أثبت" باك رومز" (Backrooms) أنه أحد أكثر أفلام عام 2026 إثارة للاهتمام، ليس فقط بسبب نجاحه التجاري والنقدي، بل أيضا بسبب الطريقة غير التقليدية التي ولد بها المشروع.
الفيلم من إخراج الشاب كين بارسونز، الذي بدأ رحلته مع عالم" باك رومز" عبر سلسلة فيديوهات قصيرة على يوتيوب، قبل أن تتحول الفكرة إلى إنتاج سينمائي كبير بدعم من استوديو" إيه 24" (A24).
ويشارك في بطولة الفيلم عدد من الأسماء البارزة، من بينهم تشيويتل إيجيوفور، وريناته راينسفه، ومارك دوبلاس.
كيف حول كين بارسونز كابوس الإنترنت إلى ظاهرة سينمائية؟لفهم أهمية" باك رومز" يجب النظر إليه بصورة أوسع من مجرد فيلم ناجح بميزانية ضئيلة، فهو في الحقيقة أحد أكثر مشاريع الأفلام نجاحا في نقل محتوى الإنترنت إلى السينما.
list 1 of 2مهرجان فينيسيا يمنح جورج كلوني الأسد الذهبي تكريما لمسيرة" استثنائية"list 2 of 2ذهبا لإنقاذ زواجهما.
فلماذا أراد بطلا “على جثتك” قتل أحدهما الآخر؟تعود البداية إلى صورة مجهولة المصدر انتشرت عام 2019 على منتديات الإنترنت، تظهر غرفة صفراء فارغة بإضاءة مزعجة.
وسرعان ما تحولت الصورة إلى ما يُعرف باسم" باك رومز"، وهي أسطورة رقمية تقوم على فكرة السقوط خارج الواقع والدخول في متاهة لا نهائية من الغرف والممرات المتشابهة.
على الجانب الآخر، ظهر اسم كين بارسونز، المعروف أيضا على الإنترنت باسم" كين بيكسلز" (Kane Pixels)، عام 2022 عندما نشر على يوتيوب فيلما قصيرا بعنوان" ذا باك رومز: فاونند فوتاج" (The Backrooms Found Footage).
لم يكن بارسونز وقتها سوى مراهق شغوف بالمؤثرات البصرية، لكنه نجح في تحويل فكرة الإنترنت المجردة إلى تجربة بصرية كاملة، بالمزج بين أسلوب اللقطات المعثور عليها (Found Footage) والفراغ المعماري الذي أصبح السمة الأساسية لعالم" باك رومز".
حقق الفيديو انتشارا هائلا، وتبعه عدد كبير من المقاطع التي وسعت الأسطورة وأضافت إليها خلفيات وشخصيات.
المثير للاهتمام أن بارسونز لم يصل إلى هوليوود عبر الأفلام القصيرة أو المهرجانات، إنما عبر يوتيوب مباشرة، فقد لاحظت" إيه 24" النجاح غير المسبوق للسلسلة، وسارعت إلى تطوير فيلم طويل مع الاحتفاظ ببارسونز نفسه مخرجا للمشروع، في خطوة نادرة تعكس ثقة الاستوديو في رؤيته الفنية.
يدور فيلم" باك رومز" حول معالجة نفسية تُدعى ماري (ريناته راينسفه)، تحاول العثور على أحد مرضاها بعد اختفائه داخل بُعد غامض أو" باك رومز".
وخلال رحلتها تكتشف شبكة هائلة من الغرف والممرات التي تتحدى قوانين المكان والواقع، بينما تتكشف تدريجيا علاقة هذا العالم بمشاعر الفقد والوسواس والهروب من الألم.
ومع تقدم الأحداث يتحول البحث عن المفقود إلى مواجهة مع متاهة تبدو وكأنها تستمد قوتها من ذكريات البشر وصدماتهم النفسية.
يمثل" باك رومز" انتقالا كاملا من الرعب على الإنترنت إلى السينما، فالفيلم يقتبس أسطورة حديثة أثرت في ملايين مستخدمي الشبكة العنكبوتية، وينقل في الوقت نفسه اللغة البصرية التي وُلدت على يوتيوب، محتفظا بكثير من خصائص" رعب الإنترنت" القائم على الغموض والفراغ والقلق الوجودي، ما يجعله لحظة فارقة في تاريخ الرعب المعاصر، عندما أثبتت ثقافة الإنترنت قدرتها على إنتاج ظواهر سينمائية دون الحاجة إلى رواية أو لعبة فيديو أو سلسلة أفلام سابقة تستند إليها.
" باك رومز" ومتاهة بلا مخرجلا يعتمد" باك رومز" على الوحوش أو المطاردات التقليدية، وإنما على رعب المكان نفسه، فمنذ لحظات دخول الغرف الخلفية الأولى يبدأ الإحساس بالخطر والتهديد، حيث الممرات المتشابهة، والغرف الصفراء الخالية، وصوت الإضاءة الفلورية، لتصبح تلك التفاصيل عناصر الرعب الأساسية، مما يجعل التصميم البصري والصوتي أحد أفضل عناصر الفيلم، حيث سمحا بخلق شعور دائم بالاختناق والضياع، حتى في اللحظات التي لا يحدث فيها أي تهديد مباشر.
هذه الفكرة تقرب الفيلم -بشكل غير مباشر- من فيلم" أن تكون جون مالكوفيتش" (Being John Malkovich).
ففي العملين يبدأ كل شيء بعبور باب أو ممر يقود إلى واقع مختلف، لكن بينما يستخدم تشارلي كوفمان هذا العالم لطرح أسئلة عن الهوية والرغبة في عيش حياة الآخرين، يستخدم" باك رومز" المتاهة لطرح سؤال مختلف: ماذا يحدث عندما يفقد الإنسان إحساسه بالمكان والمعنى معا؟ويظهر ذلك في عدد من المشاهد التي يتكرر فيها مرور الشخصيات بالممرات نفسها رغم محاولات الهرب، أو عندما تتحول الغرف المتشابهة إلى فضاء يستحيل تمييز بدايته من نهايته.
كما ينجح الفيلم في استثمار الصمت الطويل، واللقطات الضيقة، وغياب أي علامات زمنية واضحة، ليمنح المتفرج الإحساس نفسه الذي تعيشه الشخصيات، فلا يعرف إن كانت مرت دقائق أم أيام.
يمكن قراءة" باك رومز" كذلك كفيلم عن الاغتراب، فالمتاهة المألوفة، لكنها الخالية من أي معنى، تعكس حال الإنسان المعاصر الذي يجد نفسه محاطا بالناس، لكنه في عزلة كاملة في الوقت نفسه.
كذلك يجسد عالم الفيلم الصدمة النفسية بصورة بصرية متلونة حسب الشخصية.
فما تعايشه الطبيبة النفسية يختلف عما يراه مريضها.
كما لا تواجه الشخصيات وحشا واحدا بقدر ما تواجه استحالة الخروج من دائرة مغلقة، إذ يجد بعض الأشخاص أنفسهم عالقين داخل ذكرياتهم أو مخاوفهم.
لكن في الوقت ذاته، يلاحظ أن قوة العالم البصري جاءت على حساب الشخصيات، وأن المتاهة نفسها أكثر إثارة من الرحلة الدرامية التي تخوضها الشخصيات.
ومع ذلك، يبقى نجاح الفيلم الحقيقي في قدرته على تحويل فكرة رقمية بسيطة إلى تجربة سينمائية تثير أسئلة عن الخوف والهوية والوجود، بقدر ما تثير الرعب نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك