عشية توجه الرئيس الأميركي إلى تركيا لحضور قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قالت إدارة الرئيس دونالد ترمب إن على حلفاء الحلف زيادة الإنفاق الدفاعي «فورًا»، وإلا سيواجهون عواقب.
وحذر مسؤولون أميركيون من أن العديد من الحلفاء «متخلفون» عن الوفاء بتعهدهم بإنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2035.
وقالت صحيفة «واشنطن بوست» إن الرئيس ترمب يتوجه إلى تركيا حاملًا شكاوى جديدة بشأن أوروبا، في وقت يحاول فيه الحلف إظهار استجابته لمطالبه، وسط آمال بتجنب أي تصعيد قد يهدد تماسك التحالف.
ورأت الصحيفة أن ترمب لطالما أبدى شكوكًا تجاه «الناتو» والحلفاء الأوروبيين، معتبرًا أن التحالف الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية لمواجهة الاتحاد السوفيتي «يستغل سخاء واشنطن».
وبحسب مقربين من ترمب، فإنه مع تقدمه في ولايته الثانية بات على دراية كاملة بما وصفوه بـ«ديناميكيات اجتماعات الناتو»، ويستمتع بممارسة الضغوط على القادة الآخرين ومتابعة محاولاتهم الاستجابة لمطالبه.
وتتفاقم التوترات عامًا بعد عام، مع تراجع شعبية ترمب في أوروبا عقب تهديده بالاستيلاء على غرينلاند في يناير/كانون الثاني، وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الإقليمية.
وعبر ترمب عن غضبه من عدم بذل الحلفاء الأوروبيين جهودًا كافية لمساندة واشنطن، كما جدد في الأيام الأخيرة انتقاداته لمستويات الإنفاق الدفاعي في دول الحلف، رغم نجاحه في دفعها إلى زيادة مساهماتها.
ووفقًا للصحيفة، سيحاول «الناتو» مجددًا احتواء ضغوط ترمب من خلال تجنب المواجهات غير الضرورية وإبراز خطواته في تعزيز الإنفاق الدفاعي.
ومن المقرر أن يصل ترمب إلى العاصمة التركية أنقرة، حيث يلتقي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قبل المشاركة في عشاء يجمع قادة دول الحلف.
وسيُعقد الاجتماع الرئيسي صباح اليوم التالي، فيما حرص الدبلوماسيون على أن يكون مختصرًا لتجنب أي توترات محتملة.
وبحسب المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، يعتزم ترمب أيضًا لقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس السوري أحمد الشرع، قبل عقد مؤتمر صحفي والعودة إلى واشنطن.
وقد ألقت انتقادات ترمب بظلالها على جزء كبير من أعمال «الناتو».
وكان الأمين العام للحلف، مارك روته، قد أشاد بإدارة الرئيس الأميركي الشهر الماضي، مقدمًا عرضًا وصفه بـ«تريليون ترمب»، استعرض خلاله الزيادة في الإنفاق الدفاعي الأوروبي على مدى العقد الماضي.
وقال ترمب لروته إنه كان سيقاطع الاجتماع تمامًا لولا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو من يستضيفه.
وعندما سُئل عما يريده من حلفائه، قال إلى جانب روته: «أريد فقط ولاءهم».
وخلال الأشهر الأخيرة، كافأ ترمب القادة الذين يعتبرهم أصدقاء، بمن فيهم الرئيس البولندي كارول ناوروتسكي، إذ وُعدت بلاده بإرسال 5,000 جندي أميركي إضافي.
كما عاقب من يعتبرهم غير موالين له بما يكفي، ومن بينهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي واجه أسابيع من الانتقادات العلنية من ترمب عقب تشكيكه في استراتيجية الرئيس تجاه إيران.
وبدأ ترمب يومه الأسبوع الماضي واختتمه بنشر تدوينات غاضبة بشأن حلف الناتو على منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن «الولايات المتحدة تنفق على حلف الناتو أموالًا أكثر من أي دولة أخرى، بفارق كبير، لحمايته دون أن تحصل على فائدة مماثلة».
لكن، خلف هذا النقد العلني، قال مسؤول كبير في البيت الأبيض إن الرئيس ينظر إلى القمم باعتبارها فرصة لممارسة الضغوط واستعراض نفوذه، مع مراقبة ردود فعل القادة الآخرين.
وأضاف المسؤول أن القمة الأخيرة، التي عُقدت في يونيو/حزيران 2025 في هولندا، «كانت ممتعة للغاية»، في إشارة إلى مناسبة وصف فيها مارك روته ترمب بـ«الأب»، مشبهًا إياه بالشخص الذي يستخدم سلطته لمنع الأطفال من الشجار في ساحة المدرسة.
وقال المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: «يستمتع الرئيس دائمًا بقمم الناتو، خلافًا لما يعتقده كثيرون».
ووفقًا لـ«واشنطن بوست»، لا يتوقع مسؤولو حلف الناتو والدبلوماسيون أن يهدد ترمب بالانسحاب من الحلف هذا العام كما فعل في عام 2018، لكنهم يدركون ميله إلى المفاجآت، ويقولون إن كثيرًا من الأمور سيتوقف على مزاجه عند وصوله إلى تركيا.
ومن المتوقع أن تكون هذه أول رحلة دولية له على متن طائرة «بوينغ 747» الفاخرة المجددة، التي تسلمتها الولايات المتحدة لاستخدامها طائرةً رئاسية.
وقال ماكس بيرغمان، الخبير في العلاقات الأميركية - الأوروبية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «يشعر الأوروبيون بالقلق من أن موقف ترمب من حلف الناتو لا يخدم المصالح الأميركية على المدى الطويل، ولذلك يخشون أن تتحول القمة إلى محطة صعبة للحلف».
وأضاف: «يتزايد هذا القلق في ظل الضغوط السياسية الداخلية التي يواجهها القادة الأوروبيون لإظهار استقلالية مواقفهم تجاه ترمب».
ويستعد مسؤولو حلف الناتو للقمة حاملين أرقامًا تعكس زيادة الإنفاق الدفاعي، إذ سيعلن الحلفاء الأوروبيون وكندا إنفاقًا إضافيًا قدره 139 مليار دولار على الدفاع خلال العام الماضي.
كما سيؤكدون التزامهم بإبرام صفقات تسلح وتوقيع خطابات نوايا بمليارات الدولارات، وفقًا لدبلوماسيين كبار في الحلف تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هوياتهم.
ويأمل قادة الحلف في تقديم مزيد من الالتزامات المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، رغم تأكيد عدد من الدول أنها تحتاج إلى تفاهمات أوسع قبل المشاركة في أي بعثات بحرية هناك.
إلا أن العديد من القضايا الأمنية الأساسية داخل الحلف طغى عليها الخلاف المتواصل بين ترمب وشركائه.
فقد صعدت روسيا وأوكرانيا هجماتهما المتبادلة خلال الأسابيع الأخيرة، بينما تعثرت الجهود الأميركية الرامية إلى التوصل إلى اتفاق سلام.
كما يواصل دبلوماسيون في الناتو التفاوض بشأن تعهد بتقديم نحو 70 مليار دولار من المساعدات العسكرية لأوكرانيا خلال العامين الحالي والمقبل، على أن يُعلن عنه خلال القمة.
وأفاد دبلوماسيان بأن الولايات المتحدة لن تشارك مباشرة في هذه المفاوضات، لكنها لم تعارض تضمين البيان الختامي صياغات داعمة لأوكرانيا.
وفي المقابل، قلل بعض المسؤولين الأميركيين من حجم التوترات.
وقال السفير الأميركي لدى حلف شمال الأطلسي، ماثيو ويتاكر، إن القمة «ستمثل مقياسًا للتقدم المحرز»، مشيرًا إلى التزام الحلفاء برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
وأكد ويتاكر أن «الولايات المتحدة لن تنسحب من الناتو»، لكنه أوضح أن إدارة ترمب ستسعى إلى مكافأة الدول الأكثر إنفاقًا على الدفاع.
وأضاف أن وزارتَي الدفاع والخارجية ناقشتا حوافز محتملة تشمل «إتاحة مزيد من الوقت مع القادة» و«منح أولوية في عمليات الشراء والتعاقدات الدفاعية».
أصدرت إدارة ترمب بيانات متضاربة بشأن القوات الأميركية خلال الأشهر الأخيرة، إذ لم يكن البنتاغون والبيت الأبيض متوافقين دائمًا في بعض الملفات.
فعلى سبيل المثال، بعد أن فاجأ البنتاغون بولندا بإلغاء عملية تناوب مقررة للقوات، تدخل ترمب وألغى القرار، متعهدًا بزيادة الوجود العسكري الأميركي هناك.
وفي حالات أخرى، ألمح الرئيس الأميركي إلى أن بعض التخفيضات المحتملة في الوجود العسكري الأميركي قد ترتبط بمواقف أوروبية انتقدت السياسة الأميركية تجاه الحرب على إيران.
ويعتزم القادة الأوروبيون الإعلان عن التزامهم بتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة، وهي رسالة تتقاطع مع مطالب إدارة ترمب التي تدعو إلى تقليص الاعتماد على الموارد العسكرية الأميركية.
ويؤكد صناع القرار الأوروبيون أن خطط إعادة التسلح تأتي استجابة لتصاعد التهديدات الروسية وتغير أولويات الولايات المتحدة الاستراتيجية، وليس فقط بهدف استرضاء ترمب.
ومع ذلك، ضغط مسؤولون في فرنسا وألمانيا على نظرائهم الأميركيين من أجل تنسيق أي عملية سحب محتملة للأسلحة أو القوات.
ولا يزال الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، يسعى للحفاظ على حضور أميركي قوي في أوروبا.
كما يواصل العديد من صناع القرار في الدول المجاورة لروسيا إبداء ثقتهم بالدور الأميركي أكثر من ثقتهم بقدرات فرنسا وألمانيا على الدفاع عنهم في حال نشوب مواجهة مع موسكو.
ويعتقد هؤلاء أن الالتزامات الأميركية التقليدية تجاه أمن الحلفاء والدفاع عن الديمقراطيات ستبقى حاضرة، إلى جانب الضغوط التي يمارسها مشرعون جمهوريون داعمون لاستمرار الانخراط الأميركي في أوروبا.
وقال دبلوماسي رفيع المستوى في حلف الناتو إن الأجواء التي تسبق القمة تتسم بالتفاؤل، لكنها تترافق أيضًا مع إدراك بأن «الأمور قد تنحرف عن مسارها» في أي لحظة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك