يعيش السودانيون ظروفاً مأساوية نتيجة شحّ المياه في الخرطوم ومناطق أخرى، حتى صارت أزمة العطش الهاجس الأكبر لآلاف المواطنين، فيما تعجز السلطات المحلية والجهات الحكومية عن إيجاد حلولٍ جذرية، حتى إنّ مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان حذّر من أنّ نقص المياه النظيفة بلغ مستوى حرجاً في مدينة الأبيض.
تواجه مناطق واسعة في السودان أزمة عطش خانقة تهدّد حياة الملايين، خصوصاً الأشخاص الذين عادوا من قهر النزوح واللجوء، ليجدوا أنفسهم أمام شحٍّ كبير في مياه الشرب، واحتكارٍ إجرامي رفع أسعار هذا المورد الحيوي.
وفي مقدّمة المدن المعرضة للأزمة العاصمة الخرطوم، ومدينة الأبيض مركز ولاية شمال كردفان المحاصرة من قبل قوات الدعم السريع، وولاية القضارف في أقصى الجنوب على الحدود الإثيوبية.
وتعود أسباب كارثة نقص المياه في البلد الذي يتوفر على مصادر مياه كبيرة إلى التدمير الممنهج الذي طاول محطات إنتاج وتوزيع المياه بشكل مباشر في أثناء الحرب المتواصلة منذ منتصف إبريل/نيسان 2023، إذ كرر طرفا الحرب، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، قصف محطات المياه بالأسلحة الثقيلة والمسيّرات، بينما كررت مجموعات مسلحة وعناصر يوصفون بـ" المتفلّتون" بنهب وتخريب المعدات الأساسية والمولدات الكهربائية، ما أدّى إلى خروج المحطات عن الخدمة.
وضاعف الانقطاع المستمر للكهرباء نتيجة انعدام الوقود تبعات أزمة المياه، إذ تعطّل عمل الآبار الصغيرة التي كانت تسهم في تلبية احتياجات عددٍ من الأحياء السكنية.
في 3 يوليو/تموز الجاري، حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أنّ نقص المياه النظيفة بلغ مستوى حرجاً في مدينة الأٌبيض.
وأمام أزمة العطش التي صارت الهاجس الأكبر لآلاف السودانيين، تعجز السلطات المحلية والحكومة الاتحادية عن إيجاد حلولٍ جذرية، أو حتى مؤقتة.
ويبرّر مسؤولون حكوميون العجز عن صيانة محطات المياه بالارتفاع الهائل في تكاليف الصيانة، وغلاء أسعار قطع الغيار، إلى جانب صعوبة استيرادها أو نقلها أو تأمين وصولها في ظل الأوضاع الأمنية المتدهورة.
وعلى مدار أشهرٍ، تحوّلت مسألة الحصول على قطرة مياه في عدد من المدن والأرياف السودانية إلى معاناةٍ يومية لآلاف المواطنين الذين يقضون ساعاتٍ طويلة في صفوف انتظار الناقلات التي توزّع المياه على الأحياء، بينما يعتمد البعض على مصادر مياه غير موثوقة، ما ينذر بكارثة صحية وشيكة، خصوصاً أنّ البلاد تشهد بين الحين والآخر تفشيّاً لعدة أوبئة، من بينها الكوليرا.
وتتجلى أزمة العطش في العاصمة السودانية، حيث تعرّضت محطات إنتاج وتوزيع المياه لعمليات قصف وتخريب شملت 12 محطة رئيسية من أصل 13 محطة كانت تعمل في ولاية الخرطوم، وفقاً لما أوردته الجمعية السودانية لحماية البيئة في إبريل الماضي، إلى جانب سرقة المولدات الكهربائية، وتحطيم الكثير من خطوط النقل والتوزيع.
من محلية شرق النيل التابعة لولاية الخرطوم، تقول عائدة عبد الله (58 سنة) لـ" العربي الجديد": " صار الحصول على مياه الشرب بمثابة حلم كبير للأسر، حيث لا تتوفر المياه لا عبر خطوط التوزيع ولا عبر البيع، وقد ناشد السكان المنظمات الخيرية من أجل تزويدهم بالمياه، حيث يقفون ساعاتٍ في طوابير طويلة من أجل ملء الأواني والبراميل".
وتتابع عائدة، وهي أم لخمسة أطفال: " رغم الغلاء الفاحش وحالة الفقر، لكن أزمة المياه باتت الهمّ الأكبر لآلاف الأسر التي عادت من النزوح واللجوء، ووجدت نفسها أمام مشكلة ندرة المياه والوقود وانقطاع الكهرباء، ما يُجبر أفرادها على النزوح مجدّداً".
داخل أحياءٍ عريقة، من بينها حي الخرطوم شرق الذي يبعد بضعة كيلومترات عن القصر الجمهوري، لا توجد مياه في معظم المنازل، أمّا في الأحياء الطرفية، مثل الأزهري ومايو (جنوب)، فإنّ حياة السكات عادت عقوداً إلى الماضي، إذ صار مظهر عربات المياه التي تجرّها الدواب مشهداً مألوفاً.
من حيّ الأزهري، يقول محمد مرزوق لـ" العربي الجديد": " نشتري المياه من أصحاب العربات التي تجرّها الحمير، وهؤلاء يجلبونها من آبارٍ جوفية خاصة يتاجر أصحابها بمياهها.
معظم هذه الآبار مياهها غير آمنة، كما أن طريقة نقلها غير آمنة، ورغم ذلك يضطرّ السكان إلى شربها لعدم توفر البديل".
وتنطبق الحال نفسه على سكان غرب العاصمة وشمالها، ويقول علي إبراهيم الذي يسكن في مدينة الخرطوم بحري التي تشكّل الجزء الثالث للعاصمة السودانية: " هناك أزمة حادّة في مياه الشرب، لدرجة أنّ الأهالي يلجؤون إلى السوق السوداء للحصول عليها".
ويخبر" العربي الجديد" أنّ البعض يبيع المياه بأسعارٍ لا تخضع لأيّ رقابة.
وفي بيانها في 30 يونيو/حزيران الماضي، أوضحت هيئة مياه ولاية الخرطوم أنّ شحّ إمداد المياه فى منطقة شمال بحري، شمالي العاصمة، يعود إلى انحسار النيل عن مأخذ المحطة التي تغذّي المنطقة.
وكشف المدير العام للهيئة محمد أحمد عوض أنّ الهيئة اتّخذت تدابير عاجلة بالتدخل لمعالجة نقص إمداد المياه في المنطقة، مؤكّداً أنّ الترتيبات شملت توفير معداتٍ لتنظيف مجرى النيل المغذّي المحطةَ.
وتوقّع أن يعود إمداد المياه إلى المناطق المتأثرة قريباً.
بالمقابل، ينظر سكان ولاية الخرطوم إلى وعود المسؤولين بوصفها" مجرد خطابات للاستهلاك الإعلامي، أكثر منها لوضع حدّ لأزمة العطش".
ويقول أمير صالح من شمال بحري لـ" العربي الجديد": " أزمة المياه مستمرة منذ تحرير الخرطوم من قوات الدعم السريع، وفي كلّ مرّة يخرج مسؤول حكومي ويبرّر عدم وجود المياه بمشكلة ما.
أحياناً يتحجّجون بالطمي الذي أغلق الخطوط الناقلة لأن المحطة ترفع من النيل مباشرة، وأحياناً أخرى يتذرّعون بانقطاع الكهرباء أو تدمير البنية التحتية لمحطات الإنتاج.
كلّ ذلك من دون إيجاد أيّ حلّ ناجع لهذه الأزمة الحيوية".
وفي مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، يواجه السكان ظروفاً قاسية حيث تشهد المدينة التي يعيش فيها حالياً أكثر من مليون نسمة، بحسب مصادر محلية، انقطاعاً تاماً لمياه الشرب منذ أسابيع بعد تدمير قوات الدعم السريع مصادر المياه الواقعة خارج المدينة، وقصفها محطة الكهرباء الرئيسية ومستودعات الوقود.
ويقول ياسر أحمد، أحد سكان المدينة، لـ" العربي الجديد": " دُمّرت محطة المياه الرئيسية في منطقة الدانكوج شمالي الأبيض، أما المحطة الأخرى في جنوب المدينة، فقد توقفت بسبب انقطاع الكهرباء، وذلك بعد قصف وتدمير محطة الكهرباء التحويلية الرئيسية واشتعال النيران فيها، وكذلك قصف مستودعات الوقود، ما جعل المدينة تغطّ في الظلام، إلى جانب توقف ضخّ المياه نهائياً".
ويشير ياسر إلى أن غالون مياه الشرب يُباع بأسعارٍ باهظة، ما دفع كثيراً من السكان إلى النزوح بسبب العطش وندرة المياه".
أما كوثر طه، وهي نازحة من مدينة بارا إلى مدينة الأبيض، فتصف أزمة العطش بـ" الكارثية".
وتقول لـ" العربي الجديد": " نعيش أوضاعاً مأساوية داخل الخيام البائسة، فضلاً عن غلاء السلع الغذائية وانعدام الأمان، وأخيراً أزمة مياه الشرب التي تمثل فصلاً جديداً من المعاناة".
وتضيف المرأة التي تعيل سبعة أبناء: " تهدّد أزمة المياه النازحين بالموت عطشاً، في حال استمرّت لفترة أكثر".
ودفعت أزمة المياه في مدينة الأبيض عدداً من المستشفيات والمراكز الصحية إلى توقيف خدماتها بسبب عجزها عن توفير مياه الشرب للكوادر الصحية وللمرضى.
ويقول طبيب في مستشفى الأبيض الحكومي لـ" العربي الجديد"، طلب عدم الكشف عن هويته: " لا يمكن لأيّ مستشفى العمل من دون مياه كافية، ولذلك أغلق عدد من المستشفيات والمراكز الصحية أبوابه، فيما قلّل البعض الآخر من عدد أيام العمل".
وفي ولاية القضارف، يواجه السكان صعوبات في الحصول على مياه الشرب رغم عدم تأثر محطات الإنتاج بأيّ استهداف عسكري.
ووفقاً لإفادات المواطنين، تعود الأزمة إلى عدم توفر الوقود وانقطاع الكهرباء، وضعف محطات الإنتاج.
ويقول سليمان مبارك، وهو من مدينة القضارف، لـ" العربي الجديد": " هناك مناطق عديدة في الولاية، وحتى في داخل المدينة، لا تتوفر فيها مياه الشرب، ويضطرّ سكانها إلى شراء المياه من مناطق بعيدة، وبأسعارٍ مرتفعة.
أمّا في أسواق المدينة، فقد تحوّلت المياه إلى سلعة تجارية".
وبحسب مسؤول حكومي في وزارة الزراعة والري السودانية، تعود أزمة المياه في أجزاءٍ من البلاد إلى عددٍ من الأسباب، من بينها توقف صيانة محطات الإنتاج التي تعرّضت لعمليات تخريب واسعة أثناء الحرب، ونفاد الوقود، وعدم قدرة السلطات على شراء قطع الغيار".
ويتابع المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن هويته لحساسية موقعه: " صارت الأزمة أكبر من تركها في عهدة حكومات الولاية أو الحكومات المحلية.
ففي ظلّ الوضع الراهن، لا يمكن إحراز أيّ تقدّم لأنّ محطات إنتاج المياه تعتمد على الكهرباء، وهي غير متوفرة، وحتى إن توفرت الكهرباء، فإنّ محطات مياه عديدة تحتاج إلى الصيانة، وهو ما يتطلب مبالغ مالية كبيرة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك