تدق طبول الحرب مجدداً من واشنطن، مُنذرةً بحربٍ جديدةٍ مع إيران.
يُظهر التغيير الحاد (الإضافي) في موقف ترامب أن علينا دائماً النظر إلى الصورة الكلية في الشرق الأوسط، وعدم التسرّع في استخلاص النتائج بناءً على اتفاقٍ مؤقتٍ أو تغريدةٍ على وسائل التواصل الاجتماعي.
في الأسبوع الماضي، أحيا العالم ألف يومٍ على مجزرة 7 أكتوبر، وهي محطةٌ تستدعي دراسةً شاملةً للوضع.
سعى العديد من النقاد مؤخراً إلى تصوير الحرب على أنها فشلٌ استراتيجي.
مع ذلك، فإن دراسةً موضوعيةً للواقع تُفضي إلى استنتاجٍ مختلفٍ تماماً، وهو أن إسرائيل أحدثت تحوّلاً استراتيجياً عميقاً في الشرق الأوسط.
هذه عمليةٌ طويلةٌ ستستمر لسنوات، وهدفها النهائي إسقاط النظام الإيراني.
إن محاولة إيجاد حلول فورية لا تجدي نفعاً في واقع الشرق الأوسط، حيث يمتدّ جدول العدو الزمني أحياناً لعقود.
ومن أبرز الانتقادات التي وُجّهت مؤخراً، الادعاء بإمكانية إنهاء الحرب قبل دخول رفح، وصواب إنشاء بديل حكمي لحماس في صورة السلطة الفلسطينية، وأن إسرائيل تكبّدت خسائر فادحة دون أي مكسب استراتيجي حقيقي.
تستند هذه الادعاءات في معظمها إلى مفاهيم سابقة، كالافتراض بأن التسوية السياسية مع الفلسطينيين هي حجر الزاوية في حلّ الصراع الإسرائيلي العربي، وأن الانسحابات الإقليمية ستجلب الاستقرار.
علينا التخلي عن هذا الوهم ولندرك أن هذا التصوّر قد انهار، وأنّ التوق إلى السلام ينظر إليه الطرف الآخر على أنه ضعف إسرائيلي.
إن فكرة طرح السلطة الفلسطينية بديلاً مستقراً لحماس، تتجاهل الواقع.
أولاً، لأن حماس، التي سيطرت بالقوة على قطاع غزة بعد إلقاء عناصر فتح من أسطح المنازل، لن تتردد في تكرار ذلك.
ثانياً، لأن السلطة الفلسطينية نفسها عاملٌ يُولّد التحريض والإرهاب.
ولو استجابت إسرائيل لدعوات إنهاء الحرب قبل رفح، لبقيت حماس بقيت في مواقعها قرب المستوطنات المحيطة بغزة، ولأعاد حزب الله، بقيادة نصر الله، تمركزه على مشارف المطلة وشتولا، ولظل نظام الأسد عاملاً مؤثراً في المحور الإيراني، ولربما امتلكت إيران أسلحة نووية.
بهذا المعنى، لا تُعدّ الحرب مجرد حملة عسكرية ناجحة، بل هي أيضاً نقطة تحول فكرية.
فهي ترمز إلى تحول من سياسة إدارة الصراع واحتوائه إلى سياسة تسعى إلى الحدّ من قدرات الأعداء وإزالة التهديدات الاستراتيجية بشكل استباقي.
من الصعب التكهن بما إذا كانت الولايات المتحدة ستعود إلى حرب شاملة قريباً.
فالتقلبات السياسية الأمريكية تُغيّر مسار الأخبار باستمرار، وتتطلب منا حكمة بالغة لتحقيق مكاسب سياسية.
يجب أن يتعايش الاستعداد للتنازل عن الأهداف التكتيكية مع ضرورة وضع خطوط حمراء فيما يتعلق بالأهداف الاستراتيجية، حتى وإن كان ذلك على حساب مواجهة مُقنونة مع الولايات المتحدة.
لقد أثبت هذا النهج جدواه في لبنان حتى الآن.
فالاتفاق الموقع مع الحكومة اللبنانية ليس أقل من ضربة للنظام الإيراني، إذ يضفي شرعية على وجود الجيش الإسرائيلي في الساحة الأمنية، إلى جانب نبذ لبنان للهيمنة الإيرانية.
ومع ذلك، من الواضح أن الصراع على أمننا على الحدود الشمالية لم ينتهِ بعد.
وبالمثل، على جبهة غزة، يسيطر الجيش الإسرائيلي على معظم الأراضي ويخوض عمليات ضد حماس، رغم أن محاولة نزع سلاحها عبر ترتيبات سياسية تبدو شبه مستحيلة.
لم تنتهِ الحرب الكبرى بعد.
يشير ترامب إلى نفاد صبره تجاه إيران، لكن هذا لا يعني بالضرورة استئناف الحرب في المستقبل القريب.
مع ذلك، وإدراكًا منه أن الإيرانيين لن يتخلوا أبدًا عن أهدافهم الرئيسية، فإن مواجهة أخرى تبدو مسألة وقت لا أكثر.
في ساحة واحدة على وجه الخصوص، تواصل إسرائيل تعقيد الأمور على نفسها، ألا وهي ساحة الوعي.
فبينما سُجلت إنجازات عسكرية وسياسية كبيرة على أرض الواقع، يُظهر بعض الخطاب العام والحملات السياسية واقعًا معاكسًا.
فقد أبرزت لوحات الإعلانات هذا الأسبوع صراحةً: “فشل ذريع في إيران ولبنان وغزة”.
إن النقد عنصر أساسي في الديمقراطية، لكن تبني سردية الهزيمة قد يضر بالصمود الوطني ويمنح العدو إنجازًا معنويًا لم يتمكن من تحقيقه في ساحة المعركة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك