة من أراضي غزة، بعد أن كان في بداية اتفاق التهدئة يحتل مناطق تقدر بنحو 53 في المئة من قطاع غزة، ولم يخف وقتها نتنياهو أن الأمر مرده تنفيذ مخطط عسكري لاحتلال غزة، وتنفيذ خطط عسكرية.
وبشكل صريح جدا، خرج نتنياهو، وأعلن أن جيشه يقترب من السيطرة على 70 في المئة من قطاع غزة وقال إنه يجري تطويق «حماس»، فيما قال وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، إنهم مستعدون لإنشاء 3 مستوطنات في المنطقة الأمنية الشمالية داخل قطاع غزة وبشكل فوري، وأكد أن إدارة الاستيطان التابعة لوزارته استكملت الأعمال التحضيرية لإقامة هذه المستوطنات، وأن التنفيذ ينتظر «الضوء الأخضر» من نتنياهو، ودعا إلى تسريع وتيرة الاستيطان في غزة.
وكشف في تلك الفترة عن وجود خطط للعمل العسكري داخل المناطق الضيفة في غزة، ومناقشة كبار قادة الجيش والأمن لخطط جديدة لتنفيذ مخطط التهجير القسري، ما يؤكد أن تصعيد الهجمات الحربية، وكذلك توسيع نطاق «الخط الأصفر» تهدف في نهايتها لتنفيذ هذه الخطة.
وبما يدلل على ذلك، رد حكومة اليمين الإسرائيلي على الخطة الجديدة المعدلة التي قدمها ممثل «مجلس السلام» لكل من حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وإسرائيل، من أجل الانتقال إلى تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، حيث جاءت الردود الصادمة بعد أن شهدت مباحثات الوسطاء مع الفصائل الفلسطينية تطورا ملحوظا، جرى خلاله التقدم بخطوات لتذليل العقبات التي تعترض التنفيذ، والوصول إلى «مقاربات» كثيرة حول نقاط الخلاف.
فبعد أن قررت الفصائل الفلسطينية المشاركة في مباحثات التهدئة الرد على الخطة الجديدة، بالقبول مع بعض الايضاحات والطلب بتنفيذ المرحلة الأولى كاملة من بنود اتفاق وقف إطلاق النار، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية، مع وضع رد موحد حول «سلاح المقاومة»، وكيف يستند إلى «جمع وتخزين وحصر» السلاح، جاء رد تل أبيب الصادم على غرار المرات السابقة، والذي من شأنه أن يفجر جهود الوسطاء الأخيرة التي وضع الكثيرون عليها آمالا في إحداث اختراقات كبيرة.
وعن هذا الأمر، كشف مصدر مطلع في حركة المقاومة الإسلامية «حماس» لـ«القدس العربي»، أن الردود الجديدة التي نقلتها حكومة الاحتلال إلى الوسطاء، على الورقة الجديدة لتطوير التهدئة، التي قدمها الممثل السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، شكلت ضربة لكل الجهود التي بذلها الوسطاء، وبعد أن اشتملت ورقة ملادينوف الجديدة على نصوص استبدلت جملة «نزع السلاح»، بـ «حصر وتخزين»، ردت إسرائيل مجددا اشتراط «نزع السلاح» وتسليمه إلى «قوة الاستقرار الدولية» التي شكلها مجلس السلام، والمقرر أن تنتشر في مناطق ما بين السيطرة الإسرائيلية والفلسطينية في غزة.
وإلى جانب هذا الرد حول ملف «سلاح المقاومة» قدمت إسرائيل ردا صادما آخر، وصف بـ «التفجيري» لكل الجهود التي بذلك، وأوجدت «مقاربات» خلال الفترة الماضية، بعد أن رفضت إسرائيل أيضا قبول أن يكون لأي موظف سابق أي ارتباط بـ«حماس» أو جرى توظيفه من قبل الحركة، أي دور في الإدارة الجديدة لغزة، التي ستتولاها اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ويشمل ذلك الموظفين المدنيين في الوزارات والهيئات المدنية الأخرى، أو العاملين في سلك الشرطة المدنية على حد سواء، وهذا الرد يخالف كل التوافقات السابقة، بما في ذلك الخطة التي قدمت إلى الحركة والفصائل الفلسطينية في مباحثات شرم الشيخ في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والتي قادت إلى توقيع اتفاق المرحلة الأولى للتهدئة.
وبذلك تكون أفعال دولة الاحتلال وجهت ضربة شديدة القوة لجهود وسطاء التهدئة مصر وقطر وتركيا، والذين سعوا إلى إيجاد مقاربات للحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار، وعدم الذهاب إلى التصعيد العسكري من جديد، بعدما تجاوزت أيام الحرب الـ 1000 يوم.
وبانتظار قادم الأيام، لمعرفة إلى أين تتجه الأمور في ظل هذه الردود الإسرائيلية، والتي ترافقت مع ممارسات عسكرية على الأرض، حيث بدأ منتصف الأسبوع الماضي وفد من حركة «حماس» لقاءات جديدة مع الوسطاء، قال عنها مستشار الحركة السياسي طاهر النونو، إنها ستتضمن استكمال بحث خريطة الطريق التي أعدها ملادينوف، بالتعاون مع الوسطاء، للمرحلة الثانية من الاتفاق، ودخول اللجنة الإدارية وقوات الحماية الدولية، وصولًا إلى الانسحاب الإسرائيلي من جميع أراضي القطاع.
أما المتحدث باسم الحركة حازم قاسم فقال «نضع مطالب شعبنا، وفي مقدمتها الإسراع في إغاثته بصورة حقيقية، ووقف حرب الإبادة التي يتعرض لها، والبدء بالإعمار، في صلب حراكنا السياسي والدبلوماسي، وهي البوصلة التي تحكم سلوكنا التفاوضي ومواقفنا السياسية».
لكن على الأرض، ورغم جهود الوساطة الجديدة، استمرت إسرائيل في تشديد إجراءات الحصار الذي يطال الطعام والدواء، ويؤثر بشكل خطير جدا على سكان قطاع غزة، الذين يعانون من ويلات الحرب وتبعاتها، ويعيشون في مناطق ضيقة طالها الدمار، أو في خيام نزوح بلاستيكية، تحول حياتهم في ظل صيف غزة اللاهب إلى جحيم.
وذكرت الأمم المتحدة، أنه بعد كل هذه الأيام الطويلة من الحرب، تبين بعد إجراء فحص في النصف الأول من حزيران/يونيو، لأكثر من 31 ألف طفل، أن نحو 1500 منهم يعانون من سوء تغذية حاد، بينهم أكثر من 200 حالة شديدة، وقد أُدرج جميعهم في برامج العلاج، كما فُحصت قرابة 24 ألف امرأة حامل ومرضعة، حيث يجري تقديم العلاج للمصابات منهن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك