فيديو العنصرية يسرق بوصلة الوعي❝ ليست أخطر المعارك تلك التي تُشعلها الكلمات، وإنما تلك التي تنجح في سرقة بوصلة الوعي.
❞كان العرب يقولون: “إذا ارتفع الغبار، ضلَّ البصر قبل أن يضل الطريق”.
ولم يكن الغبار عندهم تراباً تثيره الخيل وحدها، بل كل ما يحجب الرؤية حتى يلتبس الحق بالظن.
ويُحكى أن شيخاً، بعدما انقضت معركة اختلف الناس فيمن بدأها، جمع قومه وقال: “لا تبحثوا أولاً عمَّن صرخ، بل ابحثوا عمَّن أثار الغبار؛ فالغبار لا يغيّر الطريق، لكنه يحجب الرؤية حتى يختلف الناس وهم يسيرون في الاتجاه نفسه”.
ولم يكن صمت العارفين عجزاً عن الكلام، وإنما إدراكاً أن الحقيقة قد تختفي خلف الضجيج، وأن أخطر ما يصيب الأمم ليس أن تخطئ الطريق، بل أن تفقد القدرة على رؤيته.
وهكذا تبدو حكاية أيامنا.
ففي غضون أيام قليلة، انصرفت بوصلة النقاش العام من حادثة استهداف المعدنين السودانيين (الدهابة) في المنطقة القريبة من الحدود الشمالية، وما أثارته من أسئلة سياسية وأمنية، إلى موجة غضب واسعة بسبب مقطع متداول نُسب إلى سيدة مصرية تضمَّن إساءات إلى السودانيات.
حتى بدا المشهد كله وكأن بوصلة الاهتمام قد أُعيد ضبطها في لحظة واحدة.
ثم ظهرت رواية أخرى، نقلتها الزميلة الأستاذة آمال الطويل، أفادت فيها بأن السيدة نفت علاقتها بالمقطع، وقالت – بحسب ما نُشر – إنه صُنع باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنها بريئة منه، وقد تقدمت ببلاغ إلى الجهات المختصة للتحقيق.
وهنا لم يعد السؤال: ”هل الفيديو حقيقي أم مُفبرك؟ ”.
بل أصبح السؤال الأهم: “كيف استطاع حدث واحد، قبل أن تُحسم حقيقته، أن يعيد ترتيب أولويات النقاش العام؟ ”.
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده؛ لأن القضية، في جوهرها، ليست فيديو، ولا اسماً بعينه، وإنما وعيٌ يتعرض لاختبار صعب كلما ارتفع الضجيج.
ولهذا، فإن الجدل لا ينبغي أن يُحسم بالغضب، ولا بالرغبة في الانتصار لرواية على أخرى، وإنما بالتحقيق الفني المستقل.
فإن أثبت التحقيق الفني صحة المقطع.
فلكل واقعة مسؤوليتها وأحكامها.
وإذا أثبتت أنه صُنع أو عُدِّل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن السؤال ينتقل إلى من صنعه، ولماذا، وكيف انتشر؟
وفي الحالتين، يبقى الدليل هو الفيصل؛ لأن الحقيقة لا تُولد من كثرة المشاركات، وإنما من قوة البرهان.
فالوعي الحقيقي لا يخشى الحقيقة، أيّاً كانت؛ وإنما يخشى أن يُطلب منه أن يحكم قبل أن يعرفها.
غير أن القضية لا تتوقف عند صحة الفيديو أو بطلانه؛ فحتى بعد أن يقول التحقيق كلمته، يبقى سؤالٌ أكثر اتساعاً: “ماذا فعل هذا الحدث بطريقة تفكيرنا؟ ” وهل أعاد ترتيب أولويات النقاش العام قبل أن يعيد ترتيب الحقائق نفسها؟
فالمجتمعات الراسخة لا تسمح لأي حدث ــ مهما علا صخبه ــ أن يحدد لها ما ينبغي أن تفكر فيه، قبل أن تحدد هي ما يستحق التفكير فيه.
وفي أوقات التوتر بين الدول، تتقدم إلى واجهة المشهد أحداث تستأثر بالانتباه، بينما تتراجع القضايا الإستراتيجية إلى الصفوف الخلفية.
قد يكون ذلك بفعل فاعل، وقد يكون ذلك أثراً لطبيعة الفضاء الرقمي الذي يكافئ الإثارة أكثر مما يكافئ الحقيقة، ويمنح الانفعال سرعة لا تمنحها الوقائع، وقد تستفيد منه أطراف متعددة، وقد يجد أصحاب المصالح فيه فرصة لإعادة توجيه النقاش بعيداً عن الملفات الأكثر حساسية.
وأياً يكن السبب، أو من الفاعل، فإن النتيجة تكاد تكون واحدة؛ تتحول بوصلة النقاش من مناقشة السياسات إلى إدارة الغضب، ومن البحث في المصالح إلى تبادل الاتهامات، ومن الأسئلة الكبرى التي تصنع المستقبل، إلى معارك جانبية وانفعالات تستهلك الأعصاب ولا تنتج حلولاً، بينما تبقى القضايا التي تمس أمن الأوطان ومصالحها تنتظر من يعيدها إلى مكانها الطبيعي في صدارة الاهتمام.
والخاسر الأكبر في كل ذلك ليس حكومةً هنا أو سلطةً هناك، وإنما ذلك الرصيد التاريخي الذي بناه شعبا وادي النيل عبر قرون؛ رصيد لم تصنعه البيانات الرسمية، ولا الاتفاقيات السياسية وحدها، بل صنعه النيل، والجوار، والمصاهرة، والهجرة، والتجارة، ومواقف النبل التي وقف فيها كل شعب إلى جانب الآخر في ساعات العسرة.
ومن المؤلم أن يستغرق بناء هذه الثقة أجيالاً، بينما قد تكفي موجة تحريض، أو مقطع متداول، أو حملة تعبئة، لإحداث شروخ فيها إذا غابت بوصلة الوعي، أو إذا تُركت الخوارزميات تحدد للناس ما يغضبون له، وما يغفلون عنه.
فليس كل ما يشغل الناس يستحق أن يقودهم، وليس كل ما يتصدر الشاشات ينبغي أن يتصدر أولويات الأوطان.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه اللحظات، ليس أن يختلف السودانيون والمصريون حول موقف سياسي؛ فذلك مما تعرفه العلاقات بين الدول، وإنما أن يُستدرج الشعبان إلى خصومة وجدانية تُهدر إرثاً صنعته قرون من الجوار والمصير المشترك.
فالعلاقات التي يرويها النيل لا ينبغي أن تُحرقها موجة غضب عابرة، ولا أن تصبح رهينة لمن يربح من اتساع الشقاق، أياً كان.
وهنا يعود شيخ العرب الذي افتتحنا به الحكاية.
لقد تغيَّر الغبار الذي حدَّثنا عنه؛ فلم يعد تراباً تثيره الخيل، بل سيولاً من الصور، والمقاطع، والمنشورات، والخوارزميات، تتسابق جميعها إلى احتلال الانتباه قبل أن تمنح العقل فرصة التفكير.
لكن وظيفته بقيت كما هي؛ لا يغيِّر الطريق، وإنما يحجب الرؤية.
وهكذا يعود العنوان إلى معناه.
« فيديو العنصرية يسرق بوصلة الوعي»ليس حكماً على فيديو، ولا دفاعاً عن رواية، وإنما دعوة إلى أن يبقى الوعي يقظاً، فلا يسمح لأي ضجيج أن يعيد ترتيب أولوياته قبل أن يعيد ترتيب أدلته.
فالأوطان لا يحرس حدودها السلاح وحده، وإنما يحرسها أيضاً وعيٌ لا يسمح للغبار أن يصبح دليلاً، ولا للضجيج أن يصبح حقيقة، ولا للعاطفة أن تسبق البرهان.
الله غالب.
❝ قد يسبق الضجيج الحقيقة إلى الأسماع، لكنه لا يستطيع أن يسبقها إلى التاريخ؛ فالتاريخ لا يكتبه الأعلى صوتاً، وإنما الأقرب إلى الحقيقة.
❞حيث تنطق الكلمات قبل أن تُقرأ، ويترفق الأفق باتساعه، فلا يتسع إلا للحق.
لأن الأوطان لا يحرسها الغضب، وإنما وعيٌ يعرف متى يسأل، ومتى ينتظر، ومتى يحكم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك