إيلاف من كاراكاس: تحت الأنقاض، لا يقاس الزمن بالساعات فقط، بل بالنَفَس.
أربع دقائق بلا هواء قد تنهي الحياة، وأيام قليلة بلا ماء تجعل الجسد يدخل معركة قاسية مع الجفاف، وأسبوع كامل تحت الركام قد يصبح، في لغة فرق الإنقاذ، معجزة تمشي على حافة المستحيل.
بعد الزلزالين اللذين ضربا شمال فنزويلا في 24 حزيران (يونيو)، لا تزال قصص النجاة الخارجة من الخرسانة المنهارة تدهش البلد المنكوب.
ففي لا غوايرا، إحدى أكثر المناطق تضرراً، انتُشل أب وابنه بعد نحو 4 أيام تحت الركام، فيما أخرجت فرق الإنقاذ لاحقاً حارس أمن، هو هرنان جيل، بعد 8 أيام من انهيار مبنى فوقه، في واحدة من أكثر لحظات الكارثة إثارة للدهشة.
السؤال الذي عاد بقوة مع هذه القصص هو: إلى متى يمكن لإنسان أن يبقى حياً تحت أنقاض زلزال؟ الجواب الطبي لا يعطي رقماً واحداً.
فالدكتور سانجاي غوبتا، كبير المراسلين الطبيين في CNN، يقول إن لا قاعدة علمية صارمة تحسم المدة، لكن الخبرة المتراكمة من زلازل سابقة، مثل هايتي ونيبال، تشير إلى أن غالبية الناجين يُنتشلون خلال أول 24 ساعة.
وبعد ذلك، تصبح كل ساعة إضافية سباقاً مع الجفاف والإصابات ونقص الهواء.
تعتمد فرق الإنقاذ غالباً على ما يُعرف بـ«قاعدة الأربعة»: 4 دقائق تقريباً بلا هواء، 4 أيام بلا ماء، و4 أسابيع بلا طعام.
لكنها ليست قانوناً حديدياً، بل تقدير تقريبي جداً.
فالشخص العالق قد يموت خلال ساعات إذا كان مصاباً بنزف أو سحق شديد، وقد يعيش أياماً إذا كان محصوراً في فراغ يسمح بمرور الهواء، وبالقرب من مصدر ماء، أو إذا كانت حرارته الجسدية مستقرة.
العامل الحاسم الأول هو شكل الانهيار.
إذا سقط المبنى بطريقة «الفطيرة»، أي انهارت الطوابق فوق بعضها طبقة بعد طبقة، تقل فرص النجاة كثيراً لأن الفراغات الهوائية تصبح محدودة، والضغط على الجسم قد يكون قاتلاً.
أما إذا خلّف الانهيار ما تسميه فرق الإنقاذ «فراغات حياة»، وهي جيوب صغيرة بين الجدران والأثاث والخرسانة، فقد يجد العالق مساحة للتنفس وربما للتحرك قليلاً.
وهذا ما يجعل عمل فرق الإنقاذ شديد الحساسية.
فإزاحة كتلة إسمنتية بسرعة قد تفتح الطريق إلى ناجٍ، لكنها قد تسقط ما تبقى فوقه.
لذلك تستخدم الفرق أجهزة استماع تلتقط الطرقات أو الأصوات الخافتة، وكاميرات دقيقة تُدخل بين الفتحات، وكلاباً مدربة على رصد رائحة البشر، ثم يبدأ الحفر البطيء: سنتيمترات محسوبة بين صمت ونداء ورجاء.
في فنزويلا، تحولت هذه التفاصيل إلى حياة أو موت.
«رويترز» أفادت بأن فرقاً فرنسية وأميركية ساعدت في إنقاذ أب وابنه بعد 4 أيام في لا غوايرا، وأنهما كانا ضعيفين ومصابين بالجفاف عند إخراجهما.
وبعد أيام، وصفت تقارير دولية إنقاذ هرنان جيل بعد 8 أيام بأنه «معجزة»، بعدما تمكّنت الفرق من إيصال السوائل إليه بطريقة محدودة قبل إخراجه.
لكن لكل معجزة ظلها القاسي.
فمع مرور الأيام، تتراجع فرص العثور على أحياء، وتتحول عمليات الإنقاذ تدريجياً إلى عمليات انتشال.
في فنزويلا، بدأت فرق دولية بتقليص عملياتها، فيما واصل متطوعون محليون يُعرفون باسم «التوبوس» أو «الخُلْدان» الحفر بأدوات بسيطة بين مبانٍ منهارة، أحياناً بحثاً عن ناجين، وأحياناً عن جثث عالقين لم يتمكن ذووهم من وداعهم.
ولا يتوقف خطر الأنقاض عند الجوع والعطش.
فهناك ما يسميه الأطباء «متلازمة السحق»، وهي حالة تحدث عندما يبقى جزء من الجسم مضغوطاً تحت كتل ثقيلة لساعات طويلة.
وعند تحرير المصاب فجأة، قد تدخل مواد سامة متراكمة في العضلات إلى مجرى الدم، فتسبب فشلاً كلوياً أو اضطراباً خطراً في القلب.
لذلك يحتاج بعض الناجين إلى إسعاف طبي فوري، لا مجرد إخراجهم من المكان.
كما تلعب الحرارة دوراً قاتلاً.
في الطقس الحار، يفقد الجسم الماء بسرعة، ويزداد خطر الجفاف.
وفي البرد، تهبط حرارة الجسم حتى لو كان الشخص غير مصاب مباشرة.
أما الأطفال وكبار السن والمصابون بأمراض مزمنة، فتكون فرصهم أضعف، لأن أجسادهم أقل قدرة على احتمال الصدمة والجوع والعطش.
ومع ذلك، لا تستطيع فرق الإنقاذ أن تفترض الموت مبكراً.
فقصص النجاة بعد 5 أو 8 أو حتى 10 أيام في زلازل سابقة علمت العالم أن الصمت تحت الركام لا يعني دائماً النهاية.
أحياناً يكون الناجي عاجزاً عن الصراخ، أو فاقداً للوعي لفترات، أو يطرق بيده على كتلة إسمنتية لا يسمعها أحد إلا بجهاز دقيق.
لذلك، حين تسأل فرق الإنقاذ: «هل يوجد أحد؟ »، فهي لا تبحث عن صوت فقط، بل عن أي إشارة: نقرة، حركة، حرارة جسم، رائحة، تغير في الهواء.
وفي كل مرة يظهر ناجٍ بعد أيام، يتجدد الأمل في أماكن أخرى، حتى لو كانت الحسابات الطبية تقول إن الاحتمالات تضعف.
في الكوارث الكبرى، لا تصنع النجاةَ الصدفة وحدها.
يصنعها بناء لم ينهَر كاملاً، وفراغ صغير لم يسحق الجسد، وزجاجة ماء قريبة، وجسد قادر على الصمود، وفريق إنقاذ لم يتوقف عن الاستماع.
لذلك، لا توجد إجابة واحدة عن سؤال: كم يعيش الإنسان تحت الأنقاض؟ الجواب الأدق: يعيش بقدر ما يمنحه الركام من هواء، وما يمنحه الجسد من مقاومة، وما يمنحه المنقذون من وقت لا يضيع.
وفي فنزويلا اليوم، كل ناجٍ يخرج بعد أيام لا يغير فقط رقم الضحايا.
إنه يذكّر العالم بأن تحت الإسمنت، حتى حين يبدو كل شيء منتهياً، قد يبقى شخص ينتظر أن يسمعه أحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك