توريث الخبرات.
ميراث تصنع به الحضاراتحين يتوفى إنسان كبير في السن، أو يتقاعد بعد رحلة طويلة من العمل، يتبادر إلى الأذهان ما تركه من مال أو عقار أو ممتلكات.
لكن قليلا ما نتساءل: ماذا عن الخبرات والتجارب والدروس التي جمعها خلال عشرات السنين؟فكل إنسان عاش عمرا طويلا يحمل في داخله قصة كاملة من المحاولات، والنجاحات، والإخفاقات، والتجارب.
تعلم من الناس، وجرب بنفسه، وأخطأ وأصاب، ورأى من تقلبات الحياة ما لم يره من جاء بعده.
وهذه الخبرات قد تكون أثمن من كثير من الممتلكات المادية.
ومع ذلك، يرحل كثير من الناس، أو يعتزلون الحياة العملية، دون أن ينقلوا إلا جزءا يسيرا مما تعلموه.
وكأن كل جيل يبدأ رحلته من جديد، ويكرر كثيرا من الأخطاء نفسها، ويعيد اكتشاف ما اكتشفه غيره من قبل.
مرت على البشرية أجيال من العلماء، والمفكرين، والمصلحين، والعباقرة، وصناع الحضارات.
ولم يكن أثرهم فيما تركوه من كتب، أو مبان، أو مؤسسات فحسب، بل فيما نقلوه إلى غيرهم من خبراتولعل من أجمل ما يلفت النظر في القرآن الكريم أنه لم يكتف بتوجيه الإنسان إلى ما ينبغي أن يفعل، بل نقل إليه خبرات وتجارب من سبقوه.
فالقصص القرآني ليس سردا تاريخيا، وإنما مدرسة مفتوحة للأجيال.
نقرأ قصة نوح عليه السلام فنتعلم الصبر، وقصة يوسف عليه السلام فنتعلم الثبات وحسن التدبير، وقصة موسى عليه السلام فنتعلم مواجهة التحديات، كما نتعلم من قصص الأمم السابقة أسباب النهوض وأسباب السقوط.
وكأن القرآن يعلم الإنسان ألا يبدأ من الصفر، بل يبني على ما تعلمه من تجارب السابقين.
ولذلك تكررت فيه دعوات النظر، والاعتبار، والتفكر في مصائر الأمم، لأن الإنسان إذا أحسن الاستفادة من خبرات غيره اختصر على نفسه كثيرا من الطريق.
وهذا المعنى لا يقتصر على الأنبياء والأمم، بل يمتد إلى حياة الناس اليومية.
فكم من أب يملك من الخبرة ما ينفع أبناءه، وكم من أم تحمل من الحكمة ما تختصر به سنوات من الحيرة على أسرتها، وكم من معلم، أو طبيب، أو مهندس، أو مزارع، أو تاجر تعلم دروسا لا توجد في الكتب، بل صنعتها الأيام والمواقف والتجارب.
وقد مرت على البشرية أجيال من العلماء، والمفكرين، والمصلحين، والعباقرة، وصناع الحضارات.
ولم يكن أثرهم فيما تركوه من كتب، أو مبان، أو مؤسسات فحسب، بل فيما نقلوه إلى غيرهم من خبرات، وتجارب، ورؤى.
فكل حضارة عظيمة قامت على أكتاف من سبقها، واستفادت من تجاربهم، وأضافت إليها، ثم سلمتها للجيل التالي.
ولهذا لم يكن العباقرة يبدؤون من الصفر.
فالعلماء يبنون على جهود علماء سبقوهم، والمخترعون ينطلقون مما وصل إليه غيرهم، والمصلحون يستفيدون من تجارب من سبقهم.
وهكذا تتقدم الحياة خطوة بعد خطوة، وجيلا بعد جيل.
وفي المقابل، فإن المجتمعات التي تهمل خبراتها تدفع ثمن ذلك غاليا.
فكم من مؤسسة غادرها أصحاب الخبرة فتكررت الأخطاء نفسها بعد سنوات قليلة.
وكم من أسرة فقدت أحد كبارها، ففقدت معه ذاكرة كاملة من التجارب، والحلول، والعلاقات.
وكم من مجتمع أحال أبناءه إلى التقاعد، ثم تعامل معهم وكأن دورهم قد انتهى، بينما ما زال لديهم الكثير مما يمكن أن يقدم للأجيال الجديدة.
وفي عالمنا اليوم تتدفق المعلومات بصورة غير مسبوقة، وأصبح الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى.
لكن الخبرة ما زالت شيئا مختلفا.
فالمعلومة يمكن قراءتها في دقائق، أما الخبرة فتحتاج إلى سنوات طويلة من المعايشة، والتجربة، والخطأ، والتصحيح.
قد لا يملك الإنسان ثروة كبيرة، لكنه يملك تجربة صادقة، أو فكرة نافعة، أو درسا تعلمه بعد سنوات طويلة من المحاولة والخطأ.
وهذه أحيانا تكون أعظم أثرا، وأبقى نفعا، من كثير من الأموالولهذا، فإن من أعظم ما يمكن أن تقدمه الأجيال الكبيرة للأجيال الصاعدة أن تنقل إليها خلاصة ما تعلمته.
وقد يكون ذلك من خلال الكتابة، أو الحوار، أو السيرة الذاتية، أو المجالس الأسرية، أو التوجيه المهني، أو حتى حديث عابر يختصر على إنسان سنوات من الحيرة والتجربة.
وربما آن الأوان لأن يتحول توريث الخبرات إلى ثقافة عامة، داخل الأسرة، وبين الأصدقاء، وفي المدارس، والجامعات، ومؤسسات العمل.
فكما نحرص على توريث الأموال والممتلكات، يجدر بنا أن نحرص على توريث الدروس، والعبر، والتجارب النافعة.
ولعل السؤال الذي يستحق التأمل هو: ماذا سنترك لمن بعدنا؟قد لا يملك الإنسان ثروة كبيرة، لكنه يملك تجربة صادقة، أو فكرة نافعة، أو درسا تعلمه بعد سنوات طويلة من المحاولة والخطأ.
وهذه أحيانا تكون أعظم أثرا، وأبقى نفعا، من كثير من الأموال.
ويبقى سؤال يستحق التأمل: إذا كانت الخبرات من أثمن ما يملكه الإنسان، وإذا كانت الحضارات، في جانب كبير منها، ثمرة تراكم الخبرات البشرية عبر الأجيال، فكيف يمكن الحفاظ على هذا الميراث الإنساني؟ وكيف يمكن نقله بصورة أفضل إلى الأبناء، والطلاب، والموظفين، والأجيال القادمة؟ وكيف يتحول من جهود فردية متفرقة إلى ثقافة مجتمعية، ومبادرات عملية، ومشروعات مستدامة؟لعل هذا سؤال يستحق وقفة مستقلة، وحديثا آخر.
فالخبرات الصادقة هي أحد الكنوز الخفية في حياة البشر، وإذا أحسن الناس حفظها، ونقلها، وتبادلها، فإنهم لا يوفرون الوقت والجهد فحسب، بل يسهمون في بناء أجيال أكثر وعيا ونضجا، ويواصلون بذلك المسيرة نفسها التي صنع بها الأنبياء، والحكماء، والعلماء، والعباقرة، والحضارات أثرهم الممتد عبر التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك